نجوى بركات... عن النسيان والشيخوخة والجسد والحب
«أتأمل حياتي من علٍ. فلا أشعر بالندم على فوات شيء، لا أشتاق أحداً ولا آمل أو أتوقع أن يحدث أمرٌ ما باستثناء الموت. لست أنتظره بالفعل، إذ لم يكن انتظاراً وأنا على يقين أنه قادم لا محالة.


«أتأمل حياتي من علٍ. فلا أشعر بالندم على فوات شيء، لا أشتاق أحداً ولا آمل أو أتوقع أن يحدث أمرٌ ما باستثناء الموت. لست أنتظره بالفعل، إذ لم يكن انتظاراً وأنا على يقين أنه قادم لا محالة.
ثمة أمور أدرك أن عليّ إتمامها، لكني أؤجلها بطيش، كأن أوضّب أوراقي، خزانتي، وتفاصيل أخرى تجعل لحظاتي الأخيرة أخفّ حملاً، ورحلتي أقل فوضى، فأكون كمن هيّأ نفسه سلفاً واستعدّ. هذا إذا كانت بالفعل رحلة، ولم تكن مجرد هنيهة انتفاء، مجرد فقاعة تزول ولا تُخلف أثراً»:
أول ما يتبادر إلى الذهن عند قراءة الفصل الأول من رواية نجوى بركات الجديدة «غيبة مَيْ» (دار الآداب) هو ذلك المقطع اللطيف لأفلاطون في الكتاب الأول من «الجمهورية»، حين يسأل سقراط كفالوس عن الشيخوخة، فيجيبه الأخير: «إن الناس يشتكون حين يبلغون من العمر عتياً، ولكنني أجد الأمر أخف من النسمة إن عشته باعتدال وبلا طمع.
يعدّ الفصل الثاني الأكثر صخباً ودرامية في الرواية
فالشكوى ليست من التقدم في العمر بل من طبائعنا، إذ إن العاقل ينسجم مع الشيخوخة كما ينسجم النهر مع ضفافه».
إنها شيخوخة معتدلة وبلا طمع تلك التي تعيشها «الست مَيْ» في عامها الرابع والثمانين في الطابق التاسع من شقتها البيروتية: حياة تقتصد في كل شيء، بدءاً بالأشخاص الذين يملؤون الثلث الأول من السرد:
ناطور المبنى يوسف الذي يتكفّل بتلبية احتياجاتها القليلة، والمدبرة المنزلية شاميلي التي تزورها مرة في الأسبوع وتهتم بغُسلها وإطعامها، وولداها التوأمان في أميركا اللذان يقدّمان الدعم المالي وقد تخففت من عبء أمومتهما في مدة باكرة، وصولاً إلى امتناع الرغبة بالتورط في أي التزام عاطفي أو اجتماعي ولو مع القطة التي أقحمها يوسف في عالمها من قبيل الشفقة والرفق، لتقبل «الست مَيْ» رعايتها على مضض، وتبقيها من دون اسم كأنها ترفض منحها أدنى رابطة أو اعتراف:
فصل أول هو فسحة كاملة للتأمل في المساحات الهادئة من حياة مي، أشبه بمن ينفصل عن الجسد المترهل وفراغ النضارة والرغبة ليتأمل فيه:
«الأوساخ تتكاثر مع الشيخوخة وتنتشر في الأنف والشرايين وتحت الأظفار وما بين الأصابع، في زوايا العينين وداخل الأذنين وما خلفهما، تتكثف تلك القشرة القميئة التي تغطي الجلد وتجعله يبدو سميكاً وكأنه لسمكة، لتمساح»، وأشبه بمن ترتفع به الرؤية كالبساط الطائر فوق المدينة ليرصد جمالها وفوضاها وتفسخاتها ودمارها بعد انفجار الرابع من آب:
«ثمة جمال كثير في هذي البلاد، جمال صارخ حد الأذية، حد الفجور، لدرجة أغضبت إلهاً ما فقام بمسخه أو بإنزال لعنة أبدية به».
كأنه تأمل مشوب بحزن أنيق يلازم وضوح الرؤية الذي يصفه سيوران: «تكشف الشيخوخة فراغ الرغبة، وتجبرك على تأمل الحياة كما لو أنك تراها من الخارج.
كل ما كان يشغلك يبدو الآن سخفاً مبهجاً مثل دمية موسيقية فقدت نغمتها. عندما تشيخ، تدرك أن الوعي عبء لا يفنى، وأن أقسى ما في الحياة ليس الألم، بل وضوح الرؤية».
ولتنقلنا ببراعة إلى الفصل الثاني الأكثر صخباً ودرامية في الرواية، تستخدم صاحبة «مستر نون» ثيمة القرين أو الظلّ التي تتمحور حول وجود شخصية مزدوجة أو عاكس داخلي للبطلة، إذ تبصر «الست مَيْ» شبحاً في شقتها يتجاوز الأقفال والأبواب المحكمة الإغلاق ليتحول في نهاية الفصل إلى صوت واضح وجلي لنسختها الشابة التي ستفرد أمامنا فصول حبّها المعذّب الذي سيقودها إلى سنوات سبع من الغيبوبة: «ثمة أحداث أشبه بالسواطير تخضع حيواتنا للتقطيع فتنسينا ما كانت عليه سابقاً، قبل أن تعلّق كالذبائح، إذ يجري إفراغها من الدماء وسلخها وتجزئتها ورمي عظامها وبقاياها إلى الكلاب ومستوعبات النفايات فتفقد هويتها لتصير قِطعاً من لحوم نكراء».
يحملنا الفصل الثاني إلى السنوات الصعبة من حياة الممثلة المسرحية الموهوبة «مي نجار» المفتونة بكوكتو وفريدا كاهلو وأساطير ميديا وفيدرا عند الإغريق، وغرامها مرتين بالكاتب المسرحي اليساري عديم الموهبة الذي يحمل الكليشيهات الكبرى حول الفن والعائلة والحب ليصل به الأمر إلى عرض حبيبته التي تساكنه على أصدقائه في جلسة مقامرة خاسرة، وليجبرها على الإجهاض وينتهي بها الأمر في المقابل إلى إشعال النار بالبيت عند نومه في محاولة لقتله، ما سيدفع بها إلى المصح النفسي.
تخصص بركات الفصل الثاني كاملاً لتلك الثيمات الصعبة التي تطبع علاقة الرجل بالمرأة بشكل عام، والرجل الشرقي تحديداً الممتلئ بتناقضاته بين الشعارات الكبيرة بالمساواة وتحرير المرأة ورغبته المضادة في استعبادها منزلياً وعاطفياً والخوف من موهبتها أو نجاحها المهني، لكن بركات تضع أيضاً أمامنا الاحتمالية الأخرى المتمثلة في الصنف الآخر من الرجال، مثل أبيها المرهف الذي يبدو أشبه بنسمة الهواء الرقيقة والحقيقية أمام قسوة عشيقها وزيفه: «ثمة رجال رهاف القلوب، يموتون بفيض الحب في حين يظللنا حنانهم مثل شجرة وارفة في السماء».
يمتعنا أيضاً في هذا الفصل الثاني من الرواية ما تدسّه صاحبة «باص الأوادم» في طيات السرد من إحالات ثقافية إلى راسين ومسرحيته المقتبسة عن يوربيديس التي تصف علاقة الحب المحرمة بين فيدرا وابن زوجها هيبوليت، أو إلى كوكتو في مونولوجه الدرامي «الصوت الإنساني» (1931) إذ تمسك البطلة الوحيدة فوق الخشبة بسماعة الهاتف على طول المسرحية تناجي حبيباً تخاف أن يهجرها، أو في المقطع التي تقتبس فيه من رسالة فريدا كاهلو إلى حبيبها دييغو التي تمثل مانيفستو لكل امرأة تتعرض للخيانة:
«أكتب لأخبرك بأنني سأطلق سراحك وأنني سأبترك أيضاً مثل قدمي». كلها إحالات تنجح بركات في تذويب رؤوسها الخشنة فتبدو منسجمة مع السرد ولا تضغط بثقلها عليه.
أما في الجزء الأخير، ومن أجل ختام درامي أو احتفالي كما تكون حركة الأليغرو الأخيرة في السمفونية، تسلم بركات مفاتيح السرد للناطور يوسف، الذي يصبح الراوي والشاهد على لحظة النهاية، هو الذي لم يُمنح مساحة من قبل ليروي قصته كهارب من الحرب الأهلية في بلده، فيصف مثلاً «الست مَيْ» لحظة أمومية نادرة حين تبكي على كتفه بعد أن يصحبها لزيارة مرفأ بيروت المدمّر.
يصبح يوسف الشاهد الأخير على وداع الست من شقتها نحو المصحّ حين يصيبها الخرف. وداع ستنال قبله القطة المُهمَلة اعترافاً متأخراً من «الست مَيْ» فتطلق عليها اسم فريدا، في لحظة تتقاطع فيها النهايات مع لحظة حميمية متأخرة بالتعاطف مع الضعفاء والجمال الهش.
رواية «غيبة مي» دوزنة جميلة من نجوى بركات بين ثيمات النسيان والشيخوخة والجسد والحب، ذلك أنّ الأدب الجميل هو الذي يحمينا من كل دود القباحة ودمّلها الذي يملأ هذه الأرض:
«فأنا لا يشغلني سوى أمر واحد وحيد: أن لا يجد دود الخرَف طريقه إلى عقلي، وما عدا ذلك كل شيء مقبول.
أخالي دماغي ثمرة مصيرها الاهتراء، يتكاثر الدود في قلبها ويبدأ بقضمها من الداخل. جيوش مليونية من الدود تعمل على محو كل ما فيه. من دونه نحن لا شيء. قوالب فارغة بلا محتوى، هدير طبول».
