ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

«ربيع» الحروب الأهلية ــ العالمية

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

«نيسان أقسى الشهور» بهذه العبارة التي تَقلبُ التصوُّر التقليديّ عن الربيع، استهلَّ إليوت قصيدته «الأرض الخراب» التي أعلنت ميلاد الحداثة الشعرية من بين أنقاض أوروبا ما بعد الحرب العالمية الأولى.

محمد مظلوم
محمد مظلوم
السبت 12 نيسان 2025
وقفنا ضد الغزو الأميركي للعراق لأننا أدركنا أن أي تحوّل سياسي كبير ومفاجئ سيؤدي إلى حرب أهلية
وقفنا ضد الغزو الأميركي للعراق لأننا أدركنا أن أي تحوّل سياسي كبير ومفاجئ سيؤدي إلى حرب أهلية
الخط


«نيسان أقسى الشهور» بهذه العبارة التي تَقلبُ التصوُّر التقليديّ عن الربيع، استهلَّ إليوت قصيدته «الأرض الخراب» التي أعلنت ميلاد الحداثة الشعرية من بين أنقاض أوروبا ما بعد الحرب العالمية الأولى.

ورثت الرُّوح الإنسانية والحضارة الأوروبية بنبرة تشاؤمية. وبين نيسان الحرب الأهلية اللبنانية 1975 ونيسان احتلال العراق 2003 وإلى الآن وما بعد الآن، كم من نيسان وربيع قاس ودامٍ حوَّل وسيحوّل العالم إلى ساحات حروب أهلية في حقبة ما بعد الحداثة؟

نصف قرن مضى على الحرب الأهلية في لبنان. وفي كل عام يُستعاد استذكارها بخوف جديد ومضاعف. جيلان ولِدَا بعد الحرب، لم يعيشا ويلاتها لكنهما ورثا أشباحها خوفاً طفولياً وفجائع مستمدة من الوثائق والمرويات. ولعل أشباح الحرب الأهلية، ولستُ بنذير شُؤمٍ هنا، تثير الذعر الآن أكثر من أيِّ وقت مضى!

«جمهورية الفاكهاني» أم «ثنائية الرجعية والتقدّمية»؟

أسئلة تلك الحرب وأسبابها كثيرة ومعقَّدة، لأنها في الأساس نتيجة تفاعل معقّد للعوامل الداخلية والإقليمية والدولية، وإذ لا يمكن اختزال أسبابها بجواب محدَّد فلنحددها بسؤال مركَّب:

هل اندلعت تلك الحرب لأنَّ الفلسطينيين أقاموا «جمهورية الفاكهاني» في بيروت؟ أم هي نتيجة للصراع العربي ــ العربي متمثِّلاً في «ثنائية الرجعية والتقدمية»، فأصبحت ساحة لتصفية الحسابات وتنفيس المكبوت العربي؟

أم ــ وهذا هو بيت القصيدة ــ لأن إسرائيل في الجوار، بخريطتها التوراتية وشعارها الأسطوري «من النيل إلى الفرات» المستمدّ من «سفر التكوين»؟ السؤال الأخير يكتسب هذا العام بُعداً خاصاً بعد الغزو الإسرائيلي الأخير، ويجعل شبح الحرب الأهلية، وسط تناقضات الواقع العربي، يبدو مُتغولاً أكثر ليس في لبنان وحده، بل في عموم المنطقة.

خلال تلك الحرب الأهلية، لم تقف إسرائيل على تلّة المتفرج ولم تكن لاعباً خفياً، بل غزت لبنان مرَّتين (1978 و1982) فولدت المقاومة التي بقيت طوال سنوات، ولا سيما منذ اتفاق الطائف، ضمانةً لتجنب الحرب الأهلية. بل إنَّ قوَّتها أصبحت الحامي للتعايش الأهلي.

وإذا كانت حقبة الحداثة العربية قد بدأت إرهاصاتها بنهاية الخلافة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى وتفكك «الدولة العليَّة» وقيام الدولة الوطنية الحديثة، فإنّ الحرب الأهلية في لبنان مثَّلَتْ مؤشِّراً إلى انهيار تلك الحداثة. كانت بيروت عاصمة الحداثة العربية في ذروتها... ساحةً لحراك سياحي واجتماعي حيويٍّ ومركزاً ثقافياً ومالياً وسياحياً مفتوحاً. وكانت سمتها ناصريةً عروبيةً، مع أنّها لم تكن «دولة قومية»، لكنها أيضاً كانت ساحة صراعات عربية –عربية.


هكذا بدأ انهيار الحداثة العربية بحرب أهلية لا بحرب عالمية.

فشل مشروع الحداثة

فشل مشروع الحداثة لأنَّ الأنظمة التي ادَّعتها لم تسخّر الموارد لتنمية بشرية شاملة، بل أهدرتها على تحديث الجيوش التي لم تُحاربْ عدوًّاً بقدر ما احتربَتْ في ما بينها، وبناء الأجهزة الأمنية التي سلبت الأمان الشخصي للمواطن العربي.

كما اهتمت تلك الأنظمة بنموذج الدولة القومية، بينما همشت التعددية الثقافية لمصلحة هوية قسرية موحدة، ففشل العقد الاجتماعي الحديث.

لم تصبح الحداثة مشروعاً شاملاً لتحديث المجتمع، بل تحوَّلت بفعل الاستبداد، إلى مؤسسة لإنتاج التناقضات: تناقض بين حداثة شكلية وواقع اجتماعي معقَّد، وتناقض بين خطاب تحديثي وممارسة استبدادية، ما خلق تراكماً للاحتقان تفجّر في حروب أهلية مع انهيار نموذج الدولة القومية، أو في فوضى «الربيع العربي» الذي تحول هو الآخر إلى حروب أهلية متفرقة.

بيد أنّ قصة «الربيع» تعود برمَّتها إلى الإستراتيجية الأميركية التي وُضعت لاحتلال العراق، متمثلةً بمبدأ «الفوضى الخلاقة». إستراتيجية تقوم على إسقاط الأنظمة وتفكيك المؤسسات من دون بدائل واضحة.

عندما فُكِّكتْ مؤسسات الدولة، وأصبحت السلطة غنيمةً سانحة لأن ينتزعها أيُّ طرف مسلح وقوي، اندلعت الحرب الأهلية في العراق. وهكذا استغلت «داعش» فراغات السلطة التي خلقتها الحرب الأهلية ــ الطائفية في العراق ثم سوريا للاستيلاء على مساحات ليست قليلة من الأراضي في البلدين.

وفي الواقع، ليس سهلاً أن تنتقل الدول من أنظمة استبدادية لتصل إلى الديموقراطية الكاملة من دون أن تدفع أثماناً باهظة بينهما. وقد لا تصل قط وتضيع في دوامة من العنف، لا سيما إن كانت ذات فسيفساء اجتماعية معقَّدة كالعراق وسوريا ولبنان. التراكم التاريخي للصراعات قد يتحوَّلُ إلى هويات مسلحة، ما يُعطّل مبدأ المواطَنة، وتتمزَّق الهوية الفردية بين الدين والطائفة والعشيرة والمنطقة، فيتفكك النسيج الاجتماعي ثم تنهار فكرة الوطن.

عراق حرّ في قلب الشرق الأوسط؟

بعد احتلال العراق وإسقاط نظام صدام، قال الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش إنه عازم على خلق: «عراق حرّ في قلب الشرق الأوسط» ونموذج ملهم لـ «ثورة ديموقراطية عالمية».

لكن العراق خاض مخاض الدم في سنوات الحرب الطائفية، وما زال يلعق جراحه، ولم يصبح نموذجاً مُلهماً ولا حتى درساً قاسياً يتّعظ منه الآخرون!

ولهذا وقفنا منذ البدء ضد الغزو الأميركي للعراق كوسيلة لإسقاط النظام رغم معارضتنا له، ليس لأنه احتلال فقط، بل لأننا أدركنا أن أي تحوّل سياسي كبير ومفاجئ سيؤدي إلى حرب أهلية.

أحد الدوافع الباعثة إلى هذا الإدراك يتمثل في نكوص المجتمعات المحلية واستبدال ما كان يعرف بحركات التحرُّر الثوري بحركات جهادية. وقد رأينا وقرأنا عن تكرر هذا النمط في أنحاء مختلفة من العالم على مدار العقود الماضية.

وليس من قبيل المصادفة أنّ الحروب الأهلية العربية في العقدين الأخيرين ولدت بفعل تدخلات القوى الخارجية الكبرى لفرض التحول القسري والعنيف من «خريف الاستبداد» إلى «ربيع الديموقراطية».

مع احتلال العراق، دخلت المنطقة عصر ما بعد الحداثة والعولمة. وأصبحنا نعيش أجواء حرب عالمية ثالثة. ليست حرباً شاملة ومباشرة بين دول كبرى، كما في الحربين العالميتين السابقتين، وليست نووية كما يُتوقَّع!

إنها أشبه بحرب أهلية بين قوى صغيرة (تكاد تبدو نُويَّاتٍ في حجمها لكنها شرسة في تدميرها!). قوى تبدو محلية لكنها في الواقع ذات ولاءات مرتبطة بقوى خارجية.

وهنا يكمن الطابع ما بعد الحداثي لهذه الحرب العالمية، حيث تتلاشى الحدود بين الداخل والخارج، وتتحول الهويات المحلية إلى وقود لصراعات إقليمية وعالمية. «حرب بالوكالة» تحولت فيها الدول إلى ساحة لتصفية حسابات قوى كبرى، ما يجعل فكرة «السيادة» وهماً.

وإذا كانت معاهدة «سايكس ــ بيكو» قد رسمت حدود الدول بعد الحرب العالمية الأولى بحبر زعماء الدول المنتصرة، فإننا اليوم إزاء حرب عالمية ثالثة وحدود جديدة (ترسمها الدماء الأهلية) بتعبير صموئيل هنتغتون في «صراع الحضارات». والواقع أن الحروب الأهلية أشدُّ قسوةً، وأخطرُ مصيراً من الحروب الإقليمية.

صراع الهويات الضيقة

الحرب الأهلية في حقبة ما بعد الحداثة والعولمة قناع لصراع أممي. حرب يمكن تعريفها مجازاً بأنها: حرب أهلية ــ عالمية ثالثة! و«الوجه الإمبراطوري» هي ما يتكشّف عنه ذلك القناع الذي يجسد جدلية ملتبسة تجمع بين هذه الحروب الأهلية التي تتسع خريطتها، وبين خطاب القوى الخارجية عن «الحرب على الإرهاب» و«حماية الأقليات».

فالحرب الأهلية أحد مواريث الحرب العالمية على الإرهاب ووصفة نموذجية للتقسيم ونشوء المحميات في عصر ما بعد الحداثة حيث تتقوَّضُ «السرديات التوحيدية الكبرى» (كالقومية، والاشتراكية، والدين) وتعدد الهويات.

ولا شكَّ في أن انهيار هذه السرديات في المجتمعات العربية يمهّد لتأجيج صراع الهويات الضيقة التي انتعشت بالفعل مع انتهاء دور الدولة القومية، بل حتى الدولة الإقليمية، في عصر العولمة التي محت الحدود التقليدية بين الداخل والخارج فاضمحلَّ مفهوم السيادة.

ومع الانتشار المنظم للفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي بوصفها وسائل ما بعد حداثية، تحوَّلت الحرب الأهلية إلى «مسرحية عولمية» تُدار فيها الصراعات عبر وكلاء محليين، وتُختزل الدماء في «عواجل» وعناوين إخبارية أو تغريدات وتعليقات وهاشتاغات تُنتج فيها الحقائق افتراضيّاً، حيث يُنشر ما لا يحصى من الروايات المتناقضة.

لا وجود محدداً للحقيقة في فكر ما بعد الحداثة. إنها مُتعددة وتُصنع بتأثير الخطاب والسلطة، محاكاة وتمثيل ليس إلّا. وهو ما نراه في سجالات الحروب الأهلية، فكلُّ طرف في الصراع يخلق سرديته الخاصة لتبرير العنف.

وهنا يبرز دور «النخب الحداثية الخائنة» بتحالفها مع «الرأسمالية الطفيلية» وتماهيها مع خطاب الرعاع والدهماء، فلطَّخَ المال القذر الجغرافيا العربية بدماء حروب أهلية مفتوحة تتغذى من خطاب الكراهية المستشري كالداء المزمن ويجري توارثه عبر الأجيال، ما يجعل أي جهد للعلاج والمصالحة المستقبلية والتعايش السلمي أمراً صعباً وشاقاً.

* ناقد وشاعر عراقي

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك