ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

لوران غونيل: هكذا تُصنع العبودية الحديثة

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

يُقدّم الكاتب الفرنسي لوران غونيل في روايته «الصحوة» (2022) الصادرة حديثاً عن «دار هاشيت/ نوفل» (ترجمة كريستيل صوفي عزيز)، عملاً استثنائياً يقع في منطقة اشتباك بين الأدب والسياسة والفكر النقدي وعلم النفس الجماعي.

سلوى دبوق
سلوى دبوق
السبت 26 نيسان 2025
لوران غونيل: هكذا تُصنع العبودية الحديثة
الخط


يُقدّم الكاتب الفرنسي لوران غونيل في روايته «الصحوة» (2022) الصادرة حديثاً عن «دار هاشيت/ نوفل» (ترجمة كريستيل صوفي عزيز)، عملاً استثنائياً يقع في منطقة اشتباك بين الأدب والسياسة والفكر النقدي وعلم النفس الجماعي. تستثمر الرواية في وقائع العالم بعد جائحة كوفيد-19 لتطرح سؤالين محوريين: كيف تُدار المجتمعات اليوم؟ وبأي أدوات يُصنع وعي الأفراد؟

تبدأ «الصحوة» بموقف عبثي: إعلان رئيس البلاد حرباً على الموت. هذا الإعلان — الذي يبدو في ظاهره نبيلاً — يُخفي وراءه مشروعاً قمعياً منظّماً، حيث تتحوّل السلطة إلى سلطة أبوية استبدادية تدير المجتمع بواسطة الخوف.

أدوات مراقبة وتحكّم

تتجلّى هذه السياسة حين تبدأ وسائل الإعلام في ضخّ الأخبار المروّعة عن حوادث السير، لتغمر المجتمع بهستيريا الخوف من الموت. تتخذ السلطات، بذريعة حماية الناس، سلسلة خطوات تبدو في ظاهرها «منطقية»: منع حركة السيارات ليلاً، إلزام السائقين بارتداء دعامات عنق، وفرض تصاريح تنقّل إلكترونية.

غير أنّ هذه الإجراءات التمهيدية لا تلبث أن تفتح الباب أمام انزلاقٍ خطير: استبدال السيارات التقليدية بمركباتٍ ذاتية القيادة تُدار عبر نظامٍ مركزي «آمن». لا ينقل السرد هنا وقائع فحسب، بل يكشف تحوّلاً تدريجياً من الفردية نحو عبوديةٍ رقمية؛ حيث تصبح الحلول الوقائية، شيئاً فشيئاً، أدواتٍ للمراقبة وإحكام السيطرة.

في هذا العالم، تغدو التكنولوجيا سيفاً ذا حدين؛ فما يُبشَّر به كوسيلة تحرّر يتحوّل تدريجياً إلى أداة قمع. السيارات الذاتية، التي روِّج لها النظام كرمزٍ للتقدم والسيطرة على المستقبل، تتحوّل إلى سجونٍ متحرّكة، تسلب الإرادة من الإنسان، وتُفوّض مصيره لخوارزميات صمّاء لا يُسائلها أحد.

كذلك المستشعر الحيوي المزروع في جسد المواطنين لقياس نسبة السكر، الذي يبدو في ظاهره وسيلةً لحماية الجسد، يصبح عيناً ساهرة على السلوك، وأداةً لمعاقبة الخارجين عن النسق.

حتى المتع البسيطة، كقطعة شوكولا، لم تنجُ من قبضة الهيمنة؛ فصارت تُوزَّع كمكافأةٍ للمطيعين، وتُحجب عن المعترضين، في مشهدٍ يكشف هشاشة الرغبات البشرية وسهولة تسخيرها في خدمة السلطة.

في هذا النصّ، لا وحش معدنيّاً يسحق الأجساد، بل منظومة أكثر دهاءً: إعلامٌ يوجّه، وخوفٌ يتسلّل، وشاشةٌ تُعيد تشكيل الوعي. إنها ديستوبيا معاصرة، حيث لا يُمحى الفرد بالعنف، بل بالتطبيع التدريجي مع أنظمة المراقبة الشاملة، حتى يتحول الإنسان إلى مجرد ظلٍ باهت يتحرك بخنوع تحت أعين إلكترونية لا تعرف النوم.

بين الخضوع والمقاومة

تتأرجح الشخصيات بين ثنائية الخضوع والمقاومة. يمثل المهندس توم مأساة الفرد في عصر الخوارزميات، إذ يتحول مع الوقت من شخصية نشطة إلى ضحية عاجزة – تُراقَب تحركاتها عبر كاميرات التعرف إلى الوجه.

أما كريستوس (الفيلسوف) صديق توم المقيم في اليونان، فيحمل مشعل التنوير في عالمٍ غارق في الظلام ويهدف إلى إثارة الأسئلة التي تُزعزع اليقين الزائف... عبر حواراتٍ هاتفية، يكشف كريستوس لتوم عن تاريخ التلاعب بالجماهير، من حملات الحرب العالمية الأولى إلى أساليب إدوارد بيرنيز في تسويق الأفكار.

تقف الرواية موقفاً نقدياً من النيوليبرالية، لا باعتبارها مجرد نظام اقتصادي، بل كمنظومة فكرية جعلت من السوق سلطةً عُليا تتجاوز الدول والمؤسسات، وتعيد تشكيل الوعي والمعنى.

عبر استحضار لحظات مفصلية من حملات الدعاية الأميركية إبان الحرب العالمية الأولى إلى سطوة إدوارد بيرنيز، الذي أسّس لفنّ هندسة الرأي العام، يكشف غونيل أنّ ما يجري اليوم ليس انحرافاً طارئاً، بل استمرارية لقرنٍ من هندسة العقول وإخضاع الإنسان لآليات خفيّة. الإعلام، صناعة الرغبات، الاقتصاد… كلها أدوات في يد قلةٍ متسلِّطة ترسم ملامح العالم.

انهيار المعايير الثقافية والأخلاقية

بنظرة نقدية واعية، تتناول الرواية مسألة انهيار المعايير الثقافية والأخلاقية في ظلّ خصخصة وسائل الإعلام وهيمنة ثقافة الترفيه السطحي. إذ حلّت برامج الفضائح ومسابقات التفاهة محل الإنتاجات الفكرية، استجابةً لمعادلة خفية: كلما كان الجمهور أقل وعياً، كان أسهل قيادةً وتوجيهاً.

وفي لمحة ذكية، يرسم لوران غونيل خيطاً متصلاً بين استبداد التكنولوجيا، وسيطرة المحتوى العنيف والإباحي على عقول الناشئة، وبين تفكك جيل هشّ نفسياً، يعاني العزلة، وفقدان القدرة على التواصل مع الذات والآخر.

وتطرح الرواية سؤالاً وجودياً حاداً: ماذا يحدث لطفل يُربّى منذ نعومة أظافره على استهلاك العنف والابتذال؟ ولا تكتفي بطرح السؤال، بل تكشف عن تواطؤ الآباء، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، في هذا الانحدار الجماعي، في مشهد قاتم يبدو فيه الجميع مسلوب الإرادة، منساقاً مع تيارٍ لا يُعرف من يقوده ولا إلى أين يمضي. والمفارقة أن «الصحوة» — رغم تصنيفها عملاً روائياً — لا تمنح القارئ الإحساس بأنه أمام رواية بالمعنى التقليدي. فالنص أقرب ما يكون إلى مقالة فكرية أو بيان سياسي مُقنّع بثوبٍ روائي.

شخصيات الرواية تتحوّل إلى أدوات تحليل، والأحداث إلى أمثلة توضيحية لآليات السيطرة المعاصرة. كأنّ غونيل استعار تقنيات الحكي فقط ليُخفي داخلها أطروحة فكرية صادمة، تُفكّك خطاب السلطة في زمن ما بعد الجائحة.

هذا الخيار السردي لا يُضعف النصّ، بل يمنحه بعداً إيقاظياً إضافياً، إذ يغدو القارئ طرفاً في النقاش لا متلقّياً لحكاية، ويجد نفسه مدفوعاً للتساؤل حول واقعه الشخصي: إلى أي مدى نحن بالفعل أحرار؟ وأين تبدأ حدود تطبيعنا مع القيد؟

تقوم الرواية على تقنياتٍ سرديةٍ تُعزّز إحساس القارئ بالاختناق والرقابة الدائمة. يُهيمن على السرد «الراوي العليم»، الذي يتحوَّل إلى عينٍ مراقبة لا تُفوِّتُ أدقَّ تفاصيل العالم الروائي، كعدسة أمنية تُحصي الأنفاس وتتبع الحركات. مع ذلك، تتنقّل الرواية في فصولٍ أخرى إلى صوت «راوٍ داخلي» يعكس وجهة نظر المهندس توم من داخل التجربة، ما يمنح النصّ مسحةً ذاتية وانفعالية تُقرّب القارئ من هواجس البطل.

صفعة للقارئ

ورغم هذا التنويع، تبقى الغلبة للراوي العليم، الذي يُمسك بخيوط الحكاية ويكشف خفايا العالم الروائي، معتمداً أسلوب التكرار المتعمّد لعباراتٍ مثل «الصحة العامة» و«التقدّم»، في محاكاة مباشرة لخطاب الأنظمة الشمولية ودعاباتها الإعلامية. وإلى جانب ذلك، يوظّف الكاتب تقنية الانزياح الزمني، رابطاً بين وقائع تاريخية عن حملات التضليل إبّان الحرب العالمية وبين واقع الرواية المعاصر، ليؤكد أنّ آليات الهيمنة واحدة، وإن تبدّلت أقنعتها عبر العصور.


لا تنتهي الرواية بانتصارٍ تام للنظام؛ إذ يظهر شرخ صغير في جداره الصلب، حين يُعتقل توم بعد تمرّده اليائس ضد النظام، فيما يواصل كريستوس، من جهة أخرى، كتابة «قائمة أدوات السيطرة» كفعل رمزي للمقاومة، وتأكيد أن الكلمة، وإن همساً، تبقى قادرة على مواجهة آلة الاستبداد.

النهاية ليست هزيمةً بقدر ما هي صفعةٌ موجهة إلى القارئ: فالخطر الحقيقي لا يكمن في فقدان الحريّة، بل في الاعتياد على غيابها، وفي التحوّل التدريجي إلى كائنٍ يتعايش مع القيد، ويتماهى مع السور الذي يطوّقه.

تذكّرنا الصحوة بأنّ بداية الانعتاق لا تحتاج إلى ثورة صاخبة، بل إلى وعي صغير يتسلّل إلى زوايا الفكر: أن تتوقّف عن التعامل مع افتراضاتك كحقائق، وأن تبدأ بتبنّي موقفٍ نقدي من كل فكرة، كما يوصي نعوم تشومسكي لأنّ الحريّة ليست هبة تُمنح، بل عادةٌ تُكتسب بالتشكيك في كل ما يُقدَّم كـ «حقيقة نهائية».

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك