إرث بيريت *
قالت جدتي إن الحزن في بلادنا إرث، وكذلك الحب. لم أفهم جيداً. أتراها تدرك ما يحدث؟ أتراها تلتقط بعض ما كُتِبَ في شريط الأخبار العاجلة الأحمر عن المجازر والهدم والتشرد وبيروت التي تُنحَر للمرة الألف؟


قالت جدتي إن الحزن في بلادنا إرث، وكذلك الحب.
لم أفهم جيداً. أتراها تدرك ما يحدث؟ أتراها تلتقط بعض ما كُتِبَ في شريط الأخبار العاجلة الأحمر عن المجازر والهدم والتشرد وبيروت التي تُنحَر للمرة الألف؟
بعد أشهر الموت في غزة وعلى الحدود، امتثل الموت أمامنا وبدا أننا نستعيد تاريخ الأفول الأول، يوم زحفت أمواج العتمة فوق حياة الفلسطينيين البسيطة وسالت الدماء حتى آخر السقم وأول الموت.
«منيح يلي راح جدك قبل ما يشوف يلي عم بيصير» صعقتني عبارتها. أي صدمة جعلتها تستعيد زمام أفكارها؟ أي عدل هذا الذي أرادها أن تتذكر حين يطيب النسيان والتلاشي؟ أي قوة أعادتها إلى مجرى الحياة في زمن الضياع؟
«جدك كان عاشقاً لبيروت، يرى الجمال من وراء التشوه الذي ألحقوه بها».
حسناً، يبدو أننا ما زلنا في حال الصحوة، فهي تكلمت عن جدّي في صيغة الماضي، وقد كانت، طوال الأشهر الأخيرة تسألنا أن نناديه ليتناول الطعام معنا، أو تطلب منا الاطمئنان عليه في غرفته أو في مكتبه، كما تطلق عليه اسماً آخر، «فادي». اختلط في ذهنِها المتعبِ الحابلُ بالنابل.
أتأمل وجهها لأرى إن تغير شيء في ملامحه، إن قلّت التجاعيد أو أصبحت أكثر عمقاً. ألمح ربما بريقاً جديداً في عينيها.
— ما هو السر يا جدتي؟
خلتها ستسأل: «أي سر؟» وسنطوي صفحة الصحوة ونعنونها بالأمل الكاذب... لكنها أجابت: «السر ثمين، وأنت ستحملينه، بعد عشرات النساء من عائلتنا... لكن عليك أولاً أن تسمعي كل الحكاية».
كدت أسألها إن كانت الحكاية ستطول وأخبرها عن التحليلات التي تنذر بتوسّع الحرب التي تهدّد بأن تكون إقليمية، وربما عالمية، لكن أمي حذّرتني من إخافتها.
كان ذلك قبل الصحوة، وأنا الآن لا أعرف مدى إدراكها الخطر المترصّد بنا. الموت يزحف في قلب المدينة، صاخباً، مكابراً. ونحن، بعد سنوات من العنفوان والقوة، رحنا نتلمس مواطئ الضعف في قلوبنا. بعد صور المجازر في غزة، بدا أن إبليس احتل العالم وأن المدة لن تطول به قبل أن يلتفت إلى كل واحد منا. «لا تخافي يا دنيا. من تحمل السرّ تعيش طويلاً لتورثه لحفيدتها».
هل باتت تقرأ أفكاري؟ هل تدخلني إلى عالم من السحر؟ نحن، منذ أسبوع، ندور في عالم اكتنفته الغرابة لدرجة أن السؤال، أي سؤال، يبدو واهياً.
«لا تخافي يا دنيا، حتى الأسئلة التي تبقى معلقة في حلقنا، تجد جواباً شافياً ولو بعد وقت».
أو أن الأسئلة تبهت بعد حين تحت وابل أسئلة أخرى.
أنا خائفة، حتى الموت. خائفة على وطني، على المقاومة، على وحدة أبناء شعبي، على كل جميل هنا.
انفجرت أجهزة النداء في أيدي المقاومين وفي اليوم التالي أجهزة اللاسلكي... أخبار عن الآلاف بين جرحى وشهداء. كأننا نعيش أحداث فيلم خيالي جداً عن نهاية العالم.
دخل الشرّ إلى قلب بيوتنا، واقتحمت التكنولوجيا أسرارنا. ننظر بتوجس إلى هواتفنا، نعرف أنها مخترقة وأنهم يراقبوننا عبرها. نأمل فقط ألا يجدوا فيها ما يستحق عناء قتلنا. باتت تلك الهواتف التي نسجنا معها علاقة عشق وتبعية مصدر قلق وجودي.
الأرض تميد تحت أقدامنا، وهاوية تفتح ثغرها، قد تبتلعنا وتبتلع العالم معنا. قلت لأمي: «قلبي مسيّج بالصبار»، ومع كل فقد تنغرس فيه شوكة جديدة. فأجابتني بصوت مبلل بالدموع المكبوتة أن أصوات من هم هناك على التخوم تنادينا لتنتشلنا من حقول الصبار.
تقول جدتي إن نهر الحياة يجري غزيراً. أقول إن بعض الأنهار يغلبها الجفاف. تقول إن الخلاص في الحكاية. أجيب أنها قد تندحر أمام الحكايات المضادّة.
لكنها تحكي، وأنا أستمر في اللجوء إلى التواصل، أقذف فوق صفحاته صور الأطفال والشبان والشابات والعائلات التي يبيدها العدوان، أبحث في هذا العالم عمّن يتذكرنا فيذكرنا. طوق نجاة قد لا ينجح في إنقاذ أي منا.
قالت جدّتي إن الحكاية يجب أن تُكتب لأنها تخشى عليها من النسيان، إن عقولنا التي سيطرت عليها الشاشات صارت مبرمجة على ذاكرة قصيرة المدى.
أجيبها أنني لم أكتب منذ مواضيع الإنشاء في المدرسة، أي منذ ما يقرب من الخمس سنوات، لكن الفكرة تتسرب شيئاً فشيئاً إلى رأسي وأرى فيها خشبة أتمسك بها في بحر الضياع الذي يهدّد صحوتي كما أحلامي.
العالم ينقلب من حولي، موت الأطفال يبعثر كل اقتناعاتي، الوحشية تسدّد اللكمة تلو الأخرى لكل ما آمنت به. [...]
هل تستطيع الحكاية أن تمنحني الشعور بالسيطرة على شيء ما؟ أفتقد هذا الشعور بشدّة، كمن يفقد يداً ويظل يشعر بألم جراحها.
أشعر أن الطائرات المسيّرة هي التي تسيطر على حياتي، يحاصرني أزيزها المتواصل في النهار، وعندما أستيقظ في الليل وأنظر من النافذة، أشعر أنها تنظر إليّ مباشرة، تتحدّاني، تسخر مني.
تحكي جدّتي، تحيك حولي خيطان قصتها، تسحبني إليها، يختفي أزيز الطائرة المسيّرة وتضمحل رائحة الدخان القادمة من قلب بيروت.
«كم مرة مادت الأرض تحت أقدامنا!»
يومها مادت الأرض تحت أقدام أهل بيروت.
العام 140 قبل الميلاد
أنا ميريم من بيريت، ابنة التاجر أشمونهيل. أنهض مع الفجر، أصيخ السمع، ما يزال المنزل هادئاً.
لدي ساعة قبل أن يستيقظوا وتعمّ الفوضى مجدداً. تعبت قليلاً، أريد أن تنتهي الاحتفالات لأرحل برفقة كرمل إلى منزلنا الزوجي ونغلق الباب خلفنا.
سأقطف بنفسي من الحقل الزهرات المغلفة بالندى والتي ستزرعها مربيتي في جديلتيّ بعد أن تعقدهما في أعلى رأسي على شكل تاج ثمّ تلبسني الرداء الأرجواني الجميل الذي تعاونت كل خياطات المدينة ليكون بأبهى حلة، بينما تهتمّ أمي مع القريبات والخادمات بإعداد الطعام لاحتفال اليوم السابع.
أخرج على رؤوس أصابعي، تنسل أشعة الفجر الناعمة فوق وجهي فأرفع صلاة الصباح إلى الإله بعل بيريت محمّلة إياه بالأماني بحياة جديدة سعيدة.
حينها، لم أكن أعرف أنه في بعض الأيام، يغطّ في سبات عميق ويترك إله الموت يعبث بمخلوقاته.
* فصل من رواية تحمل العنوان نفسه للكاتبة فاتن المرّ، تصدر قريباً عن «دار الرافدين».
