
في عام 1852، سُئل جون ستيورات ميل عن سرّ النجاح الأسطوري لشركة الهند الشرقيّة، فكانت إجابته: لأنّ الهند (درّة التاج البريطاني ومصدر ثروة الإمبراطوريّة في العهد الفيكتوري) تُحكم بالكتابة.
إذ كانت «تُسجِّل المراسلات والأوامر الصادرة، وكل التعليمات والإجراءات التنفيذيّة كتابياً، وتُرسل النسخ الأصلية بأكملها إلى المركز، حتى لا يكون يكاد هناك عمل واحد يمكن القيام به في الهند ولا يتم توثيق جميع أسبابه في السجل. ويبدو لي هذا النظام متفوقاً بشكل ملموس عمّا هو موجود في أي حكومة أخرى تقريباً في العالم».
في كتابها «قراءة إجباريّة» (Required Reading: The Life of Everyday ــ منشورات جامعة برينستون ـ 2025)، تقدّم بريشا موخوبادياي (الأستاذة في «جامعة ييل») تاريخاً جديداً ومستفزاً للقراءة يركز على أرشيفات الكتابة اليومية من الإمبراطورية البريطانية في جنوب آسيا.
تنقّب في أدراج المكاتب البيروقراطية، وخزائن ناشري كتب الأبراج، وأرشيفات الحكومة البريطانية، والمراسلات الشخصيّة، وصحف تلك المرحلة عن كيفية استجابة القراء للنصوص المرتبطة بالسلطة، من كتيبات التعليمات الرسميّة للجنود، والالتماسات المقدمة للحكومة، والتقويمات الفلكيّة السنويّة، إلى المجلات النسائيّة الموجهة لسيدات النخبة المحكومة. وتتساءل عما يمكن أن يخبرنا به هذا عن تجارب عيش الناس المستعمرين في ظل قوة إمبريالية غاشمة، بمن فيهم أولئك الذين قد لا يحسنون القراءة.
تزعم موخوبادياي بأنّ هذه المواد الأرشيفيّة التي لا تُؤخذ عادة على محمل الجدّ، هي أداة أمضى من الرّوايات والنصوص الأدبيّة النخبوية بالنسبة إلى المؤرخ الذي يريد أن يفهم طرائق عمل الإمبراطوريّة.
وترى أنّ إعادة الاعتبار إليها خطوة أولى لتحدّي المفاهيم التقليدية لما تعنيه عمليّة القراءة، وتفكيك الصيغ التي شُكّلت بها تلك السياقات العادية للكتابة، الطريقة التي فهم بها الرعايا الاستعماريون مكانهم في الإمبراطورية.
قرّاء هذه المواد كانوا – في تجربة استعمار الهند - مجموعة من الشخصيات التي تمتدّ عبر صفوف المجتمع، من الجنود الذين يشعرون بالملل، والبيروقراطيين البريطانيين والمحليين المحبطين، والمزارعين الأميين الذين صار عليهم مخاطبة السلطات للحصول على تصريح للقيام بما قاموا به قبلها لمئات السنين من دون الرجوع لأحد، ونساء الطبقة المخمليّة الملتحقة بالاستعمار. شكّل هؤلاء القراء علاقات وثيقة، وحتى حميمة مع نصوص وظيفيّة يومية كانت، بشكل أو آخر، بمنزلة ممرات إجباريّة لعلاقاتهم الشخصية بالعالم كما صنعه المستعمرون البيض.
عبر فحص ساحر للتفاعلات مع الوثائق البيروقراطية والمنشورات الدورية القصيرة العمر، تقدم موخوبادياي إعادة تصور لعمليّة القراءة في السياق الاستعماري تتجاوز التأريخ التقليدي لفعل المطالعة، بوصفها اشتباكاً تطوعيّاً مع الأعمال الأدبيّة التي تُقرأ للتسلية، والمتعة، وإزجاء أوقات الفراغ.
تجعل من النصوص الرسميّة والإداريّة ومطبوعات الحكومة مجال التعاطي بين المستعمِرين والمستعمَرين، إذ تضع السلطة كلاً في موقعه من التراتبيّة، فيما ينخرط القراء ومستخدمو النصوص في عملية قراءة نشطة ليست سلبيّة بالضرورة، إذ يمكن لهم أن يخضعوا، أو يقاوموا، أو حتى يعيدوا تفسير الخطاب الاستعماري. وهكذا تعثر موخوبادياي على بذور المقاومة في قلب أدوات السلطة.
وفقاً لـ «قراءة إجباريّة»، فقد توازت مرحلة الحكم بالكتابة في الهند المحتلة مع تقدّم تكنولوجيا الطباعة التي وفرت المواد الورقيّة بكلفة زهيدة، ما يطرح بالضرورة تساؤلات شديدة المعاصرة حول الصيغ ما بعد الورقيّة التي تطور إليها نظام خطاب الاستعمار الجديد في عهد الإمبراطوريّة الأميركيّة، وكيف تُعلّم واشنطن الخاضعين لها حول العالم بمواقعهم ليلتزموها، وكيف يتعامل معها هؤلاء، خضوعاً، أو مقاومة، أو إعادة تفسير... لكنّ ذلك بحث آخر.

