حرمون
أنا التقيّ النقيّ الصّابر العارف الصامت الشاهد... أنا العاشق المحبّ الحاضن الأب... أنا الشيخ الدائم الشباب...


أنا التقيّ النقيّ الصّابر العارف الصامت الشاهد...
أنا العاشق المحبّ الحاضن الأب...
أنا الشيخ الدائم الشباب...
أنا الحرمون الدائم القدسية...
في العشق، أنا المتيّم أبداً بسمائي...
أرفع قممي الأربع إليها فيغمرني حبّها من كل الاتجاهات...
تبادلني عشقها ثلجاً أبيض يتلألأ نوراً مُشهراً حبّنا أمام الهلال الخصب...
يثمر حبّنا المتجدّد أطفالًا أنهاراً تجري عروق حياة في أمّنا الأرض...
وقفت دهراً هنا...
أحرس هذه الأرض المترامية من حولي...
أجمع الماء قطرة قطرة وأُفجّرها ينابيع حياة...
ثم أرسل ابني الأردن مسرعاً إلى الجنوب كي يروي الزرع في طريقه...
فأشهد على أهل الأرض: يزرعون ويحصدون ويبتهلون...
وقفت دهراً هنا...
أرافق خطواتهم يحجوّن إليّ...
يبنون معابد البعل ويضحوّن ببواكير زرعهم...
وقفت دهراً هنا...
تعبق ذاكرتي بوقع موسيقى خطوات المسيح متسلقاً قممي...
وأكتنز في روحي لحظة التجلّي...
وقفت دهراً هنا...
أرى حضارة أهل هذه الأرض تكبر وتزدهر...
تبدّلت لغاتهم...
تبدّلت طقوسهم...
ولكن الخصب لم يتبدّل...
وبقيت لغة الشمس نفسها...
ولغة التراب نفسها...
ولغة الماء نفسها...
ولغة الحبّ نفسها...
ها أنا أسمع خطوات غريبة
غليظة على قلبي... ثقيلة على روحي...
تصول وتجول... تحفر تخرّب وتشوّه...
أشمّ رائحة دماء أطفال غزّة ما تزال عالقة في ثيابهم...
وأقرأ تعطّشهم لدماء أهل الأرض...
تفاجئني دموعي...
فأجول بنظري من نابلس وجنين وبرقين...
إلى جبال الخليل وبحيرة طبريا...
إلى إربد وسهل حوران وسهل الحولة...
إلى الشام وسهل البقاع...
فأرى بين النائمين والهائمين والتائهين والخائفين والخانعين والخائنين عيوناً شاخصةً نحوي فيها بريق الحياة والحرية...
أشعر بموجات الثقة والقوة والعزيمة والإرادة والبطولة تأتي من قلوبهم...
فأمسح دمعتي وأبتسم للقائهم القريب...
ثم أفتح عينيّ على نُدَف ثلج آذار تلامس جبيني...
سوف يعقّم هذا الثلج آثار أقدامهم...
وسوف أبقى دوماً الحرمون المقدّس...
* لبنان
