
تُثير عبارة «معذَّبو الأرض» التي اعتُمدت تعريباً لعنوان كتاب فرانز فانون Les damnés de la terre الامتعاض. تدلّ عبارة Les damnés على «المحكوم عليه بالعذاب»، أو «المحتّم شقاؤهم» نتيجة قوّة قدَرَيّةٍ، غالباً، نزعت عنهم البراءة وأسقطت عليهم العقاب.
هذا النزوع الميتافيزيقيّ يتجسّد عند فانون في بنية الكولونيالية حيث «المحتّم شقاؤه» هو الإنسان «غير الأبيض»؛ كل «غير أبيض» مذنب، يحمل ذنباً كما لو أنها خطيئة أصلية، وعليه، فسيُعاقب بعذابٍ مرير.
عبثاً نناقش في السبب وراء اختيار عبارة «معذَّبو الأرض» في الترجمة العربية لكتاب فانون، عوضاً عن عبارة «ملعونـو الأرض»: هل كان الهدف الابتعاد عن الترجمة الحرفية؟
هل بوسعنا، من هذا المنطلق، اعتبار الشعراء الذين وصفهم بول فيرلين بـ«الشعراء الملعونين» شعراء معذَّبين؟ إنّ الملعون هو المكروه والمنبوذ من جماعةٍ معيّنة. أما المعذَّب، فهو من يعاني ألماً شديداً. فكيف نُسوّغ هذا الخلط بين مصطلحين لا يمتلكان المعنى ذاته؟
يشير عنوان «معذَّبو الأرض» إلى فهم قاصر لفكر فانون. الترجمة التي أعادت كتابة العنوان، ووازنت دلالياً بين عبارتي «المعذَّب» و«الملعون» أفضت إلى محو «جوهر» الفانونيّة.
المستعمَر «ملعون»
إن «الملعون» هنا كلمة مفتاح وعبارة «ملعونـو الأرض»، تنضح بشحنة أيديولوجية مكثفة. إنها تُحدِّد شرطاً موضوعياً لجماعةٍ معيّنة يُعَدُّ العذاب، الجسدي تحديداً، إفرازاً عرضياً لما تعانيه.
البروليتاري الأبيض معذَّب؛ إنه يتألّم من العمل في المصنع، يعذبه الشقاء والاستغلال الرأسمالي، بينما المُستعمَر «ملعون»، ولعنته جعلت وجوده غير مرئيّ. السواد هنا يصبو إلى حالة العَماء.
المُستعمَر غائبٌ عن الفلك الإنساني. المستعمَر «ملعون» لأنه صار كذلك، وقد صار «ملعوناً» بعدما أطلق الرجل الأبيض لعنته عليهِ. إنّ «الملعون» هو إنسانٌ مهدور: يُنهَب، ويُستغَل، ويُقتَل، ولا يلتفت إلى جثته أحد. إنه مكروهٌ ومنبوذ ويُعامَل بوصفه «بشرياً أدنى» يدنو إلى مرتبة الحيوان.
في الترجمة الشائعة يُسلَب البُعد الأنطولوجي الذي تأسّس مع فانون، وهذا أشبه بسرقة اكتشافٍ. ذاك أن «الملعون» يشكِّل العمود الفقري لطرح فانون.
والحال، يشبه سحق هذا المدلول المَعِس الذي يُمارسه المستعمِر على المستعمَر، فيُفقده استقامته ويُبقيه في حالة شللٍ وفقاً لآليات الاستعمار المشروحة في كتابه. هكذا نكون قد أسهمنا، من دون أن ندري، في معس العمود الفقري لفانون، فطمس «الملعون»، وجعله، مرة أخرى، غير مرئيّ.
مُستعمَرٍ ومستعمِر
في كتاب «ملعونـو الأرض» يُدخِل فانون العالم إلى غرفة الطوارئ ويُجري عملية جراحية دقيقة لاستئصال اللعنة التي أطلقها الرجل الأبيض بحق «الآخر» الذي استعمَره، أي الذي لعنه.
نحن حين نتكلّم عن اللعنة، فإننا نتحدث عن الكولونيالية التي خلقت «ذاتاً» (ملعونة) سُلبت أصالتها. الكولونيالية التي أرادت فرض العبودية كحالةٍ سرمدية، كصيرورة تاريخية للمُستعمَرين.
هناك وسمٌ لزج، شديد الدبَق، التصق بالرجل الأسود بفعل الكولونيالية: لقد غدا «زنجياً» جراء نظرةٍ فُرضت عليه، وقد تحوّلت الأرض التي جاء منها إلى بؤرةٍ منكوبة. أصبح وطنه مستعمَرةً خائرةً يحكمها مُستعمِرٌ أبيض ينعم بحياةٍ رغيدة في «الميتروبول».
هذا «الملعون» لا يمتلك نظرة، بل هو «فاقدٌ للكلمة» بوصف جان بول سارتر. إنه مجبولٌ بالعدم. «الملعون» إذاً هو كائنٌ ما قبل طبقي، وبالتالي لا يتماهى مع باقي عمّال العالم المعذَّبين لأنه «مقتولٌ رمزياً» و«مهدورٌ واقعياً» من قبل الرجل الأبيض وليس فقط مُستغلاً كما حال البروليتاريا.
شقّ فرانز فانون العالم إلى نصفين. لقد صرنا إزاء مُستعمَرٍ ومستعمِر. نحن أمام ثورة تحرّرية تروم تهشيم الاستعمار والانفكاك من النخب «المحليّة» التابعة له، ولسنا أمام صراع طبقي بالشكل الأرثوذكسي، أو ثورة عرقية تخص أصحاب البشرة السوداء حصراً.
مع فانون، امتلكت الثورة الجديدة هويةً ثقافية، والحال أنها صراعٌ للقبض على هويةٍ ضائعة؛ إنما هويةٍ مسلوبة تعرّضت للتشويه.
توسيع الثورة على المستعمِر الأبيض
أدخل فانون إلى المعجم الثوري مصطلحاتٍ جديدة أسهمت في توسيع الثورة على المستعمِر الأبيض، وإخراجها من النطاق العرقي والطبقي، إلى نطاق ثقافي أوسع شمل المسحوقين من التوحّش الغربيّ.
لم يَعُد المثقف عند فانون هو من يقود الثورة، بل يقودها المُستعمَر. إنسان «العالم المتخلف»، الذي يعلم أنّ لا مجال للتحرر من الاستعمار إلا بعنفٍ مضاد يُماثل العنف المُمارَس عليه.
جان بول سارتر، الذي صادق فانون وكتب مقدمة صارخة لهذا الكتاب، لم يكن شاهداً على هذه الانعطافة الثورية فقط، بل كان منظِّراً شرساً أو ربما مقاتلاً. ما دامت الكتابة السوداء (الزنجية)، أو المناهضة للاستعمار (فانون) هي كتابة «قصديّة» تصبو إلى وثبةٍ في الوعي، فسنجد تلقائياً سارتر، فيلسوف «النظرة» و«الآخرية»، حاضراً.
«أورفيوس الأسود»: «الزنجيّ» كثائر مرحليّ
شهد المسار الثوري للمعتكفين عن المركزية الأوروبية والثائرين على الاستعمار الغربيّ تعرّجاتٍ عرَضيةٍ غير وعرة. قبل كتاب فانون بحوالى عشر سنوات، كتب سارتر عام 1948 دراسةً بعنوان «أورفيوس الأسود» تناول فيها مجموعة شعرية جمعها الشاعر السنغالي ليوبولد سنغور. كتب سارتر في دراسته هذه تنظيراً رائعاً حول «الزنجية» .
(la négritude) مثل أورفيوس، لاعب القيثارة الموهوب الذي نزل إلى عالم الأموات ليستعيد حبيبته، فإنّ «الزنجيّ»، بحسب سارتر، نزل إلى عالم العبودية ليلتقي بحبيبته، أي بزنجيته، حيث قيثارته هي الشعر.
وعلى النحو نفسه من اختفاء أوريديس، معشوقة أورفيوس لحظة التفاته إليها، يتحرّر «الزنجيّ» لحظةَ تعرّفه إلى زنجيته، ويختفي كـ«زنجيّ» باختفائها. إنّ الزنجية ـــ يكتب سارتر ـــ «ليست حالة بل تجاوزٌ محض لذاتها، إنها حبّ».
هكذا، فـ«الزنجية» عند سارتر هي عبور، تساعد على الوصول إلى الدرجة صفر، وسرعان ما تنتفي ليلتحق «الزنوج» إثر اضمحلالها، بالثورة العالمية التي تقودها البروليتاريا. في «أورفيوس الأسود»، الشعر أداة ثورية والشاعر نبيٌّ يسعى إلى تحرير شعبه من الأصفاد ليندمجوا لاحقاً في صراع البروليتاريا الكونيّ.
النظرات المتوحشة الحرّة التي تحاكم أرضنا
في «أورفيوس الأسود» يكتب سارتر: «لم تعد هناك من عيونٍ مروّضة، إنما هناك النظرات المتوحشة الحرّة التي تحاكم أرضنا». كان الرجل الأبيض «نظرةً خالصة»، بيد أنّ الشعر قد زوّد الأسود بالعين: «ثمّة شعلة سوداء تضيء الآن بدورها العالم، ولم تعد رؤوسُنا البيضاء إلا مصابيحَ خافتة تؤرجحها الرياح».
الرجل الأسود هو نفيٌ مطلق لكل شيء: فهو، إذ يؤكّد على كونه «زنجياً» مثلاً، إنما يفعل ذلك رفضاً للنسيان ولأنه يأخذ من ذكراه عبرةً لمستقبلٍ مغاير.
ستبقى أفكار سارتر المتعلقة بولادة النظرة السوداء، قائمةً في مقدمته الحانقة لكتاب فانون، غير أنّه سيضيف بُعداً أكثر راديكالية، وسيكون للمستعمِر حيّزٌ أوسع من كونه مجرد ممرٍّ تجاوزيٍّ نحو عالمٍ مركّب طبقياً وخالٍ من الأعراق، كما استخلص في «أورفيوس الأسود».
«أن تقتل أوروبياً هو أن تقتل قاهرَك»
إذا كان «الزنجيّ» في «أورفيوس الأسود» يثور رمزياً ويمارس كتابةً ملتزمة تهدف إلى إثارة الوعي، وتُعيد «للزنجيّ» ماهيته لينخرط بعد استعادته «إنسانيته» في صراع البروليتاريا الكونيّ، فإنّ الممارسة السياسية العنيفة التي تحدث في المجال الواقعيّ هي الثورة الوحيدة والمُستعمَرون هم قادة الصراع الكونيّ، كما يرى سارتر في «ملعونو الأرض».
وإذا كان الشاعر هو المبشّر في «أورفيوس الأسود»، فقد أصبح المستعمَرون هم الطليعة الثورية في «ملعونو الأرض».
يفتح سارتر النار، في «ملعونو الأرض»، على أوروبا، على كل طبقات أوروبا. لم يَعُد المستعمَر، كما هو حال «الزنجيّ»، حالةً عابرة، بل بات الغاية والوسيلة معاً. هو جواب «الراهن»، المستعمَر هو «الحدَث». يكتب سارتر: «على هذا الحنق المكتوم أن يُخرج سعاراً مجنوناً».
في «ملعونو الأرض»، إنّ المُخلّص ليس الشاعر النبيّ، ولا البروليتاريا، إنما المضطهَد المستعمَر. بالنسبة إلى سارتر، فإنّ البروليتاريا البيضاء، في ظرفها الموضوعي، تمتلك امتيازاً على عمّال «العالم المتخلّف» بسبب سطوة أنظمتها المُستعمِرة على بلدان المُستعمَرين. إنهم يحصلون على رواتبهم من ثروات البلدان المنهوبة، هم إذاً شركاء في الجريمة لأنهم يستفيدون من النظام الكولونيالي. البروليتاريا إذاً في حالة تواطؤ مع الاستعمار إن لم تنخرط في ثورة المستعمَرين.
وعليه، وَجب على البروليتاريا التي تخوض حرباً طبقية أن تبدأ بمعركة التحرر من الاستعمار وتقف بجانب المستعمَرين: «على المستعمِرة أن تناضل ضد نفسها من أجل أن تناضل ضدنا. أو قل إنّ هذين النضالين ليسا إلا نضالاً واحداً».
كتب سارتر هذه المقدمة لأن «ثمّة مستعمراً داخل كلّ أوروبي». توجّه إلى الأوروبيّ الذي كُتب «عنه» هذا الكتاب ولم يُكتب «له»: «أيها الأوروبي، إنني أسرق كتاب العدو، فاتّخذه وسيلةً لشفاء أوروبا من دائها».
كتب سارتر هذه المقدمة ليحثّ الأوروبيّ على التطهّر من هذا الشبح الرابض في داخله. يستحيل فصل سارتر عن هذا العمل. يحلو للبعض القول إنّ مقدمة سارتر ساعدت على وصول كتاب فانون إلى أوروبا، وهذا مجرّد هراء. تكمن أهمية سارتر هنا في إكماله لمشروعٍ وجوديّ بدأ بالتزامن مع الحرب العالمية الثانية وفي المرحلة التي أعقبتها.
مرةً جديدة، يستعيد شعار تلك المرحلة صوابيتَه: «الأيادي القذرة... وكلنا مذنبون». عدا عن كون مقدمة سارتر المتفجّرة كديناميت جزءاً مكمِّلاً لكتاب فانون، فإنّ القيمة التي أضافها سارتر هي التوكيد لما كتبه: أمامنا أوروبيّ يُدين (ضمير؟) أوروبا المثخنة بالجرائم. يروق للرجل الأبيض تصنيف كتاب فانون «ملعونو الأرض» نصّاً «إرهابياً».
إنها ليست المرّة الأولى التي يعثر فيها الرجل الأبيض على هويته في المقلوب. فهو، إذ يرى ما يراه، لا يرى، في النهاية، إلا نفسه.
هذا ما يكشفه سارتر في مقدمته الصارخة لهذا الكتاب. فسارتر، الذي مجّد عنف المستعمَر الداعي إليه فانون، يأخذ من هذا العنف برهاناً على الانحراف الأوروبيّ المريض، والإرهابيّ بذاته: «كيف لا يجد (الأوروبيّ) في هذه الغرائز قسوته هو وقد انقلبت عليه، كيف لا يجد في وحشية هؤلاء الفلاحين المضطهَدين وحشيته وقد امتصّوها بجميع المسام؟».
يتخلى سارتر عن لغته الشعرية المرهفة التي استعملها في «أورفيوس الأسود»، وينحو صوب لغةٍ هدّامة، مروَّسة، حادّة، ومسنونة كسكين. يترك التوصيف العقلانيّ لفانون، ويذهب صوب التحريض الثوري.
إنه يعوّل على المستعمَر في أن يُعيد للإنسانية «بعض كرامتها»، فيكتب: «إنّ المستعمَر حين يقتل أوروبياً، فهو يضرب عصفورين بحجر، إنه يزيل مضطهَداً ومضطهِداً في آنٍ واحد».
قتل المستعمِرين أعداء الإنسانية
إنّ سلاح المُقاتل المستعمَر هو إنسانيته، وللحفاظ على الإنسانية بمنأى عن القتلة، يدعو سارتر إلى قتل المستعمِرين أعداء الإنسانية. لقد اعتمدت أوروبا أيديولوجيا كاذبة ومضللة لقرونٍ مضت. لقد سرقت، ونهبت، وقتلت لعقود خلت باسم «الإنسانية»، وأوجدت نخباً محليّة تحكي لغتها وتروّج لأفكارها، ما أثبط حركة التحرر وأبطأها، بيد أنه لن يُلغيها.
هذه البرجوازية الجديدة هي، بحسب سارتر، «سيادة الصورية» لكنها تُحاكي الاستعمار: «ليس هناك شيء اسمه طرفٌ ثالث»، يقول. يشترك سارتر مع فانون في الحرب على أوروبا: «أن تقتل أوروبياً هو أن تقتل قاهرَك»، وبات على الثورة المعادية للاستعمار أن تُصدِّر إلى أوروبا العنف لا الثروات.
في إحدى جلسات مجلس الأمم المتحدة، حمل نتنياهو خريطةً تحتوي على جغرافيا «سوداء» تقابلها أرضٌ خضراء «ناصعة».
«الملعونون»، كما وصفهم نتنياهو، يسكنون أرض «السواد»، أما المطبِّعون مع إسرائيل فينعمون بطبيعةٍ خضراء جميلة. هل نحتاج إلى قرينةٍ أخرى حتى نتأكد أننا من «الملعونين»؟ الوصفة الطبية للانفكاك من لعنتنا موجودة في كتاب فانون. قراءة «ملعونو الأرض» هو أول ما يجب القيام به غداً.

