ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

شيرمان اليكسي [1]: نحن هنودٌ حمرٌ ولسنا هنوداً أميركيين

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

تُمثِّل المأساةُ سمةً أساسيةً في أدب الهنود في أميركا عبر التذكير بما تعرض له السكَّان الأصليون من إبادة جسدية ومحوٍ ثقافيٍّ، وبمقاربة الحاضر تراجيدياً عبر الذاكرة الجمعية.

محمد مظلوم
محمد مظلوم
السبت 14 حزيران 2025
شيرمان اليكسي  [1]:  نحن هنودٌ حمرٌ ولسنا هنوداً أميركيين
الخط


تُمثِّل المأساةُ سمةً أساسيةً في أدب الهنود في أميركا عبر التذكير بما تعرض له السكَّان الأصليون من إبادة جسدية ومحوٍ ثقافيٍّ، وبمقاربة الحاضر تراجيدياً عبر الذاكرة الجمعية.

بيدَ أنَّ ثمة اتجاهاً آخر قاربَ تلك المأساة عبر وجهها المناقض: الكوميديا والسخرية. ورغم تناقضهما الظاهري، إلا أن كلتا المقاربتين تشتركان في هدفٍ واحدٍ: تفنيد السرديات الكولونيالية وإعادة كتابة التاريخ من وجهة نظر الضحية (الهنود الحمر).

ويمثّل شيرمان أليكسي (Sherman Alexie) وهو شاعر وروائي وكاتب قصص قصيرة وكاتب سيناريو ومخرج أفلام أحد أبرز ممثلي هذا الاتجاه.

في محميَّة سبوكان

وُلد أليكسي عام 1966 في محميَّة سبوكان الهندية ونشأ فيها. هي إحدى محميات قبيلة سبوكان في ولاية واشنطن. ومثل سائر معظم محميَّات الهنود، تعكس التناقض الصارخَ للحلم الأميركي!

فهي ذات طبيعة جميلة لكن مُهمَلة، وثقافة عريقة ولغة مُهدَّدة بالانقراض، وشعب يحاول البقاء في مواجهة انقراض مزدوج: جسدي بانتحار الشباب وإدمان الكحول، وروحي بذوبان الهوية في مصهر الثقافة المهيمنة.

ورغم محاولة سكَّانها المحافظة على التقاليد حيث تحيي القبيلة طقوساً متوارثة كاحتفالات موسم صيد السلمون ورقصة الشمس و«الباوواو» (كرنفالات راقصة)، إلا أن هذه الطقوس تتراجع بسبب تأثيرات الحياة الحديثة.

استهلام من التجارب الشخصية والجماعية

تحاول كتابات اليكسي أن تستلهم من تجاربه الشخصية وتجارب سكان المحميَّة تفاصيلَ الحياة القاسية فيها. ورغم مغادرته المحميَّة للدراسة في جامعة ولاية واشنطن، لكنه ظلَّ يعود إليها ليستقي منها الإلهام. حوّل شؤون هذه المحميَّة وشخصياتها إلى مرايا عاكسة لألمٍ جماعي وإلى احتجاج على مقولة «الانقراض الهندي».

يُعبّر في قصيدته الطويلة (سيرتي الذاتية المارقة) عن هذا الاحتجاج بعباراتٍ مباشرة:
«اتخذتُ قراراً واعياً بالزواج من امرأةٍ هندية، اتخَذَتْ قراراً واعياً بالزواج مِنِّي.

أملُنا: أن نُنجبَ ونربي أطفالاً هنوداً يُحبّون أنفسَهُم.
هذا هو الفعلُ الأكثرُ ثورية».
يجسد هذا التعبير الوجودي عن استمرارية الهنود ورفضهم للزوال، جوهر خطاب أليكسي الفني والأدبي:
«نحنُ هنودٌ وَلَا عَلاقَةَ لَنَا بِهنودِ الْهِند
ولسْنَا هنوداً أميركيين.
نحنُ هنود، وَنَنطُقُها «هن ـ ود» إِنَّها
نَسَبُنا. ونحْنُ نملكُها ولنْ نتخلَّى عنْهَا.
لقدْ سُلبَ منَّا الكثيرُ بحيثُ صِرْنا نتمسَّكُ بأصغر
ما تبقَّى لنَا بكلِّ مَا أُوتينا مِنْ قوَّة».

وريث جيل «البيت»

أليكسي وريثٌ متمردٌ لجيل «البيت». وإذ صرخ غينسبرغ ضد مولوخ الصّناعي، فإن أليكسي يصرخ ضد مولوخ الاستعماري الذي يلتهم تاريخ الهنود. ويؤكد: «أهم ما يحتاج الناس معرفته عن الهنود هو أن هويتنا أصبحت الآن أقلَّ ثقافية وأكثر سياسية. نحن موجودون بالفعل ككيانات سياسية ذات سيادة. وهذا أهم ما يجب أن يفهمه الناس، أننا منفصلون سياسياً واقتصادياً. ويجب أن نكون كذلك».
والواقع أن تجربة أليكسي تفصح عن مشروع تنقيحي يُشارك فيه عدد من الكتاب الهنود الذين يعيدون سرد التاريخ في مواجهة إسقاطات الثقافة السائدة التي تختزل حياة الهنود إلى أقاصيص للأطفال، بل يدرك جيداً أنّ قصصه وأشعاره عنهم ليست بطوليةً، بل تعكس حياةً اختزلها التاريخ الرسمي إلى مجموعة مُشتتة من الناجين.

الهنود الأميركيون لا يجري تمثيلهم في الثقافة الأميركية إلا بوصفهم أشباحاً

يجمع أليكسي في إصداراته بين القصص والقصائد ويضم كل كتاب عدداً متقارباً من القصص والقصائد بالتناوب أحياناً وبالتداخل أحياناً أخرى. ولا يعبّر هذا التناوب والتداخل عن تقنية أدبية فقط، بل هو بيانٌ ثقافي وسياسي يُحاكي فيه تعقيدات الوجود الهندي، وينشئ عبر دمج رؤيته للعالم الهندي الداخلي مع تفاصيل الاعتراف، علاقة حميمةً مع القارئ، وهو ما يُمثل إحدى سمات القوة الساخرة لصوته ويخلق تجربة مُتكاملة، يدوِّنها بلغةٍ يومية من دون أن يسقط في المباشرة الفجة.

إذ يعتمد شعره على السخرية التي تقاوم اليأس والصور الصادمة وتقنية التكرار لترسيخ الفكرة الأساسية للقصيدة وتنمو قصيدته نمواً سلساً قبل أن تنتهي بمفارقة لافتة ونهاية مفتوحة.

قضايا الهوية والصراعات والفقر

كما تركز قصائده بشكل عام على قضايا الهوية والصراعات الداخلية والخارجية التي يعيشها الهنود الحمر في أميركا، وعلى الحياة المعاصرة للهنود داخل محميَّاتهم وخارجها حيث شبابٌ يعانون من التمييز في المدن الأميركية خارج المحميَّات، وعلى تأثير الفقر والإدمان في التماسك الاجتماعي، والتناقض بين الهوية التقليدية والحداثة، كما في قصائد مثل «حربٌ مستمرة» و«مفقود» و«عهد الغراب» و«باوواو في نهاية العالم» و «تَطوُّر».

وفي قصيدته «كيف تكتب الرواية الهندية الأميركية العظيمة» المنشورة في ديوانه «صيف الأرامل السود» (1995)، يقدِّم «وصفة ساخرة» لكتابة رواية (ناجحة) عن الهنود. يكشف عن التناقضات والمفارقات التي يجري بها تصوير الهنود الأميركيين في الأدب والسينما. ويسخر من الصور النمطية التي تُقدَّمها عنهم لا سيما في أفلام الغرب الأميركي التي تحتفل بتوسّع الأميركيين البيض على حساب الهنود، وتبرِّر العنف ضدَّهم بذريعة أنّهم بدائيون غير قادرين على التكيف مع «الحضارة والمدنية الحديثة» والتوظيف الصوري للرموز والطقوس والإرث الثقافي الهندي من دون فهم دقيق لمعانيها العميقة.

وتنتقد القصيدة، بمرارة، الطريقة التي يُختزل فيها التاريخ والثقافة الهندية إلى كليشيهات درامية تُداعب مخيلة القارئ الأبيض، بينما تُهمِّش الحقائق المعقدة والمأساوية لحياة الهنود.

«جميعُ الهنودِ يجبُ أنْ يتَّسِمُوا بملامحَ مأساوية:
أنوف، وعيون، وأذرُع مأساوية.

أيديهم وأصابعُهُم يجبُ أنْ تكونَ مأساوية
حينَ يمدُّونَها لِيَتَناوَلوا طَعَاماً مَأساوِيّاً».

صور نمطية... وصورة بديلة

لا يسخر أليكسي هنا من التراجيديا الهندية نفسها، بل من توظيفها المفتعل الذي شكل الصورة النمطية التي تُفرض على الهنود. لهذا حاول تقديم صورة بديلة حين كتب سيناريو فيلم «إشارات الدخان» وهو أول فيلم روائي طويل من تأليف وإخراج وإنتاج السكَّان الأصليين. ويتميز الفيلم بأصالة طاقمه من الممثلين والممثلات الهنود، وبتصويره في محمية «كور دالين» الهندية في ولاية أيداهو.

ثم يتساءل أليكسي عن معنى أن تكون «هندياً» في عصرٍ يُحدده لك الآخرون. وهل تُختزل الهوية في مظهر خارجي. وهل على الهندي أن يلعب دور «الطيب» ليرضى عنه الجمهور الأبيض؟ أو «الجامح» ليكون طريدةً للبيض!

«يجب أنْ تكونَ هناكَ جريمةُ قتلٍ واحدة،
وانتحارٍ واحدٌ، ومحاولةُ اغتصابٍ واحدة.
يجب الإفراطُ في شُرب الكحول.
يجبُ قِيادةُ السياراتُ بسرعاتٍ جنونية».

تكرار «يجب» إشارة ساخرة للقواعد الإلزامية لإبراز تكرار الكليشيهات في الأدب والسينما. كأن هذه المشكلات هي الأساسية في حياة الهنود. فالأدب الأميركي —حتى حين يُظهِر تعاطفاً مع الهنود— فهو يختزلهم في الصور الرومانسية عن الماضي ويجمِّدهم هناك، بينما يُهمش واقعهم المعاصر.

ثم توغل القصيدة في تعقيدات العلاقات العرقية بين الهنود الحمر والبيض. وتنتقد طريقة تصوير العلاقات العاطفية بين الأعراق حيث يجري تقديمها دائماً على أنّها علاقات تراجيدية غير متوازنة أو مستحيلة ومشحونة بالصراعات.

«إن أحبَّتِ الهنديةُ رَجُلاً أبيضَ،
فيجب أن يكونَ شديدَ البياض بحيث يتسنَّى لنا رؤية عروقِهِ الزرقاء
تَجْرِي تحتَ جلدِهِ كالأنهار».

أو

«الرجالُ الهنودُ، بالطبعِ، عواصف.
عليهم تدميرُ حياة أيِّ امرأةٍ بيضاءَ تختارُ أنْ تحُبَّهم».

وتتناول القصيدة أيضاً قضية الهوية والانتماء، لا سيما لدى الهنود الهجينين. ويشير أليكسي بسخرية إلى أن البطل (في الرواية الأميركية العظيمة) «يجبُ أنْ يكونَ هجيناً، نِصفُهُ أبيضٌ ونصفُهُ هنديّ أَحْمَر،
ويفضَّلُ أنْ يتحدَّر مِنْ حَضارةِ الخُيول.

وينبغي أنْ يبكي وَحيداً في أحيانٍ كثيرةٍ».

يعكس هذا المقطع الصراع الداخلي الذي يعيشه الهنود الهجينون بين هويتين، ويؤكد فكرة أنّ الهوية ليست ثابتة بل يمكن أن تتغير وفقاً للعلاقات الثقافية والاجتماعية.

ويشكل الشعور بالذنب لدى الرجل الأبيض إحدى الثيمات البارزة في القصيدة:
«لا بدَّ من التكفير عن الذَّنب، ولا بدَّ من غُفرانِ الخطايا.
لذا، نحتاجُ إلى أطفالٍ:

طفل أبيضَ وطفل هنديّ، وليسَ مُهماً جنسُهما،
يجب أن يُظهرا عاطفةً عميقةً بِطريقةٍ طفولية».

في خاتمة القصيدة، يشير أليكسي إلى أنّ «الرواية الهندية الأميركية العظيمة» يجب أن تنتهي بتحوّل البيض إلى هنود والهنود إلى أشباح.

تعكس هذه النهاية فكرة أن الهنود الأميركيين لا يجري تمثيلهم في الثقافة الأميركية إلا بوصفهم أشباحاً، إذ يتم استيعابهم أو محوهم بدلاً من الاعتراف بهم كجزء حيوي من المجتمع. كما يؤكد فكرة أن هذه الصور النمطية يجري توارثها وتكرارها من دون مراجعة نقدية:
«في الروايةِ الهنديةِ الأميركيةِ العظيمة، حين تُكتَبُ أخيراً، سيُصبح كلُّ البيضِ هنوداً، بينما يُصبح كلُّ الهنودِ أشباحاً».

* كاتب عراقي

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

لبنانصفعة لعيسى ورجي: شيباني باقٍ في بيروت
الأخبار

25.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك