ثلاث قصص قصيرة
يركضون كل يوم في شوارع المدينة وساحاتها. يركضون بالعشرات، لكن لا أحد يراهم.


1. اللامرئيون
يركضون كل يوم في شوارع المدينة وساحاتها.
يركضون بالعشرات، لكن لا أحد يراهم.
يهرولون في كل الاتجاهات، ولا أحد يشعر بوجودهم أو ينتبه إليهم.
إنهم اللامرئيون.
هم يستغيثون بالمارة، ليل نهار. ينادون، يمدون أيديهم الخفية، يصرخون:
ــ نحن ناس مثلكم، نحن ناس مثلكم.
وما من أحد يفطن لوجودهم أو يسمع أصواتَهم.
أحياناً، في لحظة يأس أو غضب، يشير اللامرئيون إلى أحد العابرين، دون سواه، فيسرعون باتجاهه، وهم يتصايحون، ثم يجتمعون حوله ويسحبونه بأيديهم النحيلة ويقتادونه إلى زاوية معتمة، ويهمسون في أذنيه بكلام خفي، وعندئذ يصير ذلك العابر واحداً منهم. يصير لا مرئياً مثلهم، يَركض كما يركضون، ويستغيث كما يستغيثون.
■ ■ ■
2. اليد
حدث الأمر هكذا:
كنتُ وحيداً في محطة الأتوبيس، في ليلة من ليالي دجنبر الباردة، أنتظر الحافلة رقم 7، بعد مغادرتي للعمل. كانت المحطة فارغةً، فليس هناك سوى الطقس اللعين.
فجأةً، شعرتُ أنّ هناك يداً توضع على كتفي، من الخلف. وحين الْتَفَتُّ لم أجد أحداً. حاولت أن أبقى هادئاً، رغم الخوف الذي اعتراني، قلت لنفسي لعلها أضغاثُ يقظة، وعليّ أن أنسى الموضوع.
لكنّ ذلك الحدث المرعب صار يتكرر بانتظام، في الشارع وفي المقهى وفي مقر العمل، وحتى حين أكون وحيداً في البيت.
وفي كل مرة، أشعر يقيناً بتلك اليد وهي توضع على كتفي، وأحسُّ بها وهي تضغط عليّ أو تُرَبّتُ أو تكتفي بالملامسة السطحية، وأحياناً أراها بعيني، بكيفية جانبية، لكنها تختفي حالما ألتفت، فلا أعود أسمع سوى الضحكة الساخرة لصاحبها، الذي لا تراه العين.
ساءت حالي يوماً بعد يوم، بسبب تلك اليد، وألَحَّ عليّ الأصدقاء كي أستشير طبيباً نفسانياً، فوافقتُ على مضض، رغم اقتناعي بأن اليد حقيقة وليست هلوسةً أو وهماً.
سألني الطبيب الكهل، ونحن في مكتبه الباذخ، عن حياتي الماضية والحاضرة، عن زواجي وطلاقي، وعن طبيعة عملي، ثم انتقل إلى موضوع اليد، فحاولتُ الإجابة بدقة وتركيز.
كان الطبيبُ ينظر إليّ مستغرباً، ويسجّل بعض الأمور على ورقة أمامه، وفجأةً، رأيت اليدَ توضع على كتفه هو، ورأيته يتحرك بكيفية مباغتة وينتفض وينظر خلفه مذعوراً، ثم رأيتُ اليدَ تختفي، وسمعتُ الضحكةَ المعهودة، ورأيتُ الطبيبَ يحاول أنْ يستعيد هدوءَه، رغم اضطرابه البيّن، فقلتُ له:
ــ هل تأكدتَ الآن من وجود اليد، يا دكتور؟
لكنه أنكر كل شيء. حتى الضحكة الساخرة لصاحب اليد، تَظاهرَ بأنه لم يَسمعها.
■ ■ ■
3. الرسائل
كل صباح، يجيء ساعي البريد إلى الحي، على دراجته النارية.
يطرق أبواب الشقق والمنازل، يعطي كلَّ واحد رسالتَه.
الرسائل عبارة عن أوراق بيضاء، خالية من أي كتابة.
لكن السكان يتسلّمونها بلهفة واضحة، وينظرون فيها باهتمام شديد، فمنهم مَن يصرخ عندئذ مِن الفرح ومنهم مَن ينفجر بالبكاء أو ينهار فاقداً للوعي، ومنهم مَن يتشبث بالأمل، في انتظار رسائل الأيام القادمة.
* الدار البيضاء/المغرب
