ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

مازن حيدر في مدار الحرب والهوية والذاكرة

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

لو كانت للأسرار رائحة، لكانت قرية «عين سرار» تفوح بأكثر العطور إثارة للفضول! 

سلوى دبوق
سلوى دبوق
السبت 10 أيار 2025
مازن حيدر في مدار الحرب والهوية والذاكرة
الخط


لو كانت للأسرار رائحة، لكانت قرية «عين سرار» تفوح بأكثر العطور إثارة للفضول!
في رواية «صيف أرملة صاروفيم» (دار هاشيت ــ نوفل)، يصحبنا الكاتب اللبناني مازن حيدر في رحلة أشبه بمطاردة كنز مدفون. لكن بدلاً من خريطة قراصنة ممزقة، نجد دفتر أرملة غامضة، وشائعات تدور بين الجيران، ورجلاً يُدعى ملحم يبدو كأنّه يحمل في جيبه أسرار لبنان كلّه.

وعندما تصل الشابة أسامة هاربة من قصف بيروت، تجد نفسها في قرية وادعة في ظاهرها، لكنها تغلي بالألغاز تحت السطح، مثل ركوة قهوة تفور ببطء على نار الجمر.

تسبر رواية «صيف أرملة صاروفيم» أغوار الذاكرة والتاريخ والجغرافيا في مشهد لبناني مُثقل بآثار الحرب الأهلية. ينقلنا الكاتب إلى قرية «عين سرار»، وهي قرية متخيّلة، لكنها تمثّل نموذجاً مكثفاً للقرية اللبنانية بما تحمله من تعايش ديني وتشابك اجتماعي.

هناك، تتقاطع مصائر شخصيات تسعى ــ كلٌّ على طريقتها ـــ إلى التكيّف مع واقع مضطرب وماضٍ غامض. يرسم حيدر عالماً تتداخل فيه ألغاز الأمس مع وطأة الحاضر، مستعرضاً ثيمات الحرب والهوية والذاكرة، ومسلّطاً الضوء على قيمة التراث في مواجهة التلاشي.

مشهد لبناني مُثقل بآثار الحرب الأهلية


تعتمد الرواية في بنائها السردي على صوت أسامة، الشابة التي تدفعها ظروف الحرب في بيروت إلى اللجوء إلى قرية خالها ملحم. يشكّل هذا التحوّل من المدينة إلى الريف انتقالاً من بؤرة الصراع المباشر إلى منطقة لا تزال متأثرة بالحرب، وإن من بُعد، وتحمل بدورها ندوبها الخاصة من الماضي. يُبنى السرد بشكل تدريجي، إذ تبدأ أسامة، ومعها القارئ، في استكشاف القرية وشخصياتها وأسرارها.

يعتمد الكاتب على التشويق التدريجي، موظفاً الحوارات والملاحظات الشخصية لأسامة والألغاز المتناثرة (مثل قصة أرملة صاروفيم، دفترها، حجر الشيخ عباس، المتحف المنهوب) لدفع الأحداث.

بين سحر الطبيعة ووطأة الحرب

تتجلى إحدى أبرز نقاط القوة في رواية «صيف أرملة صاروفيم» في البراعة التي يُجسّد بها الكاتب الفضاء المكاني. فمازن حيدر ينجح في نحت صورة نابضة بالحياة لقرية «عين سرار»، ببيوتها العتيقة وطبيعتها التي تبدو وادعة للوهلة الأولى، لكنها تُبطن في أعماقها تاريخاً متشابكاً وصراعات دفينة.

وبذلك، يرتقي المكان في الرواية ليكتسب أبعاداً تجعله أشبه بشخصية فاعلة، تحمل بين ثناياها بصمات الماضي وإرهاصات الحاضر المثقل بالتحدّيات. ويُسهم التناقض بين سحر الطبيعة ووطأة الحرب المتربصة في الخلفية، في خلق أجواء فريدة تمتزج فيها السكينة الظاهرية بالتوتر الكامن، مانحةً القارئ إحساساً عميقاً بالهدوء المشوب بالقلق.

تتناول الرواية مجموعة من الثيمات بعمق واتساع، تتقدّمها الحرب التي تُشكّل خلفية ثابتة تؤثّر في مصائر الشخصيات وتوجّه خياراتها.

لا تقتصر المعالجة على العنف المباشر، بل تتوسّع لتُظهِر تداعياته الإنسانية العميقة: النزوح، القلق على الأحبة، انقطاع التواصل، والاضطراب الذي يصيب النسيجين الاجتماعي والاقتصادي.

إلى جانب ذلك، تبرز ثيمة الذاكرة والتاريخ، إذ تنخرط الشخصيات في رحلة استكشاف لماضيها الفردي والجمعي، وسط أسرار مطموسة وحقائق مموّهة. ومن هنا، يتحوّل البحث عن «الكنز» إلى مجازٍ لاكتشاف الهوية واستعادة التاريخ المحلي، في محاولة لإعادة وصل ما انقطع بين الإنسان وأرضه.

شخصيات مرسومة بعناية

يرسم الكاتب شخصيات الرواية بعناية فائقة، ويمنح كلّاً منها ملامح مميزة وتعقيدات إنسانية تُضفي عليها عمقاً واقعياً. تجسّد أسامة، المعلمة الشابة لطفلين نازحين، دور البطلة والشخصية المحورية، وتتحوّل إلى عين القارئ التي ينفذ عبرها إلى عالم الرواية.

تخوض الفتاة الشابة خلال صيف استثنائي رحلة نضج وتفتح داخلي، متحوّلة من معلمة إلى باحثة في أسرار القرية، في مسار يُحرر المعرفة من سرديات السلطة ويربط التعليم بكشف الغموض وفك شيفرات الماضي. يجسّد ملحم، خالها الطيّب، شخصية الرجل البسيط الحكيم، الحارس الصامت لأسرار تتجاوز تفاصيل حياته اليومية وتلمس قضايا أعمق من ظاهر الأمور.

يضيف الكاتب شخصيات مثل صادق حسامي، الموظف الرسمي الحريص على حفظ الآثار، وشحادة أبو لبن وبربر، الحارسين المتناقضين للذاكرة الشعبية، لتقديم وجهات نظر متعددة حول التاريخ والواقع، ما يثري نسيج السرد ويمنحه تنوعاً حيوياً. يظهر نزار، ابن السلطة المحلية، تأرجحه بين الولاء لوالده «جبرايل» بوصفه رمزاً لقوى الأمر الواقع، والرغبة في كسر الحواجز الطبقية، بينما تكشف سيارته المليئة بالوقود وسط الحصار عن امتيازات فادحة في أوقات الانهيار.

تُعدّ جوهرة، أرملة صاروفيم، من أكثر الشخصيات حضوراً وإيحاءً في السرد الروائي. فهي ليست شخصية هامشية، بل محور تدور حوله عدد من التساؤلات والتكهنات التي تغذي جو الغموض والبحث في قرية «عين سرار». منذ ظهورها الأول، يحيط بها الكاتب بهالة من الانزواء والغموض، ما يثير فضول أسامة وسكان القرية على السواء.

تتناقل الألسن حكايات عن زوجها الراحل، حارس «متحف مار قرياقوس»، وتُنسج الأساطير حول كنز أو آثار ضائعة ترتبط بهما، ما يجعل من جوهرة مركزاً غير معلن للتحقيق والتأويل.

تتعمّق أهميتها السردية عبر دفتر قديم يقع في يد أسامة، وهو ليس مجرد مجموعة من الخواطر، بل أشبه بخريطة غامضة، حافلة بالإشارات إلى شخصيات محورية مثل الشيخ عباس، وأسرار ماضٍ مموّه. هذا الدفتر يصبح مُحفّزاً لرحلة أسامة نحو اكتشاف خفايا القرية، وتظهر جوهرة كعنصر حاسم في الربط بين أطراف الحكاية المتناثرة.

حماية الآثار

تتناول الرواية مسألة حماية الآثار بطريقة غير تقليدية، فتتجاوز السرد المعتاد حول السرقة ومطاردة اللصوص، لتكشف عن خطة سرية ومحكمة وضعتها شخصيات موثوقة مثل صادق، صاروفيم، وملحم، بهدف إنقاذ الجزء الأكبر من مقتنيات المتحف من الضياع في خضم الفوضى.

تعتمد هذه الخطة على التمويه والنقل السري إلى مخبأ محلي، ما يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول معنى «الحماية» في زمن الأزمات: هل يمكن تبرير خرق الإجراءات الرسمية، كالتظاهر بنقل الآثار إلى الخارج، إذا كان ذلك يصب في مصلحة الحفاظ عليها؟ بهذا الطرح، توجّه الرواية نقداً ضمنياً للآليات الحكومية التي غالباً ما تبدو عاجزة في وجه الكوارث، وتسلّط الضوء على أهمية المبادرات الفردية أو المحلية، ولو جاءت خارج الأطر المعترف بها.

تجدر الإشارة إلى أن خلفية الكاتب مازن حيدر كمهندس قد تكون تركت بصمتها على بناء الرواية وبعض أحداثها. يظهر هذا التأثير بشكل خاص في المنهجية والتخطيط المحكم الذي يتم به التعامل مع مسألة حماية الآثار وإخفائها.

إن العملية التي يصفها الكاتب، والمتعلقة بنقل الآثار وتوثيقها وإخفائها في قبو ملحم، تبدو كأنها نتاج تفكير منطقي ومنظم، يشبه إلى حد ما عملية هندسية تتطلب الدقة في التنفيذ وتأمين الموقع.

كما يمكن ملاحظة ميل إلى التفصيل في وصف بعض الأشياء أو المواقع (مثل قائمة المسروقات بأبعادها المذكورة، أو وصف جبانة المتاولة ومغارة الشيخ عباس)، وهو ما قد يعكس عقلية تهتم بالقياسات والتفاصيل المادية. هذا البناء المنهجي للأحداث المتعلقة بالسر الكبير يضيف طبقة من الواقعية والمنطقية على جانب يبدو في ظاهره غامضاً أو أسطورياً، ما يُعزّز مصداقية السرد ويشير إلى أن حماية التراث، حتى في زمن الحرب، قد تتطلب خططاً مُحكمة تتجاوز العشوائية.

لغويا ًوأسلوبياً، يعتمد مازن حيدر في روايته «صيف أرملة صاروفيم» لغةً عربيةً تتميز بأناقتها وثراء قدرتها الوصفية والتصويرية، ما يُسهم بفعالية في بناء الفضاء الروائي وتعميق أبعاد الشخصيات والأماكن.

ومع ذلك، لا يتردد الكاتب في توظيف بعض ملامح اللهجة اللبنانية المحكية (مثل استخدامه لعبارات «يا تانت» و«ما بني شي»)، خصوصاً ضمن الحوارات، وهو ما يمكن أن يُقرأ كتعبير عن الهوية اللبنانية وتجاذباتها بين الفصحى والعامية، أو كأداة لتعزيز واقعية المشهد الحواري.

نتيجة لذلك، تكتسب الحوارات طابعاً تلقائياً يعكس بصدقٍ طبائع المتحدثين وتباين خلفياتهم الثقافية. ويتجلى تمكُّن حيدر الأسلوبي أيضاً في انتقاله السلس والمتقن بين السرد الوصفي المشهدي، والحوارات الحية، والمناجاة الداخلية (المونولوج) لشخصية أسامة المحورية، ما يمنح العمل الروائي إيقاعاً ديناميكياً ومتنوعاً يثري تجربة القراءة.

في الختام، تُعد رواية «صيف أرملة صاروفيم» عملاً أدبياً مهماً يتجاوز كونه مجرد قصة بوليسية أو تاريخية.

إنها رواية متعددة الطبقات تغوص في ذاكرة المكان وأهله، وتستعرض كيف يمكن للحرب أن تعصف لا بالمستقبل فقط، بل بالماضي أيضاً.

عبر شخصياتها المعقدة وألغازها المتشابكة، تدفع الرواية القارئ إلى التفكير في قيمة التراث الوطني، وصعوبة التمييز بين الحقيقة والخيال في زمن تتداخل فيه الروايات وتضيع فيه الحقائق.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك