
1- سدوم
(خليل حاوي)
ماتَتِ البَلوَى ومُتنا مِن سنينْ
سَوفَ تبْقى مثلما كانتْ
ليالي الميِّتينْ
لا اذّكارٌ يُلهِبُ الحسْرَةَ
من حينٍ لحِينْ
لا فصول،
سوف نَبْقى خلْفَ مرمى
الشمسِ والثلجِ الحزينْ
ليس يُغوينا ابتهالٌ
يَجتدي العاتي يقينًا مطمئنًّا
يَجتَديه بعضَ ما استنزف منًّا
بعضَ إشراقِ الرؤى بعضَ اليقينْ
بعضَ ذكرى
أيُّ ذِكْرى، أيُّ ذكرى
من فراغٍ ميِّتِ الآفاقِ.. صَحْرا
مسحتْ ما قبْلها، ثم اضمحلَّتْ
خَلَّفتْ مطرحَها طعمَ رمادْ
مطرحَ الشمسِ رمادًا وسوادْ
هيَ ذكرى ذلك الصبحِ اللَّعينْ
كان صبحًا شاحبًا
أتعسَ من ليلٍ حزينْ،
كان في الآفاقِ والأرضِ سكونْ
ثم صاحَتْ بومةٌ، هاجتْ خفافيشٌ
دجا الأفقُ اكْفهرَّا
وَدَوَت جَلجلةُ الرعدِ
فشقَّتْ سحُبًا حمراءَ حرَّى
أمطرتْ جمرًا وكبريتًا وملحًا وسموم
وجرى السيلُ براكينَ الجَحيمْ
أحرقَ القرية، عرّاها
طوى القتلى ومرَّا
عَبَرَتنا محنةُ النارِ
عَبَرْنا هَوْلَها قبرًا فقبرا
وتلَفَّتْنا إلى مطرحِ ما كانَ لنا
بيتٌ، وسمَّارٌ، وذِكرى
فإِذا أضلُعُنا صمتُ صخورٍ
وفراغٌ مَيِّتُ الآفاقِ.. صَحْرَا
وإذا نحنُ عواميدٌ من الملحِ،
مُسُوخٌ من بلاهاتِ السنينْ
إنْ تُذَكِّرْ عابرَ الدربِ
بحالِ الميِّتينْ
فهي لا تذكرُ جوفاءَ
بلا أمسٍ بلا يومٍ وذكرى.
(من مجموعة نهر الرماد-1957)
■ ■ ■
2- في النفق، في العظْمة
(وديع سعادة)
كان أبي في الحرب يبحث في البراري عن عظْمة، ليطحنها بحجر ويسدَّ جوعه. من نسل تلك العظام المطحونة خرج أطفال، كنتُ واحدًا منهم. كنتُ ابن عظْمة مطحونة.
في العظْمة، ينفتح الآن نَفَق، فيه برارٍ وحيوانات، وفيه أبي يمشي من جديد، في البراري.
يمشي، وأنا معه يدًا بيد، نبحث عن عظْمة.
نمشي في قلب عظْمة، ونبحث عن عظْمة. وحين رأيناها أخيرًا، كنا صرنا بعيدَين.
كنا صرنا عظْمتين، فيهما نَفَق، وناسٌ يبحثون عن عظام.
مشيتُ في نفق العظْمة. وضعني أبي في النقطة التي لا تُرى في التلافيف، في غبرة الفراغ، الأمِّ الأولى لحياة العظام.
أدير رأسي الآن وأنظر: إلى الضائعين في نخاع العظام، إلى الواقفين على أرصفتها، إلى المادّين أيديهم لاستعطاء مخرج، إلى الموتى بكهرباء الروح، إلى الباحثين عن حجر ليطحنوا عظْمتهم ويأكلوها، إلى الداخلين لتوّهم… ولا يعرفون ماذا يفعلون.
أدير رأسي وأنظر: حين رميتُ نخاعَ العظام فتحتُ معبري. كان الفراغ هو الطريق. كان الفراغ هو الحجر.
(من كتاب «محاولة وصل ضفتين بصوت» -1997).
■ ■ ■
3- أحاديث خافتة
(بسام حجار)
كان البيت نظيفًا
والثياب مرتّبة
وكان الزائرون يلاحظون هذه السعادة
ويذهبون...
كانت الأمور تحدث عاديةً في الخارج
كان الباعة يمرّون
والابنة نائمةً
والساعة تدقّ
وحين يتكلمان
لا ينظر أحدهما إلى خوف الآخَر.
هي تجمع طرف القماش بين ركبتيها
وهو يواصل الحديث كمن يتذكّر
شيئًا بصعوبة.
هذه بداية. قُل:
ليس هذا ما كنتُ أودّ قوله
كأنّي من مكان آخَر
كأني زوجي أو صديقي
أو جاري الذي مات في الأربعين.
لمَ لا يصغي أحدٌ منكم
حين أقول:
اذهبوا إلى الحربِ
أو إلى الجحيم
فقط
أغلقوا الباب وراءكم.
(من مجموعة «لأروي كمن يخاف أن يرى»، 1985).
■ ■ ■
4- صيدا
(حسن العبد الله)
حفروا في الأرض
وجدوا امرأةً تزني
ملكاً ينفضُ عن خنجرِهِ الدم
حفروا في الارض
وجدوا فخاراً، أفكاراً،
لحناً جَوفيّاً مُنسرباً من أعماق البحر
حفروا في الأرض
وجدوا رجلا يحفرُ في الارض!!
نهضت أعمدةُ الهيكل
نهضت نافورةُ ماءٍ، نهض الجُند
ارتفعتْ شمسٌ تحملُ رقماً وثنيًا وانطفأتْ
ارتفعت شمسٌ تحملُ رقماًً وثنياً اَخر وانطفأت
مَن يُحدِثُ هذي الضجة؟
مَن يُحدِث هذي الضجة؟
حفروا في الارض
لم يجدوا شيئاً
وجدوا أسئلةً مُترِبةً وتُرابا!
هل رأت التلميذة
ذات الثوب الأزرق والعينين الزرقاوين صباحاً
جمجمتي بين الحفريات؟
متنا غرَقاً في أحلام اليقَظَة
متنا غرقاً في غربتنا حول الشمس
لا مأوى للإنسان سوى قلب الانسان
اتحدوا ضد الساعة
لا مأوى للإنسان سوى قلب الانسان
أِحِبُّوا ...
(من مجموعة «أذكر أنني أحببت»، 1978).
■ ■ ■
5- الكمنجات
(محمد ناصر الدين)
كانوا يصوّبونها إلى وجهي
إلى النقطة على منتصف الجبين تماماً
يسندونها إلى أكتافهم
ويحنون رقابهم على مقبضها الخشبي
وكنتُ مثل كل الأطفال
أدفن رأسي بين الكتفين
وأتمتم بالمعوذتين واسم أمي
الرجل الذي يجلس على المقعد المجاور
يهمس في أذني:
إنها كمنجات يا بني
وليست بنادق.
(من مجموعة «فصل خامس للرحيل»، 2016).

