ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

مينيكه شيبر: «الأرامل» يَعُدن... للانتقام!

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

«تخيلوا لو أن التاريخ الإنساني كان فيلماً سينمائيّاً… لكانت الأرامل نجماته «المنسيّات» بامتياز! دائماً ما مُنحت الأرملة دور الشريرة بسخاء، فهي ساحرة تلعن المحاصيل الزراعية، ولصّة تخطف الأزواج

سلوى دبوق
سلوى دبوق
السبت 17 أيار 2025
مينيكه شيبر: «الأرامل» يَعُدن... للانتقام!
الخط


«تخيلوا لو أن التاريخ الإنساني كان فيلماً سينمائيّاً… لكانت الأرامل نجماته «المنسيّات» بامتياز! دائماً ما مُنحت الأرملة دور الشريرة بسخاء، فهي ساحرة تلعن المحاصيل الزراعية، ولصّة تخطف الأزواج، أو حتى «مُسبّبة كوارث» إذا عطس جارٌ في القرية! أما الرجل الأرمل، فكان يحصل على بطاقة «عريس جديد» بمجرد أن تجفّ دموعه على زوجته.

لقد قدّمت البشرية للأرامل عبر العصور «عروضاً خاصة مخيفة» من الاضطهاد المتواصل: من حرقها حيّةً مع جثة الزوج (خدمة توصيل VIP للعالم الآخر!)، إلى تحميلها مسؤولية انهيار الاقتصاد إن فشل موسم التفاح! لكن الأرملة ليست شخصية خيالية في دراما المجتمع، بل إنسانةٌ تحتاج إلى دعمنا... وربما إعادة ضبط إعدادات العقل الجمعي!»

في مرآة التاريخ والأسطورة

في كتابها «الأرامل... التاريخ المسكوت عنه» (دار صفصافة للنشر ـــ ترجمة عبد الرحيم يوسف)، تفتح الباحثة الهولندية مينيكه شيبر باباً ظل موارباً لقرون.
تضيء على زاوية قلّ أن انشغل بها المؤرخون أو المفكرون أو حتى المدافعون عن حقوق المرأة، وهي تجربة الترمّل النسوي، لا بوصفها محنةً فردية فقط، بل باعتبارها ظاهرةً اجتماعية وإنسانية، شكّلتها الثقافات، وحاصرتها الموروثات، وجرّمتها الأساطير والأمثال الشعبية منذ فجر التاريخ.

إنّ المرأة التي تفقد زوجها، تتحوّل في الوعي الجمعي إلى كائن محكوم بالريبة، موضوع للنكات السمجة، ومادة خصبة للتهم الأخلاقية والسحرية. حتى كأن الفقد لا يكفي وحده ليكون مأساة، بل يجب أن يتبعه نوع من العقاب الرمزي أو الفعلي.

كانت الأرملة تُعدّ لعنة، مصدر عار يجب إخفاؤه أو التخلص منه

والأساطير التي تحيط بالأرامل مليئة بالتحذير من الأرملة التي «تخطف الأزواج»، أو «تلعن البيوت»، أو «تجلب الخراب»، وهي تصورات تجد جذورها في فكرة أن المرأة من دون رجل لا بد من أن تكون إما ضالة أو خطرة.

يستند كتاب «الأرامل» إلى مصادر من مصر القديمة واليونان، والهند في العصور الوسطى، وأوروبا وأفريقيا والأميركيتين، دارساً القصص الشعبية والواقعية للمجتمعات في فيجي وبابوا غينيا الجديدة وغانا والصين وفرنسا، ومناطق عدة أخرى، إضافة إلى القصص والصور من الكتب والمجلات الفنية.

تبدأ رحلة الاستكشاف هذه من أعماق التاريخ القديم. تروي شيبر قصصاً صادمة عن ممارسات همجية كانت تُعدّ مقبولة اجتماعياً. في الحضارة التراسية القديمة مثلاً، كانت الزوجات يُقتلن بعد وفاة أزواجهن في طقس مروّع من التضحية. يروي هيرودوتس كيف كانت تدور منافسة بين الزوجات لإثبات من كانت الأكثر حباً، وتلك التي يُمنح لها الشرف يتم مدحها من الرجال والنساء على حد سواء ثم تُقتل على التلّ من قبل أقاربها. بعد القتل، تُدفن مع زوجها… وفي الهند، كانت ممارسة «الساتي» – حرق الأرملة حيّة – تمثل ذروة هذا الاضطهاد المؤسسي للمرأة.

قوبات اجتماعية وثقافية

لكنّ العنف الجسدي كان مجرد وجه واحد من وجوه المعاناة. غالباً ما كانت الأرامل يواجهن عقوبات اجتماعية وثقافية لا تقل وحشية. في عدد من المجتمعات، كانت الأرملة تُعد لعنة، مصدر عار يجب إخفاؤه أو التخلص منه.
في الثقافة اليابانية، كانت الكلمة المستخدمة للأرملة (mibōjin) تعني حرفياً «التي لم تمت بعد»، كأنها مجرد امرأة في غرفة انتظار الموت، مترقبةً نهايتها الوخيمة. كان يُتوقع من الأرملة أن تعيش حزناً عميقاً على فقدان زوجها، بل يُفضّل أن تظل في حالة حداد مدى الحياة، وهو ما قد يتضمن في بعض الثقافات حلق شعر رأسها أو ارتداء ملابس قديمة رثة.
في المقابل، يُسمح للأرمل بمواصلة حياته بشكل طبيعي. وقد عبرت بعض الأمثال الشعبية عن سعادة الرجل بوفاة زوجته، مثل: «الحزن على الزوجة الميتة يستمر حتى العتبة» (مثل أوروبي)، أو «مبارك هو الباب الذي تغادر عبره الزوجة الميتة» (مثل برازيلي).

لتمييز الاجتماعي والاقتصادي

تغوص شيبر، المعروفة بأبحاثها في الأدب المقارن والميثولوجيا والدراسات بين الثقافات، بعمق في الأنظمة الاجتماعية التي أسهمت في إنتاج هذا الظلم، مُظهِرةً كيف أنّ الأرملة كانت، في معظم المجتمعات الأبوية، تفقد جميع حقوقها الاقتصادية والاجتماعية بمجرد وفاة زوجها. فقد كانت تُحرَم من الميراث، وغالباً ما تُطرد من منزلها بسبب طمع أقارب الزوج، ما يُجبرها على العيش في فقر مدقع. وفي بعض الثقافات الأفريقية والآسيوية، كان يُمنَع على الأرامل الزواج مرة أخرى، ويُجبرن على العيش في عزلة اجتماعية قاسية.

يكشف الكتاب أيضاً عن الجذور العميقة لهذا التمييز، مستعرضاً كيف تشكّلت المفاهيم الاجتماعية حول الأرامل عبر العصور. من الأساطير القديمة إلى الممارسات الدينية والاجتماعية، رسمت الثقافات صورة للأرملة ككائن ناقص، مُجرّد من الإرادة والحق في الحياة. وحتى اللغات تعكس هذا التمييز، إذ تحمل الكلمات المستخدمة للأرملة في عدد منها دلالات سلبية وفارغة.

لم يكن التمييز ضد الأرامل مقتصراً على الثقافات غير الغربية فقط، بل كانت أوروبا أيضاً مسرحاً لممارسات مشابهة. تروي شيبر كيف كانت الأرامل يواجهن تمييزاً صارخاً، وكيف كانت القوانين والعادات الاجتماعية تدفعهن إلى الهامش، وتحوّلهن إلى كائنات منبوذة. كان يُنظر إلى الزواج كمصدر وحيد للأمان الاجتماعي للمرأة. وعند فقدان الزوج، كانت الأرملة تفقد قيمتها الاجتماعية، كأنّ وجودها أصبح بلا معنى.

من الألم إلى الفعل

لكن الكتاب ليس مجرد سرد للمعاناة، بل هو أيضاً رحلة في الصمود الإنساني. تسلط شيبر الضوء على قصص النساء اللواتي تحدّين الظروف القاسية وأعدن تعريف حياتهن.
تقدم أمثلة عن أرامل تحوّلن إلى قائدات اجتماعيات، وكاتبات، ومبدعات، متحدّيات الأعراف التي حاولت طمس وجودهن. تذكر المؤلفة كريستين دي بيزان، تاو هوابي، ليلى السويف، ومارتا أليسيا بينافينتي أمثلة للأرامل اللواتي تجرّأن على الانغماس بالكامل في حياة جديدة بعد وفاة أزواجهن.

بهذا المنهج، يكشف كتاب «الأرامل... التاريخ المسكوت عنه» عن صورة مركبة، موغلة في القِدم، تعكس كيف صاغت المجتمعات مواقفها من الأرامل ليس على أساس التعاطف، بل على أساس السيطرة والخوف. فالأرملة لا تُترك لتعيش حزنها، بل يُعاد تشكيلها كموضوع سلبي، ساكن، ومثير للقلق في الوقت ذاته.
وبينما تعيش النساء هذه التجربة في صمت، تبقى الأمثال الشعبية شاهدةً على عدالة مفقودة، وعلى زمن يحتاج إلى مراجعة موروثاته القاسية بحق من فُرض عليهن الترمّل لا اختياراً، بل قَدَراً.

لكن هناك بصيص أمل. تؤكد شيبر أنّ التغيير ممكن، وأن الوعي المتزايد بحقوق المرأة يفتح آفاقاً جديدة للأرامل حول العالم. في العقود الأخيرة، بدأت المجتمعات بإعادة النظر في المفاهيم التقليدية، وظهرت مبادرات لدعم الأرامل وتمكينهن اقتصادياً واجتماعياً.
في النهاية، «الأرامل: التاريخ المسكوت عنه» أكثر من مجرد كتاب تاريخي. إنه صرخة في وجه الظلم، ودعوة إلى التضامن، وتأكيد على قدرة الإنسان على التجاوز والصمود.
إنه عمل يدعو القرّاء إلى التفكير بعمق في الهياكل الاجتماعية التي شكّلت – وما تزال تشكّل – مصائر النساء حول العالم. لا شك في أنّ البحث المتميّز والسرد الممتع والترجمة المبدعة، تجعل من هذا الكتاب وثيقةً مهمة تساعدنا على فهم ماضينا ورؤية حاضرنا عبره.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك