فرانز فانون... نبيّ المستعمَرين و «معذّبي الأرض»

فيلم يوثّق حياة المناضل المارتينيكي حوصر من قبل الصالات السينمائية في فرنسا! لكنّ هذه المقاطعة التي تعرّض لها «فانون» (2025) في الصالات أدّت إلى نتيجة عكسية في ظل المناخ السياسي والاجتماعي المخيّم على العالم بدءاً من حرب الإبادة على غزة. إذ تصدّر كتاب فانون «معذّبو الأرض» (1961) قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في فرنسا. ومع أنّ الفيلم يبدأ من حياة فانون في الجزائر ولا يذكر شيئاً عن حقبة فرنسا، إلا أنّ اللوبيات اليمينية لم يعجبها استذكار حقبة الاستعمار الفرنسي من منظور المستعمَر أي الجزائريين
يعدّ فكر فرانز فانون (1925 ــ 1961) الفيلسوف والطبيب المناضل الأسود، ذا طابع تحرّري لا سيّما ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر والاستعمار بشكل عام.
ثمّة طريقتان لعرض فكر فانون: الأول وضعه في سياقه التاريخي، إلا أننا بهذه الطريقة سنجعل فكره قديماً طواه الزمن. أمّا الطريقة الثانية، فهي تأويل فكره بغية فهم كيفية تأثير الماضي الاستعماري في واقعنا الحديث وهذا ما سنفعله.
ولد فانون في المارتينيك التابعة للاستعمار الفرنسي عام 1925. في عام 1943، انضمّ إلى مقاومة الجنرال شارل ديغول. لاحظ حينها بأنّ المسلّحين الأوروبيين يتمتّعون بامتيازات لا يتمتّع بها الجنود الأجانب كالجزائريين والسود.
بعد تحرير فرنسا، لاحظ فانون بأنّ «جبهة التحرير الفرنسية» تهمّش المقاتلين الأجانب.
عاد فانون إلى المارتينيك وأنهى دراسته الثانوية، وحصل على منحة من أجل دراسة الطبّ في الجزائر. تخصّص في طبّ الأعصاب، ثمّ فتح عيادة خاصةً في محلّة البليدة في الجزائر.
طالما أنّ الغرب يتحكّم بالمصادر الاقتصادية لدول الجنوب الفقيرة، ستظلّ هناك ضواح مليئة بالمنبوذين
مع بداية حرب التحرير في الجزائر، انخرط فانون عام 1954، في النضال من أجل دحر الاستعمار وتحقيق الاستقلال، وانضمّ إلى «جبهة التحرير الوطني». وفي تلك الحقبة، بدأ بنشر أفكاره التحرّرية عبر الكتب والمقالات، قبل أن يرحل عن عمر 36 عاماً جراء إصابته بسرطان الدم.
صدر فيلم «فانون» (2025) الذي يوثّق حياة فانون وفكره في فرنسا هذا العام. إلا أنّ قلّة قليلة من الصالات السينمائية قبلت بعرضه. مع أنّ الفيلم يبدأ من حياة فانون في الجزائر ولا يذكر شيئاً عن حقبة فرنسا، إلا أنّ اللوبيات اليمينية الفرنسية لم يعجبها استذكار مدة الاستعمار الفرنسي من منظور المستعمَر أي الجزائرين.
هي تحاول الحفاظ على سرديتها الخاصة ذات الطابع القومي والاستعلائي. وهذا الأمر ليس مستغرباً في عام 2025، حيث شهدنا سقوط كلّ مفاهيم حريّة التعبير الغربي، فإعلامهم وجامعاتهم وكلّ صروحهم وقفت مع حرب الإبادة في غزّة ولبنان وقمعت أي صوت يعترض على أكثر إبادة موثّقة في التاريخ!
فلسفة العنصرية
يقول فانون إنّ معرفة «أنني رجل ذو بشرة سوداء، لا يعني أنني أعرّف نفسي كرجل أسود في فرنسا». هذه العبارة البسيطة، ستطلق فلسفة جديدة عن العنصرية.
لو كنت رجلاً فرنسياً أبيض في ستينيات القرن الماضي، ونظرت إلى المرآة، ستتأمل ملامحك كما تراها أنت شخصياً، ولن تقول بالطبع إنّني رجل أبيض البشرة، مع أنّ بعضهم ينظرون إليك كأبيض في الدرجة الأولى. إلا أنّ هذا لن يغيّر شيئاً في نظرتك إلى نفسك.
خلال دراسته الجامعية، لاحظ فانون أنّه ليس حرّاً بتعريف هويته في المجتمع، فهو رجل أسود يدرس الطب وليس مجرّد رجل فرنسي يدرس الطب، فصفة السواد ملصقة عليه قبل أي شيء آخر.
يقول: «لقد تعرضت لثقل نظرة الأبيض إليّ. في القطار يترك لي مقعدين أو حتّى ثلاثة. كنت ببساطة أريد أن أكون رجلاً عادياً في المجتمع. لكنّ المجتمع الأبيض لم يسمح لي بذلك. لقد كنت مجبراً على العزلة والتقوقع. كنت أكره العالم والعالم يكرهني. عندما يكرهونني، يقولون نكرهك وليس لأنّك أسود.
وعندما يحبّونني، يقولون نحبّك مع أنّك أسود، أنا أسير لون بشرتي».
الحالة التي يصفها صاحب «بشرة سوداء... أقنعة بيضاء» تسمّى فلسفياً بالاغتراب وهي حالة عدم انتماء، بحيث لا يستطيع الفرد أن يحدّد هويته في المجتمع. لكن تجدر الإشارة هنا بأنّ العنصرية التي يتحدّث عنها فانون، ليست فعل شرّ قصدياً، فالعنصري ليس شخصاً شريراً، بل إنّ المشكلة تنبع من نظرته إلى الآخر.
والعنصري لا يدرك أنّه عنصري وبأنّه يسبّب الأذى للآخر. وعلى هذا المبدأ تماماً، سوف نحلّل ماهية العنصرية.
العنصري هو شخص لديه نظرة تحصر هويّة الآخر بلونه أو بعرقه، ويعمّم صفات معيّنة على مجموعة معيّنة. هذه النظرة تعدّ فعلاً عنيفاً، حتّى لو لم يقم العنصري بأي فعل يؤذي الآخر، فنظرته تضع الآخر في سجن لن يستطيع الإفلات منه. الرجل الأسود هو كلّ شيء أسود، وتلك النظرة إليه تكون بشكل غير واع وغير مقصود، والعنصرية ليست قراراً شخصياً، بل حالة مجتمعية.
يقول فانون إنّ «مجتمعاً ما هو عنصري أو غير عنصري. لا درجات في العنصرية». ما يعنيه فانون بهذا، هو أنّ مكافحة العنصرية لا يكون على المستوى الفردي. فقد تجد في مجتمع ما غالبية غير عنصرية، إلا أنّه لو وجد شخص عنصري واحد، سيكون هذا المجتمع عنصرياً برمّته، لأنّه يستشفّ أفكاره من اللاوعي المجتمعي الذي ينتمي إليه. ويزيد فانون على ذلك بأنّه من المحال ألّا تكون عنصرياً في مجتمع عنصري.
إنّ الأفكار العنصرية المسبقة في لا وعي المجتمع ستنتقل بشتّى الطرق إلى الضحيّة، وهو بالتالي سينظر إلى نفسه كما يراه الآخرون. سوف يؤدّي ذلك إلى فصام داخلي عنده بين ما هو عليه فعلاً وبين ما يُنظر إليه من الآخر، فكيف يتعامل ضحية العنصرية مع هذا الانفصام؟
هناك ثلاثة خيارات وفقاً لفانون: الأوّل هو الرضوخ لنظرة الآخر فتصبح الضحيّة فعلياً ما يصنّفه الآخر. والخيار الثاني هو الاعتداد والفخر بما نحن عليه كسواد البشرة مثلاً، مثل حملة black is beautiful. أمّا الخيار الثالث، فهو «تدمير منهجي للتفكير الاستعماري الذي جعل من العنصرية وجهة نظر» وفقاً لفانون.
حجّة للاستعمار
ليست العنصرية ميزةً طبيعية عند الإنسان مثل الغضب أو الحب، فهي نتاج لا وعي جماعي في المجتمع الأبيض وُضعت عن قصد كي يبرّر الغرب حقّه في الاستعمار. فالخطاب الغربي لا يقرّ بأنّ السود أدنى مرتبة لذلك تمّ استعمارهم، بل على العكس تماماً: من أجل تبرير الاستعمار، اختلقوا نظريات شبه علمية عن اختلاف الأعراق البيولوجي من أجل الإيهام بأنّ مسألة الاستعمار علمية لا حقوقية.
أوجد التمدد الأوروبي في نهاية القرن الخامس عشر في شتّى أرجاء العالم، فكرة الاستعباد عبر إرسال الأفارقة السود إلى أميركا.
وفي القرن الثامن عشر، عملت النخب الأوروبية على ابتداع نظريات شبه علمية عن الأعراق من أجل تبرير الاستعمار. وقد ارتدّت تلك النظريات عليها لأنّها أسّست في القرن العشرين للفكر النازي الذي يرتكز على نظرية سموّ العرق الجرماني. وبعد هزيمتهم، اضطرّ الأوروبيون إلى التراجع عن تلك النظريات، وابتداع أفكار جديدة من أجل تبرير الاستعمار فسمّوها «صراع الحضارات».
يقول فانون إنّ «العنصرية الغربية لم تتوقف أبداً، إلا أنّ وجهها قد تبدّل، فالعنصرية القديمة القاسية أوجدت على مرتكزات بيولوجية كاذبة. أمّا العنصرية الحديثة، فبنيت على قاعدة ثقافية تحت عنوان اختلاف الحضارات وطرق التفكير».
ينطوي الخطاب المعاصر حول صراع الحضارات، على فكرة أنّ الحضارات مختلفة وثمّة صعوبة في تعايشها معاً. إلا أنّ من ينظّر في تلك الأفكار هو الغرب الأبيض حصراً، وهو يضع معاييره في التصنيفات وهنا يكمن الفخ.
تدمير المنظومة الفكرية البيضاء
من أجل ذلك تحديداً، اختار فانون الطريقة الثالثة التي ذكرناها أعلاه لمحاربة العنصرية، ألا وهي تدمير المنظومة الفكرية التي قام عليها الاستعمار. وبذلك يكون فعل مكافحة العنصرية هو عمل سياسي شامل وليس عملاً اجتماعياً أو تربوياً فردياً.
تتطلّب محاربة العنصرية تغييراً كاملاً للعلاقات الاقتصادية العالمية، فطالما أنّ الدول الغربية تتحكّم بالمصادر الاقتصادية لدول الجنوب الفقيرة، ستظلّ هناك ضواح مليئة بالمنبوذين في عواصمهم.
وتجدر الإشارة إلى أنّ أي فعل عنصري فردي يعاقب عليه القانون في الغرب، إلا أنّ حكوماتهم لا تتوقّف عن تشريع قوانين تضيّق على الأجانب وتحثّهم على الرحيل. هذا التناقض في المعايير يجعل من المجتمعات الغربية تعاني من التخبّط الثقافي والسياسي.
الانقسام الغربي بين يمين يريد التخلّص من الآخرين المختلفين عنه، وبين يسار يريد أن يستوعبهم، يجعل اللاوعي الجماعي لتلك الشعوب يقرّ بأنّ مشكلاتهم كلّها نابعة من الآخر.
يقرّ فانون بأنّ الحلّ هو جماعي: على السود والبيض سواسية نزع أقنعتهم الملونة، والنظر إلى الماضي البشع بعين موضوعية، والتعامل مع الحاضر بطريقة: «الحب الثوري»، أي ألا تكون هناك مصالحات وغضّ نظر عن مشاعر الكره، بل مواجهة الحقائق التاريخية ونزع ثوب الاستعمار ومصادره الاقتصادية.

