ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

«اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق»... الرأسمالية حضارة القمامة

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

يشكّل وثائقيّ «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» المعروض على نتفليكس، صفعةً مدوّية في وجه سكان «القرية الصغيرة» الغارقين في جنون التسوّق ولا يدرون ماهية النتائج المترتبة جراء فائض الاستهلاك الذي يمارسونه بعماءٍ. 

بول مخلوف
بول مخلوف
السبت 26 نيسان 2025
يبيّن فيلم «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» كيف حوّلت الرأسمالية الكرة الأرضية إلى جبل ضخم من النفايات
يبيّن فيلم «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» كيف حوّلت الرأسمالية الكرة الأرضية إلى جبل ضخم من النفايات
الخط


يشكّل وثائقيّ «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» المعروض على نتفليكس، صفعةً مدوّية في وجه سكان «القرية الصغيرة» الغارقين في جنون التسوّق ولا يدرون ماهية النتائج المترتبة جراء فائض الاستهلاك الذي يمارسونه بعماءٍ.

نتفليكس المنتجَة لهذا الوثائقيّ، صنَّفت النوع الذي ينتمي إليه «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» في خانة «المؤامرة». عندما نقول مؤامرة، نتحدث عن شيءٍ خفيٍّ يجري وقد خُطِط له في السرّ. شيء خطير له تبعاته الضارّة التي لا تناسب أحداً سوى الفئة التي تتآمر. وثائقيّ «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» يفضح مؤامرة العصر بالقرائن والدلائل.

هكذا تغدو المؤامرة حدثاً موجوداً يتم تفكيكها منطقياً وليست دعابة هوليوودية مختلقَة يراد لنا تصديقها كالمجانين. المؤامرة قائمة ونحن المعنيون بها: هناك من يحركنا مثل ألعاب الدمى ويتوّجه إلينا بصيغة الأمر: «اشترِ». الوثائقي يدلّ على هذا الديكتاتور: إنها بضع شركاتٍ تسيطر على اقتصاد العالم وتتآمر علينا، فيما نحن جميعنا سكان هذا الكوكب، والكوكب بذاته، ضحايا شره رأسماليّ لا يعرف الشبع. الحبكة الدرامية تكمن في أننا نسهم في تسهيل هذه المؤامرة، بل المشاركة فيها، حين ننصاع لذاك الأمر ونذعن للشراء والاستهلاك.

لا يكرر «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» شرح ما تنطوي عليه الرأسمالية، بأنها سلسلة أرباح تتراكم بشكلٍ هائل جرّاء تهافت المستهلكين الغافلين عن حقيقة السوق؛ هذا من البداهة.

يذهب الوثائقي إلى ذاك المكان الخفيّ الذي لا تريد الشركات لأحد أن يعلم عنه شيئاً. إنه حفرٌ عميق في المسارات «اللاوعية» للرأسماليّة: أين تذهب البضائع التي تُنتَج؟ كيف يتم التخلص منها؟ لماذا يتم تصنيع ملايين الأحذية في اليوم الواحد؟ كيف يقنعوننا بشرائها؟ وهل نحن على علم بأن البلاستيك الذي يشكّل البضائع، هو نفسه البلاستيك الذي يدخل إلى أمعائنا؟

في «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» ثمة تفريغ لبنية الرأسمالية وشرح آليات اشتغالها «فينا»، وثمة فضح كاشف لسلوكياتٍ نمارسها ولا نعيها.

لم تعد الرأسمالية علاقة قائمة بين طرفين، العامل ورب العمل، بل تعدّت نطاق العلاقات وترسخّ طيفها داخل الذات نفسها. صارت الرغبة في المنتَج الذي نشتريه بغية حصولنا على السعادة بمنزلة مسدس نشهره تجاه أنفسنا.

لقد استطاعت الشركات إدخال الرأسمالية على ذواتنا مثلما يدخل اللقاح إلى أجسادنا. غدونا بشكلٍ ما ممسوسين: نطلب البضائع، نستهلك الضائع، ونشتري بضائع لا نحتاجها.

إننا مسؤولون عن موتنا، وعن تقهقر صحة الأرض، وكل تلك الاتفاقات والمراسيم المعقودة من قبل الشركات الكبيرة التي تنصّ على احترام البيئة تؤكد أنّ الأمور خرجت عن السيطرة.

الوثائقي ينطلق من هنا: نحن سرعان ما نشعر بالسعادة عند شراء الملابس، والأجهزة والألعاب وغيرها، وننسى أو ربما لا ندري، أنّ هذه المنتجات تتحوّل إلى مخلّفاتٍ تعجز الأرض عن هضمها.

وعليه، يغدو المنتج الذي يولّد سعادتنا عاملاً مسبباً في تدمير كوكب الأرض. ولعلّ هذه الفكرة تصلح أن تكون أقصر قصة درامية في العصر الحديث: إنّ ما يجعلك سعيداً، أي المنتَج الذي تشتريه بقرارة نفسك، هو ما سيقضي عليك إنّما سيقضي على الجنس البشري بأسره.

تحوّلت الدول الفقيرة إلى مكبّ يستقبل مواد تشمل معادن ثقيلة مثل: الرصاص، الزئبق، مثبطات اللهب المبرمجة

لقد أصبح كوكب الأرض مكبّ نفايات كبيراً، والسعادة التي نشعر بها بعد الشراء، لهي خطوة ممهدة نحو الفناء الأخير. لو فكرنا قليلاً في الإثارة التي يزوّدنا بها الاستهلاك، لاستنتجنا أنّها الوجه الآخر لعزاءٍ مؤجل؛ عزاءٌ نحن فيه الأموات.

إن الرأسمالية كما يقول ماركس «ستقطع الشجرة إذا لم تستطع بيع ظلها»، وثائقي «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» يبيّن كيف حوّلت الرأسمالية الكرة الأرضية إلى جبل ضخم من النفايات بدلاً من كونه غابة كبيرة ومكاناً مأهولاً للعيش، ويرمي أمام ناظرنا حقيقةً موجعة: قد نكون نحن حاملي الفأس قطّاع الأشجار. كتب الناقد الأدبي فريدريك جايمسن تعليقاً على الحرائق التي اندلعت في أميركا: «قال أحدهم مرة إن تخيّل نهاية العالم أهون من تخيّل نهاية الرأسمالية. غير أننا اليوم نشهد انقلاب المعادلة: في إمكاننا تخيل الرأسمالية عبر تخيل نهاية العالم». «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» يدقّ جرس الإنذار، وصوت الجرس المقروع حاد. فالرأسمالية خرجت عن عقالها، ونهاية العالم تبدو قريبة.

مهمة الوثائقي تخريب البهجة، وإفساد الإثارة الناتجة من التسوّق، إنه يبتغي القيام بقطيعةٍ مع الجلبَة السائدة لتفادي الأبوكاليبس. رسالته، باختصار شديد، مفادها: «توقفوا عن القيام بما تقومون به، وشاهدوا كيف تم مسخكم، انظروا الى حقيقة ما يجري في الواقع». الهدف من هذا النداء الساخط هو إيقاظ الإرادة التي سلبت منا، وتحرير الرغبة، أو فلنقل «تنظيف» الرغبة - رغبتنا - من رواسب الاستهلاك وفيتيشية البضائع.

على أنّ «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» بمنزلة ضوء يشعّ داخل الغرفة المظلمة التي تحاك المؤامرة داخلها.

تخبرنا الشركات أنّها غير مسؤولة عن منتجها فور صدوره، ما يعني أنّ مسؤولية المنتَج، وتحديداً مصيره، تقع على عاتق... مجهول. نحن نعلم أنّ الشركات الرأسمالية تستغل ثروات الأرض غير أننا لا نعلم ماذا يحدث بعد إنتاج بضائعها. في وثائقي «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق»، نتيقن أنّ الاستغلال لم يعد مقتصراً على سرقة ثروات الأرض وتعب الإنسان، إنما طاول كوكب الأرض بذاته. فالمخلفات الناجمة عن الإنتاج، وهي الحلقة الأخيرة التي تلي التصنيع والاستخدام باتت مع الوثائقيّ مكشوفة للعيان.

في الإنتاج

يستضيف «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» شخوصاً شغلوا مراكز إدارية رفيعة في شركاتٍ مرموقة مثل «أمازون» و«أديداس» و«آبل»، وقد حضر هؤلاء بكل غبطةٍ وسرور ليسردوا لنا بالتفصيل كيف يترك السحر أثره، كيف يتم التلاعب بنا من قبل نظامٍ ساحرٍ تستخدمه الشركات. يفصحون عن تجربتهم كمن يقدّم شهادة حياته ويبوح بذنوبه. نحن إزاء اعترافاتٍ مذهلة تجعلنا نعيد التفكير في كل ما نفعله مرتين.

الألوان في الاستوديو فاقعة توحي بـ«واقعٍ مفرط» (Hyper-reality) تحدث عنه جان بوردريار. ألوان ترسم عالماً يفتح الشهية ويثير التشويش، يتمثّل في المولات والسوبرماركت عبر ألوان البضائع المتوهّجة، وأضواء النيون الساطعة المبهرة، والأغاني المبثوثة التي تضفي معنى على لوحة الوهم.

الراوي في الوثائقي هو ذكاء اصطناعي صوته يشبه صوت «سيري»، يحكي لنا قصصاً ليست للتسلية ولا للنوم بل للمعرفة؛ يقدّم لنا سرديات معرفيةً بنبرته الخافتة التي تحيل إلى جلسات التنويم المغنطيسي.

وهذا افتعالٌ متعمّد، لأنّ الراوي هنا يتقمص هوية الشركات التي تتلاعب بنا وتتركنا تحت تأثيرٍ يشبه من تعرض للتنويم المغنطيسيّ. بيد أن الذكاء الاصطناعي يلعب وظيفة أخرى، أخلاقية أكثر من الكائن البشريّ، بأنه يعرّفنا إلى حقيقة الشركات الجشعة التي يديرها البشر، وفي كشفه عن الإستراتيجيات التي ترتكز عليها هذه الشركات حتى تزيد أرباحها.

يطلب الذكاء الاصطناعي من نفسه: «صوّر لي 20 مليون حذاء»، فنرى السماء في نيويورك تمطر أحذية، نرى مدينة شاسعة مثل نيويورك تتقيأ أحذيةً بسبب تخمة الإنتاج.

الراوي، أو الذكاء الاصطناعي هو ناطقٌ باسم هذه الشركات إذاً. بمجرد أنه يعرّفنا عن نفسه بوصفه هذه الشركات، فإنه بالتالي يفضح المؤامرة.

خمس خطوات إستراتيجية تشكّل المنهجية العلمية التي تسنح لهذه الشركات التلاعب بنا، وزيادة أرباحها، وتهديد سلامة الحياة على كوكب الأرض: فائض الإنتاج (أكثر من البيع)، الهدر (اهدر أكثر)، الاستغلال (اخفِ أكثر)، التلاعب (اكذّب أكثر)، والسيطرة (وسّع السيطرة).

أكثر من البيع

إيرك ليدكي مسؤول سابق عن علامة شركة «أديداس» يشعر بتأنيب الضمير: «ارتكبت أفعالاً كان في مقدرتي، بل كان عليّ فعلها بطريقةٍ أفضل».

يشارك ليدكي في هذا الوثائقي مثل من يُقدِم على فعلةٍ يكفّر عبرها عن خطيةٍ ارتكبها في السابق. نيراف باتيل، وهو عامل سابق في شركة «آبل»، يشارك ليدكي الشعور عينه.

إنه يعترف قائلاً: «لقد كان صوت الشركة يطغى على صوت العقل».

تقوم الشركات على إسكات صوت الضمير عند موظفيها. «لا أحد يصدّق أن أمازون شريرة، جميع العاملين يعتقدون أنّ الشركة محقّة في أفعالها» تقول مارن كوستا، رئيسة سابقة لقسم التسويق في أمازون. تسير الشركات وفقاً للمعادلة التالية: كلما زاد الإنتاج زاد الشراء أي المبيع، لذلك على الجميع تلبية الأوامر وعدم إبداء أيّ تذمّر أو عصيان.

إذا كنا نحن كزبائن مخلصين أو زبائن محتملين، معنيين بـ«اشترِ»، فإنّ عمال الشركات يتلقون نداء الأمر كالتالي: «اعمل».

وكون جميع الضيوف تقريباً يعملون في مضمار التسويق، فسنفهم أسلوب الإقناع المعتمد، الذي يحثنا على «شراء المزيد». في حين تحرص «أمازون» المشهورة بشعار «اشتر بنقرةٍ واحدة» على توفير المنتَج للزبون بأسرع وقتٍ بعدما يطلبه، فإن شركاتٍ أخرى مثل «أديدياس» وغيرها تعمد إلى خلق قصةٍ.

إنّ أكثر ما تهتم به هذه الشركات ليس نوعية القماش، ولا جودة المنتَج بل الوهم. إنها تحرص بشدّة على تحفيز لزبائن لكي يزيدوا الشراء. تعتمد فرق كرة القدم على قمصان عدة، ما الغاية من أن يكون للنادي قميصان وثلاثة قمصان؟ القصة. القميص الأول يعتمد في مباراة الذهاب، فيما القميص الثاني هو القميص الذي يرتدى في مباراة الإياب.

في الأحذية الرياضية مثلاً، نجد أن هناك حذاء لمايكل جوردان، وحذاء لكانييه ويست، وآخر لجاي زي وإلخ.

تقوم الشركات بإسقاط قصة المطرب على الحذاء الذي ينتعله. على هذا النحو، تصبح قصة الحذاء هي قصة المطرب نفسه. إنّ القصة تعطينا سبباً مقنعاً للشراء، الشركات تعلم بأنّ القصة تأسر، وتترك أثراً، لذلك فإنها تطور مسارها القصصي وتفتح باب المخاطبة.

في الإعلانات، تتوجه إلينا الشركات بأسلوبٍ سهل ومباشر، كأن هناك معرفة تربطنا ببعضنا، كما تظهر وكأنها تهتم بأمرنا، غير أنّ الغاية الأخيرة وراء كل هذه النعومة لهو (فعل الأمر) «اشترِ».

هكذا، تخرج القصة من إطارها الإعلانيّ وتغدو علاقة مباشرة تربط الزبون بالشركة. تنتج الشركات ما يقارب الـ100 مليار قطعة من الثياب في النهار الواحد. لا تحتاج البشرية إلى هذا الكم المهول.

هذه الكمية تكفي البشرية لمدة قرون. ثم، إنّ الثياب والأحذية تصنّع من مواد سامة أبرزها البلاستيك. الراوي في الوثائقي، الذكاء الاصطناعي، سيتيح لنا فرصة التعرف إلى المستقبل: ماذا سيحدث بعد مئة عامٍ من تخلصنا من الثياب والأحذية؟

سنجد أن المواد التي تتشكّل منها هذه البضائع، كالبلاستيك والنايلون وغيرها، ستبقى حاضرة في الأرض دون أن تتحلل. هذا يعني أنه ليس هناك شيء اسمه «تخلّصنا من».

لقد بزغ في عالم الرأسمالية ما يمكن وصفه بالخطيئة الأصليّة. هناك خطيئة أصلية نحملها جميعاً. كلنا مسؤولون عن التشويه الذي حدث لكوكب الأرض والضرر الذي أصابه. حتى أولئك الذين لم يشاركوا في جنون الاستهلاك، لن يشفع لهم نأيهم بأنفسهم حتى يحوزوا الخلاص.

اهدر المزيد

زيادة نسبة أرباح الشركات تستدعي خطوة ثانية تعقب الخطوة الأولى؛ تلك التي ارتكزت على إيجاد ذريعة، أي القصة، بغية زيادتها الإنتاج، وتسويقها للوهم من بعد.

وجَب على الشركات في الخطوة الثانية دفع المستهلكين إلى استبدال منتجاتهم القديمة بأخرى جديدة. المسألة هنا تبدو شديدة البساطة: تصمم الشركات المنتَج، فتصنّعه، ثم تطلقه إلى السوق، وتبيعه، فيستخدمه الناس ثم يصير من المخلفات، لأن نسخةً جديدة منه قد صدرت أخيراً.

نيراف باتيل، العامل سابق في شركة آبل، يفصح أنّ 13 مليون جهاز خليوي يرمى في اليوم الواحد. إنها أجهزة باهظة الثمن ومتطوّرة، ألا يطلق على هذا الجهاز لقب الهاتف الذكيّ؟ يشكّل الجهاز الذكي رمزاً لحضارتنا المتوهّجة والمتقدمة.

المؤسف أنّ مصير كل هذه الأجهزة هي... القمامة. غير أنّ الأمر الفظيع وليس المؤسف فحسب، هو أنّ كوكب الأرض بات هذه القمامة. كانت الأجهزة الإلكترونية في السابق قابلة للتصليح في حال تعطّلت أو أصابها الضرر بيد أنّ الأمر لم يعد كذلك الآن.

شركات مثل آبل تمنع مستخدمها تصليح جهازه في حال تعطل، هذا عدا عن كون هذه الأجهزة مصنّعة بشكلٍ معقّد جداً يجعل من تصليحها مهمة شاقة إن لم نقل مستحيلة، ومصنعة أيضاً من مواد تعتبر من ثروات الأرض.

شخص يدعى كايل وينز يرأس شركة لتصليح الأجهزة الإلكترونية، هو من دعاة عدم رمي الجهاز القديم، ومن المشجعين على ترميم الخلل واعتماد التصليح باعتباره حلاً، يكشف لنا عن رسائل تهديدٍ وصلت إلى بريده الإلكتروني من قبل الشركات.

الألوان في الاستوديو فاقعة توحي بـ«واقعٍ مفرط»
تحدث عنه جان بوردريار

يخبرنا وينز أن شركة مثل آبل لا تزوّدنا بمعلوماتٍ حول كيفية تصنيعها للأجهزة، إنها تخفي عنا معلوماتٍ من حقنا الحصول عليها. هذا الإخفاء هو جزء من الإستراتيجيات الخمس المتبعة.

أيفون مثلاً تشدد على جعل المنتج غير قابل للتصليح. تحرص أن يكون الغطاء الخلفي غير قابلٍ للخلع، إنها تستعمل نوعاً معيّناً من البراغي حتى نعجز عن الوصول إلى مكوّنات الجهاز. هكذا، عوضاً من تصليح الأجهزة نقوم باستبدالها، أي نهدرها. غير أنّ الهدر الذي يتحمل مسؤوليته المستهلكون لا يقارن مع الهدر الذي تقوم به الشركات.

تقوم شركة «أمازون» بتلف ما يفوق الـ 130 ألف قطعة أسبوعياً. بدلاً من توزيع هذه البضائع، يتم تلفها، طمرها في الأرض أو حرقها.

إنّ البضاعة التي دفنتها «أمازون» في الأراضي الأميركية تقدّر بنحو 2.27 مليار كيلوغرام. هذا الرقم يخص أميركا وحدها فقط. تتخلص الشركات من منتجاتها غير المباعة والتي لم تعد صالحة للاستهلاك.

نتعرف إلى عمالٍ استقالوا من وظائفهم على إثر شعورهم بالعار حيال سلوك الشركات التي يعلمون فيها. الطعام الذي تقترب مدة صلاحيته من النفاد يخلط ببعضه حتى لا يستفيد منه أحد ويرمى بعيداً.

شركات الثياب العالمية تمزّق البضاعة التي لم تبعها ثم ترميها في القمامة؛ تهدر الشركات بضائعها عن قصدٍ لكي تمنع بيع منتجاتها بسعرٍ منخفض ولكي تحافظ على أرباحها. وبين خياري الهدر أو التوزيع، تختار الشركات الأولى من دون أن تشعر بأيّ عقدة ذنب أو وخز ضمير.

وهذه الماركات العالمية تخشى أن تفقد وهجها في حال ارتدى متشردٌ منتجها ولا تخاف الانتقاص من عمر كوكب الأرض. كلما ازداد الإنتاج، ازداد في مقابله الربح، غير أنه كلما ازداد الإنتاج زاد معه الهدر، أي كثرت المخلفات.

اكذب أكثر

عندما تأخذ الشركات قرارها بهدر البضائع، فإنها تحرص على ارتكاب جريمتها بسريةٍ كاملة. يصر منتِج وثائقي «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» على تبديد قناعة ساذجة تسود، تفضي إلى اعتبار الشركات محط ثقةٍ. تتعاطى الشركات مع المستهلك بشكلٍ حميمٍ وشخصيّ، إنها تقيم علاقة معه أساسها الثقة والإعجاب حيث تظهر له الوجه اللامع ولكنها تخفي عنه الوجه المظلم.

شركة «الكوكا كولا» التي تقدم مشروبها بوصفه مشروباً منعشاً تطمئن المستهلك إلى أنّ زجاجة البلاستيك التي يشرب منها قابلة للتدوير، فلا داعي لأن يقلق. غير أنّ كوكا كولا تكذب، مثل كل الشركات الأخرى التي تستخدم البلاستيك مهما وضعت على منتجاتها ملصقات تشير أن بضاعتها قابلة للتدوير.

مثلما تسطو الشركات على رغبة المستهلك وتحوّله إلى كائن يقول «أنا أرغب» عوضاً من «أنا أريد»، تراهن الشركات على ثقة المستهلك وتكابد للحافظ على هذه الثقة.

تزداد صناعة البلاستيك كلما ازداد الإنتاج الذي يزيد بدوره الهدر. ومعنى الهدر هو طمس البلاستيك في الأرض وحرقه. ستؤدي هذه الدوامة في نهاية المطاف إلى انفجار كارثيّ قد يكون انفجار مرفأ بيروت حدثاً ناجعاً أمامه.

إنّ كل ما نشهده اليوم من احتباسٍ حراريّ، وحريق غابات وتغير مناخي سببه نشاط هذه المعامل التي لا تهدأ. بيد أنّ الشركات تدغدغ شعور المستهلك، تراهن على ثقته، فتزوّده بما يريد أن يسمعه. تخاطبه كالآتي: «مواد قابلة للتدوير». يعود الوهم من جديد، ولكن هذه المرة عن طريق الطمأنينة ونزعها القلق عن المستهلك.

جان ديل وهي خبيرة كيميائية تشرح لنا أنّ البلاستيك المستخدم غير قابلٍ للتدوير. كل هذه الملصقات والإعلانات والإشارات البيئية لهي خدعة حتى لا يشعر المستهلك بالذنب.

جان ديل تعترف أن معظم القوانين غير صارمةٍ، وتقول لنا إن 10 في المئة فقط من مجمل البلاستيك المصنّع يعاد تدويره. يمكنك أن تتذمر من الآن إلى الأبد، ولكن لن يحدث تذمرك ولا التدوير الذي تقوم به بأي فرقٍ. الحلّ الوحيد الذي تقترحه ديل هو التوقف عن تصنيع البلاستيك.

وديل تصوّب سهامها على ما يسمى بـ«الغسل الأخضر» أي تلك الخطط الزائفة التي تزعم الشركات أنها تمارسها وتشكّل حلاً، مثل اعتماد إعادة التدوير، وتنظيف الغابات والبحار وبرامج «استدامة البيئة».

كل هذه الخطوات لا تصنع فرقاً، إنها بحسب ديل «شر مزدوج» لأنها لا تفي بما وعدت، ولأنها تخدع الناس ثانياً. جبال النفايات أكبر دليل على أنّ إعادة التدوير كذبة ضخمة، الفرق الحقيقي يبدأ بالتوقف عن صناعة البلاستيك، والتوقف عن تصديق كذب الشركات.

جيمس بوند النفايات

إذا كان تحديد الربح مقروناً بزيادة الإنتاج، فهذا يعني أننا في ورطةٍ كبيرة لأنه لن يعود هناك من مكانٍ لنسكنه جراء المخلفات التي تتركها الشركات المنتجة وراءها.

جيم باكيت هو رجل استقصائي، ملقب بجيمس بوند النفايات، وجد مخلفات شركة «ديل» في تايلندا. باكيت وضع جهاز تعقب «جي. بي. إس» داخل مستودع يحوي أجهزة إلكترونية من المقرر التخلص منها، تتبع مسارها وخلص إلى أنّ المكان المقرر دفن الأجهزة فيه هو إندونيسيا.

معظم المخلفات كما يشرح لنا باكيت، تمر بشكل غير قانونيّ، عبر دفع رشاوى وغيرها.

كما إنّ الأمكنة التي تستقبل هذه المخلفات غالباً ما تكون دولاً هشّة اقتصادياً. تلتف الشركات الكبيرة على القوانين وتلجأ صوب الدول الفقيرة، هناك حيث لا يرى أحد شيئاً؛ تلقى القمامة في تلك الدول غير المرئية التي لا يهتم بها أحد.

«هذه الدول لا تدفع الثمن بالمال بل بالصحة» يقول باكيت. تتحوّل الدول الفقيرة إلى مكبّ نفايات يستقبل مواد تشمل معادن ثقيلة مثل: الرصاص، الزئبق، مثبطات اللهب المبرمجة التي تسبب كل أنواع الأمراض. هذه ليست مجرد قمامة، إنها قنبلة نووية موقوتة.

ينوّه الوثائقي منذ البداية إلى أن عبارة «تخلصت من» لهي عبارة واهنة لا تعني شيئاً لأنه يستحيل التخلص من المخلفات. إذا كان هناك قنبلة موقوتة في إندونيسيا بسبب بطاريات الأجهزة الإلكترونية المطموسة تحت الأرض، فإنّ شواطئ غانا وبحارها مليئة بالبلاستيك جراء الملابس التي «يتم التبرع» بها للفقراء.

قد يبدو «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» فظاً في تهشيمه للمبادرات ذات النزعة الإنسانية، كإعادة التدوير والتبرع بالملابس، إلا أنّ العالم على صفيح ساخن والقنبلة قد تنفجر في أي لحظة.

15 مليون قطعة ثياب تستقبلها غانا كل أسبوع، جبال من المخلفات موجودة على الشواطئ. مادة البوليستر وهي بلاستيك مصنوع من الزيوت تتسرب إلى مياه البحار وتعود إلى ما نأكله. تأكل الأسماك البلاستيك، وبدورنا نأكل هذه الأسماك. بتنا كائنات «راغبة» من لحم ودم وبلاستيك.

وسّع السيطرة

يشدد وثائقي «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» على القبضة الحديدية التي تتسم بها الشركات مهما بدت ديموقراطية، وحداثية، وناعمة ومحط ثقة.

تبث الشركات سردية على شاكلة: نحن شركة تحب الطبيعة، أو نحن أفضل شركة في التعامل مع البيئة... وعلى جميع العاملين تبنّي هذه السردية والترويج لها. العامل الذي يشكك في مصداقية شركته أو يعارض توجهها يتعرض للفصل تلقائياً.

حدث ذلك عندما عاند بعض العاملين شركاتهم في قرار التلف والهدر: قرروا توزيع البضائع والمنتجات على المشردين والفقراء، فتعرضوا للطرد الفوري.

يصوّر وثائقي «اشترِ الآن: مؤامرة التسوّق» كيف أننا في زمن الرأسمالية المتأخرة نعيش في حضارة القمامة. في فيلم «دليل المنحرف إلى المجرة» يقف سلافوي جيجك قرب حاوية نفايات ويقول: «إني آكل من هذه الحاوية، وهذه الحاوية اسمها: الإيديولوجيا». ونضيف، إنّ اسم هذه الإيديولوجيا هو: الرأسمالية.

* Buy Now! The Shopping Conspiracy على نتفليكس

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك