
بين مطالب الطرد وتواطؤ الصمت، كيف صارت المقاومة الفلسطينية عبئاً على حلفائها القدامى، وغابت عن الشاشات العربية كأنها لم تكن؟
من بيروت المحاصرة عام 1982 إلى دمشق المرهقة بالعقوبات في 2025، يتكرر مشهد التهجير الفلسطيني وسط صمت درامي وثقافي مطبق. وبينما تُباد غزة على مرأى العالم، يختار المشهد الثقافي العربي تجاهل الفلسطيني، أو الاكتفاء باختزاله في صورة الحزين الأبدي في الدراما. فهل بات المطلوب إخراج الفلسطيني من كل مكان: من الأرض، ومن السرد، ومن الذاكرة؟
من لبنان إلى سوريا: انسحابات بلا دراما
تتداول شاشات الأخبار العربية تقارير عن مطالب أميركية رسمية لدمشق بطرد الفصائل الفلسطينية من أراضيها. وبينما تمرّ العناوين العاجلة مصحوبةً بأجواء الفرح من «مباركة» أميركية لنظام جديد في دمشق، يبدو أنّ الثمن المطلوب هو إخراج الفلسطينيين من آخر حواضنهم التاريخية.
لم يشفع لتلك الفصائل انخراطها في منظمات رسمية، ولا قتالها الطويل ضمن صفوف الجيش السوري، ولا التزامها بخطوط النار التي رسمتها الجغرافيا والولاءات. كما في كل مرة، كانت النتيجة ترحيلاً جديداً. وبينما تُركّز الأنظار على وعود رفع العقوبات، يستعيد بعضهم صورة المقاتلين الفلسطينيين وهم يغادرون الملعب البلدي في قلب بيروت عام 1982، وسط الزغاريد ورايات النصر التي تخفي مرارة انسحاب يعرف الجميع أنه هزيمة مغلّفة بالمجد.
في ذلك الصباح من عام 1982، بدأ الخروج الفلسطيني من بيروت وسط مشهد مأساوي، اختلطت فيه الزغاريد برصاص التوديع وشارات النصر التي لم تخفِ إدراك الجميع بأنّ ما يحدث هو انسحاب بطعم الهزيمة. هزيمة جديدة يتقاسم مرارتها العربي عموماً، والسوري واللبناني والفلسطيني على وجه الخصوص.
التعامل مع الفلسطيني بوصفه حالة كربلائية أبدية يفقده القدرة على التأثير والتفاعل (ممدوح عدوان)
واليوم، تعود نغمة «الترحيل»، ولكن بلا مجازر علنية، بلا حصار مرئي، وبخطاب سياسي يغلف القسوة بالديبلوماسية: لم يحدد دونالد ترامب الجهة التي يجب أن «يُرحّل» إليها الفلسطينيون، لكنه حتماً يقصد مكاناً يُمنعون فيه من رفع سلاحهم، ولا يُسمح لهم باستعادة خطوط القتال الأولى، التي تمَّ محوها عمداً بمباركة القاتل.
هذه اللحظة تطرح سؤالاً صارخاً: كيف تحوّل الفلسطيني من رمز للمقاومة إلى «إرهابي» في الخطاب الرسمي؟ وكيف يحدث ذلك على مرمى حجر من إبادة مستمرة في غزة؟ كيف انحدرت القضية من شعار الوحدة العربية إلى هذا الدرك من التنكّر والصمت؟
يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة نقدية متعددة الزوايا لتمثيل الفلسطيني في الدراما العربية، خصوصاً السورية، التي قد تكون على وشك إخراجه منها إلى غير رجعة.
بات صانعو الدراما، تحت ضغط السوق ورأس المال، يتفادون إعادة سرد مأساته، كما حصل حين جُمِّد مشروع مسلسل «الأمير الأحمر» (تأليف حسن سامي يوسف)، خشية إحياء رغبة القتال في زمن تصطف فيه الدول العربية على أبواب التطبيع، انطلاقاً من نماذج درامية مختارة، ومدعومة بشهادات كتّاب كانوا على اشتباك مع الحقيقة العربية، كما تستحضر الورقة سياقات مفصلية: من اجتياح بيروت عام 1982، إلى مجازر غزة بين عامَي 2023 و2025، وصولاً إلى الضغوط الأميركية الجديدة على دمشق. كل ذلك يُعيد إلى الواجهة أسئلة مؤجلة: عن المكان، والانتماء، والمقاومة، وتمثيل الفلسطيني في وعي الشعوب لا فقط في السياسة.
بين مجازر الحاضر وصمت الشاشة
في أواخر عام 2023، شهد العالم واحدة من أبشع حملات الإبادة ضد الفلسطينيين في غزة، قُتل فيها عشرات الآلاف من المدنيين، بينهم كتّاب وفنانون وصحافيون ومخرجات.
ورغم هذا الجحيم الموثّق بالصوت والصورة، التزمت الدراما العربية، في غالبيتها، صمتاً مريباً. انشغلت بشؤون هامشية، في قطيعة مؤلمة مع الواقع، تعكس حجم الفجوة بين مأساة الإنسان العربي وما تنتجه الشاشة من وعي زائف. بل إنّ صمت الشاشة بدا امتداداً لصمت الأنظمة الرسمية، أو لتواطئها، كما بدا في مواقف بعض الدول التي سحبت دعمها عن القضية أو انساقت مع الخطاب الغربي في تجريم المقاومة.
-
وحده «الاجتياح» اقترب من تمثيلٍ فلسطينيٍّ متكامل
في هذا السياق، لم يعد تمثيل الفلسطيني في الدراما مجرد قضية سردية أو جمالية، بل مسؤولية تاريخية لا تحتمل التأجيل. آن الأوان لإعادة النظر في أعمال مثل «التغريبة الفلسطينية» (إخراج حاتم علي ـ تأليف وليد سيف)، و«الاجتياح» (إخراج شوقي الماجري ـ سيناريو رياض سيف)، و «خريف العشاق» (إخراج جود سعيد ـ تأليف ديانا جبور)، من زاوية ما لم تقله، أو ما لم تستطع التعبير عنه، أمام حجم الكارثة الراهنة.
الفلسطيني في معظم الإنتاجات ظلّ صورة رمزية: أسمر، حزين، نبيل، لا يلين، لكنه معزول عن واقعه، لا يُروى ككائن مركب، بل كأيقونة مغلقة. وربما كانت النية حسنة، لكنّ النتيجة كانت تحميل القضية عبء الخسارة المحتومة. كما حذّر الكاتب الراحل ممدوح عدوان حين كتب: «التعامل مع الفلسطيني بوصفه حالة كربلائية أبدية يفقده القدرة على التأثير والتفاعل». ودعا إلى بناء صورة إنسانية حقيقية تعكس حياته اليومية، وتناقضاته، وثقافته، ومقاومته الحيّة، لا فقط جراحه.
سردية المقاومة والمنفى: من بيروت 1982 إلى دمشق 2025
في صيف 1982، ومع اجتياح بيروت، خرجت المقاومة الفلسطينية من العاصمة اللبنانية تحت ضغط ثلاثي: إسرائيلي، أميركي، وعربي. كان خروجاً مأساوياً بعد قتال بطولي وحصار خانق وتعاطف شعبي عارم، يقابله خذلان رسمي لم تُمحَ آثاره بعد.
آنذاك، كانت الأمور تُسمّى بأسمائها. أما اليوم، فالعناوين تتكرر، لكن اللغة تغيّرت: إذ تكشف تقارير صحافية عن طلب أميركي رسمي إلى دمشق لطرد الفصائل الفلسطينية، في سيناريو يُعيد إلى الأذهان بيروت 1982، ولكن بلا بيروت، وبلا دراما توثّق الصدمة، وبلا شوارع تنعى الخروج، بل حتى بلا تعاطف.
تُقابل هذه اللحظة المزلزلة بأفراح رسمية مناكِفة، لا تتردد في اعتبار التحالف مع واشنطن انتصاراً، ولو جاء على حساب من تبقّى من أشقاء فلسطين على أرض الشام.
غياب هذه السردية عن الشاشة ليس مصادفة، ولا يمكن تسويغه بالحياد أو بسوء التقدير. دائماً ما استسلمت الدراما العربية، والسورية منها خصوصاً، لمنطق «الرمزية الآمنة»، متجنّبةً الصدام مع الواقع السياسي. وحتى عندما تناولت الحروب، كما في «رسائل الحب والحرب» (إخراج باسل الخطيب)، بقي الفلسطيني ضيفاً صامتاً على الحكاية، لا صانعاً لها.
وحده «الاجتياح» اقترب من تمثيلٍ فلسطينيٍّ متكامل، لذلك ناله ما ناله من منع وتهميش، رغم فوزه بجائزة «إيمي» العالمية. في مفارقة مؤلمة، يبدو أنّ الجمهور الغربي الواعي لمقولاته الثقافية أبدى تعاطفاً أشمل مع الفلسطيني من جمهور عربي محطّم، أنهكته عقود من الاستبداد والفقر والتشدد، حتى فقد مرآته وقدرته على التعاطف.
الفلسطيني في الدراما السورية: من التهميش إلى التعاطف العابر
قبل اندلاع الربيع العربي، بدأت الدراما السورية تلامس للمرة الأولى ملامح اللجوء الفلسطيني من زاوية إنسانية، تجرّده من الصورة النمطية وتُعيد تصويره ككائن حيّ، متعب، يُختبر تحت عدسة الكاميرا بلا مكياج سياسي. ظهرت محاولات خجولة في أعمال مثل «سحابة صيف» (إخراج مروان بركات ـ تأليف إيمان السعيد) و«تخت شرقي» (إخراج رشا شربتجي ـ تأليف يم مشهدي) حاولت كسر الكليشيه، لكنها لم تذهب بعيداً نحو تمكين الفلسطيني كذات سردية مستقلة.
ظلّ الفلسطيني في الدراما السورية «آخر» يروى عبر عين السوري، لا عبر صوته الخاص. من هنا نفهم لماذا لا يرى كثير من السوريين، وهم يلهثون خلف بارقة خلاص اقتصادي بعد 14 عاماً من الحرب، أنّ إخراج الفلسطينيين من بلادهم هو «ثمن مقبول». التهميش المستمر في الخيال البصري أنتج لاوعياً يقبل هذا الترحيل، ويغض النظر عنه، أو حتى يبرره.
في «خريف العشاق»، تمر المخيمات الفلسطينية كخلفية باهتة في المشهد السياسي، لا كعالم ينبض بالحياة. وفي «رسائل الحب والحرب»، يستحضر الفلسطيني ضمن هوامش الحرب الأهلية اللبنانية، لا كفاعل فيها.
واليوم، تأتي أخبار غزة ومآسيها في نشرات الأخبار كأصوات بعيدة، لا تلبث أن تُستبدل بعبارات ديبلوماسية عن «حلّ الدولتين»، كأنّ الدم لا يزال طازجاً على شاشات العالم، لكنه لا يثير في الشاشات العربية سوى الملل. لذلك، كان الكاتب حيدر حيدر أكثر حدّة في نقده، حين قال إن الدراما العربية، بتواطئها أو جهلها، أسهمت في تشويه صورة الفلسطيني أكثر مما فعله الإعلام الغربي. إذ حُرم الفلسطيني من فرصة أن يكتب نفسه درامياً، فظلّ أسير شاشات لا تشبهه. وحتى حين يُتفق على إخراجه من المشهد، أو على التطبيع فوق جثته، لا يبقى له صوت سوى صدى محمود عباس، غاضباً أو صامتاً، لا فرق.
صورة الفلسطيني اليوم: بين النار والصمت
في زمن تُباد فيه العائلات الفلسطينية بالصوت والصورة، يصبح تغييبها من الشاشة العربية فعلاً عدوانياً بامتياز، لا مجرد تقصير. لم يعد يُطلب من الدراما أن تعيد تمثيل النكبة سنوياً، بل أن تكتب الإنسان الذي لا يزال يحاول النجاة، يقاوم، يحبّ، يربّي أطفاله، ويكتب شعره تحت القصف.
أن تُنصت لما تقوله غزة، لا لما يطلبه السوق. إعادة تمثيل الفلسطيني اليوم ليست ترفاً جمالياً ولا حتى مجرد واجب أخلاقي، بل فعل وجودي لإنقاذ الذاكرة الجمعية من السقوط.
الدراما التي تعجز عن قول الحقيقة عن الفلسطيني، تعجز عن قول الحقيقة عن نفسها وعن مجتمعاتها. وحتى يأتي ذلك اليوم، هل سنكون على موعد جديد لزف عناصر الفصائل الفلسطينية إلى منفى آخر، أبعد من أي نقطة قريبة من فلسطين؟ أم أنّ حتى ذلك النفي أصبح ممنوعاً... بصمت.

