
لم يتوقف يوماً النقاش حول العلاقة بين الإسلام والسلطة السياسية، لا سيما في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
خلال الانتداب العثماني في المنطقة، لم يكن النقاش محتدماً حول الدور الإسلامي السياسي لأنّ المرجعية كانت موحّدة في الأستانة.
استمرّ الوضع على ما هو عليه إلى أن برزت حركة إسلامية تحرّرية في مصر أسّست لدور إسلامي جديد يدعو إلى النهضة والتحرر مثل حركة محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي. وأثناء الاستعمار الفرنسي والإنكليزي في المنطقة، لعبت الحركات الإسلامية دوراً تحرّرياً في مواجهة الاستعمار ودحره.
حقبة ما بعد الاستعمار
بدأت مشكلة الإسلام السياسي في حقبة ما بعد الاستعمار، فالاستعمار لم ينسحب ببساطة، بل ترك حكّاماً يخدمون مصالحه كليّاً في مجمل البلدان العربية. وفي ظل تلك السلطات، بدأت تتشكّل حركات إسلامية معارضة للحكم تطمح للاستيلاء على السلطة وفرض الحكم الإسلامي.
يحاول كتاب «الإسلام والديموقراطية في العالم العربي- مصر وتونس من منظور مقارن» (دار الساقي) للباحث الأكاديمي هشام العلوي أن يجيب عن الأسئلة الآتية: ماذا لو لم تكن السياسة في حاجة إلى انتظار الدين لكي يلحق بها؟
ماذا لو قبلت الحركات الإسلامية بفكرة أنّها قد لا تصل إلى إجماع عام حول المشاركة السياسية وحريّة التعبير والقضايا الاجتماعية؟ ماذا لو رأى المتنافسون على السلطة أنّ مهمّتهم ليست مرهونة بالتوصل إلى اتفاقات على نوعية النظام السياسي الذي يجب تنفيذه وفقاً للإسلام، وبدلاً من ذلك اعتبروا أنّ مهمّتهم تكمن في إيجاد حلول وسط تسمح للجميع بالمشاركة ما دام كلّ طرف يقبل بأن يتنازل عن بعض من رؤيته للنظام؟
يقدّم هذا الكتاب نقاشاً حول التحوّل الديموقراطي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مقترحاً آلية فعّالة يستطيع المجتمع فيها صوغ ديموقراطيته في لحظات الغموض والارتياب التي تعقب سقوط الأنظمة.
وقد طبّق ذلك على تونس ومصر إبّان الثورات العربية عام 2011. يعتبر الكاتب أنّ النتائج المتباينة التي وصل إليها بعد أعوام من الثورة والعواقب المترتبة على الصراع الذي شهده الإسلاميون مع القوى «غير الإسلامية» تؤكّد سعيه إلى إبداع حلول ديموقراطية.
هل التعايش ممكن؟
حطّمت ثورات الربيع العربي فكرة أنّ مجتمعات الشرق الأوسط مستضعفة من قبل أنظمتها وهي ساكنة، إلا أنها أثارت سؤالاً جوهرياً: هل الإسلام والديموقراطية منسجمان؟
يطرح الكاتب ثلاث فرضيات: الأولى هي أنّ الإسلام والديموقراطية غير متلائمين وغير منسجمين، وبالتالي يرفض المتدينون الإسلاميون المؤسسات الديموقراطية.
سنبقى نحاول أن نشبه نموذجاً يتساقط هو بنفسه في أميركا وأوروبا
أمّا الفرضية الثانية فهي أنّ الإسلام والديموقراطية منسجمان فطرياً، بالتالي سوف تتبنّى المجتمعات المسلمة المؤسسات الديموقراطية بغية التطور. أمّا الفرضية الثالثة فهي أنّ التعايش بين الإسلام والديموقراطية في أي مجتمع هو مسألة بحث وتأويل.
ينفي الكاتب صحة الفرضية الأولى تجريبياً، فأندونيسيا بغالبيتها المسلمة تمثّل تجربة ديموقراطيةً. أمّا بخصوص الفرضية الثانية، فيُعيد الكاتب تعريف الديموقراطية ويسلب عنها تعريفها الغربي، فيبحث في تأويلات الدين، ليجد مساحةً مشتركةً بين التعريف الغربي والممارسة الإسلامية للديموقراطية.
بالتالي يتبنّى الكاتب الفرضية الثالثة ألا وهي تأويل وتفسير إمكانية التعايش بين الإسلام والديموقراطية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خصوصاً في مجال الإيمان الإسلامي. ويشدّد على أنّ التأويل الديني لا يكفي لممارسة الديموقراطية عملياً، بل على العلماء أن يطبّقوا إصلاحاً دينياً في الممارسة السياسية، بعكس ديموقراطية الغرب التي تعزل الفكر الديني عن الممارسة السياسية.
وبهذا، يكون قد ابتدع الكاتب مساحةً افتراضيةً تجمع الفكر الإسلامي مع فكر مؤسسات الدولة، لتجعل من الجميع منخرطين في كتابة الدساتير من دون أي فكر دوغمائي جامد.
بعد سقوط السلطة كما في مصر وتونس، يدعو الكاتب إلى حقبة «تسامح» بين الإسلاميين والآخرين، بحيث يتمّ التناقش بين جميع الأطراف حول شكل الدولة، ويسمّيها بالديموقراطية التوافقية التي تشبه مدة التحوّل الديموقراطي في جنوب أوروبا وأميركا اللاتينية.
الحالتان المركزيتان: مصر وتونس
كان المجتمعان المصري والتونسي يعانيان قبل الربيع العربي من قمع رئيسين مستبدين احتكرا الحكم منذ الثمانينيات عبر أحزاب حاكمة.
شهد البلدان انتفاضةً جماهيرية أطاحت بالرئيسين وأتاحت لقوى المعارضة التنافس للحصول على السلطة. وفي البلدين، كانت الحركات الإسلامية تتمتع بقاعدة جماهرية كبيرة، فضلاً عن العلمانيين الذين كانوا رافضين للحكم الإسلامي.
تجسّد تونس بالنسبة إلى الكاتب التوافق الناجح لانتقالها المبكر إلى الديموقراطية بحيث تمكنت حركة «النهضة» الإسلامية والأحزاب العلمانية من صياغة التنازلات والتسويات بغية التوصّل إلى دستور ديموقراطي.
ويعود هذا النجاح إلى ضعف الجيش أولاً وإلى الإصلاح الفكري عند الإسلاميين في تونس وإلى شعور مشترك بالهوية الوطنية.
أمّا في حالة مصر، فكان التوافق أمراً صعباً، إذ فشل كلّ من «جماعة الإخوان المسلمين» وتيار الدولة المدنية في التوصل إلى اتفاقات بغية تقاسم السلطة.
لقد استندت «جماعة الإخوان» على قاعدتها الشعبية الضخمة وضعف المجتمع المدني غير المنظّم من أجل الاستئثار بالسلطة وحدها من دون مشاركة الوطنيين والعلمانيين. وهذا الشرخ بين التيّارين سمح للجيش بالاستئثار مجدداً بالسلطة في وقت لاحق.
نقد النظرية
يعتبر الفيلسوف توماس هوبز بأنّ «الإنسان ذئب للإنسان»، بمعنى أنّ الإنسان في حالته الطبيعية السابقة عن الحالة المدنية، يحقّ له أن يفعل أي عمل تجاه الآخر طالما أنّه يرى ذلك مناسباً لمصلحته.
ومن أجل حلّ تلك المعضلة، يقترح هوبز نظرية العقد الاجتماعي: يتخلّى كلّ فرد عن كامل حقوقه الطبيعية ويسلّمها إلى جهة واحدة ألا وهي السلطة، وتصبح السلطة وقوانينها ضامنة الحقوق لجميع أفراد المجتمع.
إنّ الإشكالية التي يطرحها هشام العلوي في كتابه تفلت من النظرية الهوبزية، فهو يتناول مشكلة السلطة ما بعد انهيار النظام في مصر وتونس خلال الثورات التي حصلت. وهو يقترح الديموقراطية التوافقية كمقدّمة لانتخابات ينتج منها حكم يشمل الجميع.
إلا أنّه لم يوضح لنا من هي الجهة التي ستقرّ الانتخابات، فحالتا المجتمعين التونسي والمصري بعد الثورتين، هي شبيهة بالحالة الطبيعية عند هوبز: حرب الجميع ضد الجميع!
وسيجيب هوبز على الاقتراح الديموقراطي للكاتب بأنّ ما تقترحه مخالف للطبيعة البشرية، وبأنّ على كلّ أفراد المجتمع أن يسلّموا جميع حقوقهم للطرف الأقوى من أجل اجتناب حرب أهلية.
وخير دليل على ذلك هو تجربة أحمد الشرع بعد سقوط نظام «البعث» السوري. لقد تسلّم الحكم لكونه الطرف الأقوى، وها هو يحاول تطبيق النظرية الهوبزية: تطويع جميع أفراد المجتمع السوري من أجل حكمهم عبر دستور يقرّره هو.
وإذا جرت انتخابات لاحقاً، لن تكون انتخابات ديموقراطية كما يدّعي هشام العلوي (علماً أنّ لا انتخابات ديموقراطية في العالم!)، لأنّها تجري تحت حكم وسيطرة القوي.
إنّ فكرة الديموقراطية الحديثة هي تعريف غربي من أنظمة شهدت ثورة صناعية، ومن بعدها دخلت الليبيرالية. أمّا في حالة المجتمعات وشمال أفريقيا التي تناولها الكاتب، فإنّها لم تدخل ذلك العصر، بل ما تزال مستهلكة مادياً ومعنوياً لأدوات الغرب.
بالتالي، ينبغي للمنظّرين العرب إنتاج تعريفات لأنظمتهم من تراثهم وأدواتهم الخاصة تماماً كما فعلت اليابان والصين، وإلّا سنبقى نحاول أن نشبه نموذجاً يتساقط هو بنفسه كما يحصل في أميركا وأوروبا حالياً.

