
في ذكرى مئوية المطران غريغوار حدّاد (1924 ـــ 2015)، سنحاول أن نوفي هذا الرجل الاستثنائي حقّه مع شعورنا بالحاجة إليه في واقعنا الراهن.
طفولته وتفتّح وعيه
ولد نخلة أمين حدّاد في سوق الغرب في جبل لبنان من أب بروتستانتي وأم كاثوليكية، درس في مدرسة القرية وكان منذ طفولته مشغولاً بغير أمور الأطفال والشبّان. كانت الثقافة تشغله عن أنشطة الشباب الاعتيادية، إلا أنّه كان بسيطاً ومتواضعاً.
كان أبوه مدرّس لغة عربية، فتعرّف عبره إلى كتابات جبران خليل جبران الذي كانت كتاباته محرّمة كنسيّاً حينها، ودرّبه على فنون الكتابة وأفسح له في المجال للتعبير عن أفكاره، وقد زرع فيه حبّاً للمعرفة والبحث، فتعرّف منذ صغره إلى فكر الأب بيار دو شاردان الملعون كنسياً. وقد مهّد له الطريق بمراجعة البديهيات اللاهوتية. وقد تعرّض غريغوار حدّاد للعزلة من الكنيسة تماماً كالأب دو شاردان.
من الناس وإليهم
تابع دراسته اللاهوتية في «جامعة القديس يوسف»، وعيّن كاهناً في دير الشوير على يد المطران فيليبس نبعة، وقد اختار اسم غريغوار حداد تيمّناً بالبطريرك غريغوار حداد بطريرك الروم الأرثوذوكس الذي عُرف بزهده وتواضعه ومساعدته للفقراء وعلاقته الطيبة مع المسلمين.
في عهد شارل حلو، صاروا يحسبونه يسارياً متحالفاً مع الفلسطينيين
تولى بدايةً مهمات أسقف مساعد لمطران بيروت، ثم انتخبه السينودس عام 1968 كمطران لبيروت وجبيل وتوابعهما حيث نظّم العمل الرعوي وأنشطة الأبرشيّة.
جذب الفكر النقدي غريغوار حدّاد. إلا أنّه لم يحبّ أن يقضي وقته معزولاً بين الكتب. كان يعتبر نفسه من عامة الناس وأراد أن يكون قريباً منهم. ولذلك، كان سعيداً جداً بتعيينه نائباً عاماً على أبرشية بيروت للروم الكاثوليك عام 1952. يقول غريغوار: «إذا كانت الثورات قد وقعت في معظم الأحيان في بلاد ضدّ الكنيسة وأساقفتها، فلأنّ رجالات الكنيسة قد حدّوا اهتمامهم بالمؤسسة الدينية تاركين التعليم المسيحي الأول: حبّ القريب، لأنّ خدمة الإنسان الضعيف تأتي قبل خدمة المسيح».
لقد شعر غريغوار بالمسؤولية تجاه الناس حين أخذ منصباً في الكنيسة، وكانت تراوده أسئلة وجودية: لماذا عليه خدمة ابن الكنيسة فقط؟ فالمسيح وصّى بخدمة الإنسان، والإنسان هو ابن وطنه، وليس المسيحي الكاثوليكي فقط.
تخطّي الحواجز الطائفية
بينما كان غريغوار يعمل على تخطّي الحواجز الطائفية عبر العمل الكنسي والاجتماعي في خمسينيات القرن المنصرم، كان لبنان يشهد صراعات طائفية عميقة، كأنّه كان يسبح عكس التيار.
في عام 1961، أسّس «الحركة الاجتماعية» مع مجموعة من الشابات والشبان. عملت هذه الحركة في مجال الصحة والتربية وأنشأت مكاتب من أجل مساعدة العاطلين من العمل وإنشاء مساكن شعبية. إلا أنّ تلك الأنشطة لم تسلم من النقد، فاليمين اتّهم الحركة بأنّها تنشئ دولة داخل الدولة (التاريخ يُعيد نفسه اليوم!)، واليسار اتّهم الحركة بأنّها تبعد الشباب عن العمل السياسي وتمتصّ نقمتهم.
في عام 1965، وقّع حدّاد مع 300 مطران حول العالم وثيقة يتعهّد فيها ممارسة الفقر في حياته الشخصية. وفي العام نفسه، عُيّن أسقفاً وقام بمهمة أسقف معاون للمطران فيليبس نبعة، وتوفي الأخير بعد ثلاث سنوات فانتخبه السينودوس مطراناً أصيلاً.
ثورة إصلاحية في الكنيسة
أوّل ما فكّر فيه هو إصلاح أحوال الأبرشية إصلاحاً جذرياً، فوضع تنظيماً مالياً جديداً تشترك في تمويله العائلات كلّ بحسب قدرته. هكذا، أصبحت الخدمات الدينية كالعمادة والزواج، مجانيةً على أن يتقاضى المطارنة والكهنة رواتب متساوية من الصندوق العام. كما طبّق مبادئ العدالة الاجتماعية على العلمانيين العاملين في الأبرشيات، وصار يحقّ للعائلات التي تعمل في أراضي الوقف، أن تستملك بعضاً منها. ألّف مجلس الكهنة والمجلس الرعوي الذي يضمّ أعضاء من العلمانيين والرهبان والراهبات والكهنة. وبذلك، طبّق أحد توجيهات مجمع الفاتيكان الثاني، الذي يدعو إلى إشراك العلمانيين في إدارة الكنيسة.
«آفاق» وسخط الإكليروس
في 15 كانون الثاني (يناير) عام 1975، صدر العدد الأوّل من مجلة «آفاق» التي تعبّر عن الفكر الثقافي لـ «الحركة الاجتماعية». قدّمت المجلة حواراً علمانياً يدعو إلى نبذ العنف وتفتح على التيارات الفلسفية العالمية الحديثة. وكان للمجلّة وقع إيجابي كبير في الأوساط اللبنانية والعربية، وقد صدرت لغريغوار حداد مقالات في شؤون الدين تنتقد الممارسات الكنسية، لمصلحة الإيمان الملتزم بالإنسان. وقد أثارت تلك المقالات سخطاً من قبل رجال الدين.
كثيرون كانوا يتململون من طريقة عيش الأب حدّاد، فقد عاش فقيراً وكان مظهره يفتقد إلى أي نوع من «الجخّ». وبهذا كان أخاً وأباً حقيقياً لرعاياه متّبعاً ما قاله المسيح: «من كان منكم كبيراً، فليكن خادماً للجميع».
كان بعضهم ينتقده على تلك التفاصيل الخارجية من أجل نزع منصبه عنه. إلا أنّ غريغوار حدّاد كان يدرك جيّداً بأنّ الحرب عليه كانت بسبب نهجه الإصلاحي وتفكيره العلماني. كان كثير من المسؤولين عن الكنيسة، يرفضون تطبيق مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني (1965). أمّا غريغوار حدّاد، فقد كان يجد أنّ هذا المجمع يخرج الكنيسة من الجمود والانعزال، وأنّ تطبيقه يتطلب تجاوز الأنانية والجهل. وقد دعا الكهنة إلى الحوار في مقرّراته، إلا أنّه جوبه بالتجاهل.
شهابي أو يساري؟
كان السياسيون المسيحيون والكنسيون ينظرون إلى حركة الأب غريغوار حدّاد وأفكاره وكتاباته من منظور خطابهم الخاص، ومن مدى قربه أو بُعده عن سياساتهم.
في عهد فؤاد شهاب، كانوا يحسبونه شهابياً، وهم متحالفون ضدّه. وفي عهد شارل حلو، صاروا يحسبونه يسارياً متحالفاً مع الفلسطينيين.
اعتبر بعض الكنسيين في لبنان، على رأسهم البطريرك مكسيموس الخامس حكيم، غريغوار حدّاد خطراً على الكنيسة، فحاولوا تشكيل لجنة من خمسة أعضاء لمحاكمته، إلا أنهم لم يجدوا أعضاء مستعدين لذلك. هنا، قرّروا إرسال ملفّه إلى الفاتيكان، فأكّدت اللجنة على أنّ كتابات غريغوار حدّاد لا تخرج عن الإيمان الكاثوليكي.
مع ذلك، كفّ البطريرك حكيم يده عن إدارة الأبرشية لمدة شهرين، ثمّ مدّد المهلة، ومن بعدها فصله من منصبه وعيّنه مطراناً فخرياً على أضنة في تركيا، وقد اعتبر حدّاد ذلك اعترافاً من الكنيسة بأنّه مؤمن عقائدياً وإيمانياً وليس طائفياً أو سياسياً.
قبل المطران حدّاد دفع الثمن سياسياً وكنسياً، وقرّر إكمال مسيرته في محاربة الجوع والجهل والطائفية عبر «الحركة الاجتماعية»، التي حوربت أيضاً من قبل الأطراف الطائفية المتصارعة في الحرب الأهلية اللبنانية. وتحوّل نشاطها من إنمائي إلى إغاثي نظراً إلى سوء الأوضاع الاجتماعية الذي تسبّبت فيها الحرب.
تيار المجتمع المدني
بعد انتهاء الحرب الأهلية، أسّس حداد مع مجموعة من رفاقه «تيّار المجتمع المدني» عام 1998، بصفته هيئة غير سياسية تعمل على الحوار والابتعاد عن العنف وتنادي بخيار العلمانية الشاملة.
نستعرض في ما يأتي أربع قضايا طرحها غريغوار حدّاد وتبنّاها «تيار المجتمع المدني»:
أولاً: العلمانية الشاملة: تعرّف كنظرة شاملة للعالم وتؤكّد على استقلالية العالم بكلّ مقوماته وقيمه تجاه المذاهب الدينية أو اللادينية وجميع الثقافات على أنواعها. ومن أهم مميزاتها أنّها تعزّز الفصل بين الدين والطائفية، واستقلالية الطائفة عن الدولة، وإعادة اعتبار المواطن كقيمة إنسانية.
ثانياً: القيمة المطلقة للإنسان: إنّ القيم هي المبادئ الأساسية التي ليس لها مرجع سوى الإنسان نفسه. أمّا القيم الدينية، فهي نابعة من مصدر روحي فتكون موحى بها أو منزلة أو معاشة وهي معلنة. إنّ القيم الدينية هي أيضاً إنسانية في الوقت نفسه، إنّما في علاقة مع الله أو مطلق ما يؤمن به الإنسان. أما القيم الإنسانية البحت، فيمكن ألا تكون دينية، ونجدها عند اللادينيين. قيم المجتمع المدني هي إنسانية منفتحة على الإنسان بغض النظر عن معتقده.
ثالثاً: اللاعنف، طاقة تغييرية: إنّ النضال اللاعنفي هو الطاقة الإنسانية التغييرية للواقع العنفي من أجل واقع أفضل للإنسان على اعتباره القيمة الأساسية بين الكائنات.
رابعاً: سياسة القضايا لا سياسة الأشخاص: إنّ سياسة القضايا تقوم على مساهمة كلّ فرد عبر مجموعة، بهدف تلبية حاجات المجتمع. والقضية هي الجوهر التي تلتفّ حولها المجموعة، وتنشأ عنها رغبة بالتعاون بين سائر أفراد المجموعة بعكس سياسة الأشخاص التي تختصر القضية بشخص واحد، ما يؤدّي إلى تهالك القضية وتشتّت المجموعة.

