أنا جبشيت... جبشيت... جبشيت...*
لم نألف في ملحقنا الثقافي «اجترار» نصوص من الماضي، إلَّا لِماماً. والشرطُ هنا مناسبة: استباحة العدو الصهيوني للقرى الأمامية وكامل الشريط الحدودي حتى البقاع.


لم نألف في ملحقنا الثقافي «اجترار» نصوص من الماضي، إلَّا لِماماً. والشرطُ هنا مناسبة: استباحة العدو الصهيوني للقرى الأمامية وكامل الشريط الحدودي حتى البقاع.
يستمدُّ هذا النصُّ راهنيتَه من إشارته، تلميحاً وتنبُّؤاً، إلى أكثر من طرف يوغل في دماء أهلنا جنوباً، سواءً بتغطية العدوان أو الإسهام فيه بتبنّي طروحات العدوِّ الصهيوني.
ما أشبه عام 1983، لحظةَ كتابة هذا النَّصِّ، بِـ 2025، لحظة انهراق دم اللبنانيين والغزاويين والسوريين وووو على مرأى العالَم...
جبشيت: رمزُ كلِّ مقاومة مدنيَّة ومسلَّحة، في كلِّ مكانٍ وآنٍ، بوجه وحوش التوسع الاستعماري.
**
ـــ كلمات ـــ
***
إلى أهلنا الصامدين في الجنوب والبقاع الغربي وراشيا.
إلى الذين يرسمون بدمائهم خريطة الوطن الجديد.
إلى منى ونجاة وعايدة ويسار.
■ ■ ■
عندما تسلَّل اللصُّ إلى غرفة نومها، سرق حُلِيَّها وكسر «قجةً» كانت تصمّد فيها ليوم زفافها، انقضّ عليها، فجرحَ وجهها وقلع عينها اليسرى لتقديمها خاتماً لعاهرته.
لم يكتفِ اللصُّ بفضِّ بكارتها وحمل «العلَامة» إلى قومه ليؤكد شجاعته ورجولته... بل صعد إلى تتخيتة الدار، خلط البرغل بالزيت وأفرغَ السمنة في كيس السكر، ولمّا انتهى من غزوته، أشعل النار بالدار كي لا يبقي أثراً منها. ثم جاء بجرافةٍ لهدمها لأنه سيبني مكانها مكتباً لبيعِ الأطفال.
■ ■ ■
ظنَّ اللص أنّه أصبح ملك الدنيا، فکل الكائنات والمخلوقات، في المحيطات والقارات والبحار سوف تدين بدينه، وتطيع أوامره، فالعصر عصره.
وهكذا بدأت الوفود تزدحمُ أمام بلاطِ قصره.
ـــ أنت الخليفة، أنت أمير المؤمنين، بل إن أحدهم قدَّم طفلته هدية له، وآخر ذبحَ ولده الوحيد أمام قدميه متبارِكاً، فاللص صار يطير من الكبرياء، فقد تُوِّجَ ملكاً.
■ ■ ■
كل الناس رفعت «العشرة». وقد وردت أخبار إلى الضيعة أن اللصّ سيعلن نفسه إلهاً وسيَسُنُّ دستوراً جديداً، فهو الذي يحدّد نوع الطعام الذي يؤكل، وأي الملابس تُلبس، وفي أي ساعةٍ يشرب الناس الماء أو ينامون ويضحكون، هو الذي يحدّد دورتهم الدموية وزوغان عيونهم، وإذا تزوّج أحدهم فسوف يراقب حركات الزوجين، يُحصي القبلات، وله الحق الإلهي أن يمنعهما من تحقيق النشوة.
أمر بقلع نصبات الزيتون، لأنها ترمز إلى الشر وكل من يزرع تبغاً فهو عاصٍ لأوامره، كما أصدر فرماناً بتحويل مجرى النهر صعوداً نحو الجبل، وطلب من مساعديه أن يكمّوا خرير الشلال المجاور لقصره، ويضعوا خطةً لمهاجمة البحر.
ـــ أنت أيها البحر محظورٌ عليك المد أو الجزر، محظورٌ عليك الهيجان أو السكون، وأنتِ أيتها الأمواج إيّاكِ والحراك، إياكِ أن تزبدي وتعانقي الرمل.
جمع اللصُّ أهالي البلدة، أمرهم بتغيير أسمائهم، وإذا رُزِقَ أحدهم بمولود فيجب أن يبقى بلا اسم وأن لا يَعرِف أمه وأباه، فهو اسمهم وأبوهم وأمهم.
■ ■ ■
أحد الفلاحين أنجبت زوجته طفلة.
ـــ ماذا نفعل يا خديجة، هل ستبقى الطفلة من دون اسم؟
ـــ يا ويلنا إذا عرف الملك فسوف يعدمنا ويأخذ طفلتنا خادمة في قصره.
ـــ طيب يا خديجة إذا حضر الجندرمة غداً وطلبوا الضريبة فأعطيهم البيض والقمح وليرة (عسملية) وقولي لهم إن البنت بلا اسم إطاعةً لأوامر الملك.
وبدأت خديجة تبكي، كيف ستبقى طفلتها بلا اسم، بماذا سنناديها، ماذا وماذا إذا جاء «نصيبها»؟
ـــ يا خديجة تعالي لأخبركِ هذا السر.
ـــ سر!!
ـــ نعم سر، اليوم ليلاً نكوي البنت و«نعلِّمها»، كي لا تضيعَ بين بنات الضيعة.
ـــ وإذا بكت وسمع الملك؟
ـــ نقول لهم إنها جائعة أو مريضة.
ـــ يا زلمي، الكيُّ لا يكفي، تعال نتفق على اسم للبنت ونكتب اسمها في وصيتنا، وإذا ما توفانا الله تعرف اسمها من الوصية.
ـــ أحسن شي هذا يا خديجة، ولكن ماذا سنسميها؟
ـــ جبشيت.
■ ■ ■
كبرت الطفلة وصارت «تحوّش» التين وتبيعه في سوق البلدة، لكنها من دون اسم، ومرة سمعت أحد الكهول يناديها:
ـــ يا بنت فلان.
منذ تلك المدة، أضحت الطفلة تبحث عن اسمها، وما زادها تفكيراً هو أن جندرمة الملك كانوا أحياناً يسطون على تين والدها وأحياناً يدخلون إلى بيتها، يشتمونها ويحاولون التحرش بها.
ـــ أنتِ من دون اسم، اشتراك فلان من فلان، وأبوكِ غير معروف وأمكِ زانية.
استمرت الطفلة في التفكير، فطرحت على نفسها الأسئلة: لماذا أنا بلا اسم؟
لماذا محرَّمٌ عليَّ دخول المدرسة والنطّ على الحبلة وملاحقة الفراشات؟
لماذا لا أذهب إلى البحر وأبني بيتاً من رمل؟
لماذا لا يسمح لي بتسريح شعري وجدله بشكلة؟
لماذا لا أكحّل عيوني؟
لماذا هؤلاء القوم يصادرون تيني؟
صمَّمت أن تعرف اسمها. أن ترفع رأسها، فتحدثت مع رفيقاتها بضرورة «الاسم».
أحد المخبرين أخبر الملك أن بنت فلان عرفت اسمها من وصية والدها، فجنَّ جنونه وأمر وزيره باقتياد البنت وحرقها في ساحة البلدة بعد أن تُقبّل قدمي الملك.
صلبوها تحت الشمس عارية.
ـــ ستكونين اليوم طعاماً للكلاب، لا حياة هنا لمن يجرؤ على معرفة اسمه.
وصرخت كالصاعقة:
ـــ أنا جبشيت... جبشيت... جبشيت...
لم تكمل جبشيت صرختها حتى زلزلت الأرض زلزالها، الحجارة تحركت، عناقيد العنب صارت تغني وتقطف ذاتها، أغصان الزيتون صارت ترقص، الموتى نهضوا من قبورهم، أنهارٌ تجمَّعت، جبالٌ انتصبت، ينابيع تفجَّرت، حتى الحشرات هتفت: جبشيت.
الملك وجنده ولّوا هاربين، فجبشيت ما تزال تتباهى باسمها وقد لحقتها معركة ودير قانون النهر والحلوسية وأنصار والخرايب والجبين والقرعون وكل القرى الأخرى، وقد علمت أن مؤتمراً للقرى عُقد في حسينية البلدة اتخذ فيه قرار بتسمية كل القرى جبشيت.
الماء جبشيت، التراب جبشيت، الورد جبشيت.
الزرع جبشيت.
الحجارة جبشيت.
العلم جبشيت.
التاريخ جبشيت.
الشمس جبشيت.
الربيع جبشيت.
الحب جبشيت.
الشعر جبشيت.
الزيت المغلي جبشيت.
العبوات الناسفة جبشيت.
السماء جبشيت.
الوطن جبشيت.
إنه الزمن الجبشيتي.
* من كتابِه السردي والوثائقي «ثورة القُرى: انتفاضات القرى في جنوب لبنان» (مؤسَّسة الرؤى للطباعة والنشر، 1985).
** سعدون حسين من مواليد الجنوب اللبناني (1953)، من قدماء معتقلي معسكر أنصار، له أيضاً: «100 يوم في معتقل أنصار» (1983)، «أنصار 33» (1984).
