الآثار بين فوضى السقوط وتدخّل إسرائيل: إنّهم ينهبون ذاكرة سوريا

قبل عشرين عاماً، فُتحت أبواب متحف العراق في بغداد للنهب عقب الغزو الأميركي، وغابت آلاف القطع التي تؤرّخ للحضارة الإنسانية الأولى. ما بدا وقتها فوضى كان في الواقع إستراتيجية لنسف ذاكرة العراق.
لم يتكرر المشهد في سوريا ليلة سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) عام 2024. إذ آثر موظفو المتحف والعاملون البقاء فيه وحراسته، ما جنّبه عمليات التخريب التي طالت عدداً من المؤسسات والمرافق العامة حينها.
تهريب وتنقيب غير مشروع
لكن في الأشهر الفائتة، رُصد عدد من الممارسات غير الشرعية المتعلقة بعمليات تنقيب وتهريب لقطع ومواقع أثرية، من قبل «أفراد يائسين وعصابات محلية»، مُستغلين حالة الفوضى وغياب السيطرة الأمنية على كل المواقع.
- ورغم وضوح التشريعات السورية الناظمة لحماية الآثار، إلّا أنّ الواقع الميداني يُظهر أن التنقيب غير المشروع ما يزال يتمدد، حتى في ظل إعادة تفعيل النصوص القانونية الرادعة. هذا ما تؤكده شهادات ناشطين وقانونيين في مجال التراث.
في هذا التحقيق رصد لواقع نهب الآثار السورية في ظل فوضى السقوط وتدخل قوى إقليمية، وسط ضعف تطبيق القانون، وانتشار عمليات التنقيب غير الشرعي. يستعرض التقرير الآثار المدمرة لهذه الظاهرة على التراث الثقافي الوطني، ويُبرز الحاجة الملحّة إلى تعزيز الحماية والتشريعات الفاعلة.
الجنوب... ذاكرة رومانية في مهب التهريب
أثناء البحث عن عمليات التنقيب غير الشرعي في عدد من المناطق السورية، تصدّر اسم منطقة «زاكية» الواقعة في الريف الجنوبي الغربي لدمشق، وهي واحدة من عشرات المواقع التي وثّقتها «جمعية أصدقاء المتاحف والمواقع الأثرية». تُظهر الصور التي زوّدنا بها مدير العلاقات العامة في الجمعية هادي ابراهيم بقايا حفر وردم في منطقة «زاكية »، التي عرف السكان المحليون فيها أهمية «كنز مدفون » بين حجارتهم السوداء منذ سنوات.
«إسرائيل» والأردن من الجهات الأكثر شيوعاً لتهريب الآثار
تحتضن المنطقة مقابر رومانية ويهودية. وبعد سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024، شهدت تلك المناطق التي كانت خاضعة للفرقتين السابعة والأولى ـــ أحد التشكيلات العسكرية في الجيش السوري السابق ـــ أعمال تنقيب شعبية عشوائية، وهي ليست جديدة أو طارئة، إذ حصلنا على شهادة مصدر عسكري ضمن الجيش السوري السابق، تحدّث عن أن هذه الحفريات تمّت أثناء الحرب أيضاً تحت حماية ميليشيات أمنية، سهّلت المهمة تحت غطاء تنفيذ إحدى شركات رجل الأعمال السوري وابن خال رئيس النظام السابق رامي مخلوف مشاريع كهربائية ضمن أراضي تتبع للفرقة السابعة في منطقة تعرف باسم «وعرات زاكية البركانية».
تبيّن في ما بعد أنّ هدف المشروع الحقيقي التغطية على أعمال حفر وتنقيب لا علاقة لها بخطوط التغذية الكهربائية. إذ يؤكد المصدر أنّ الدخول إلى بعض المواقع الأثرية بين عامَي 2016 – 2019 للقيام بأي أعمال كان يتطلب «موافقة أمنية من فرع سعسع في ريف دمشق»، وهي ورقة تُشرى بمبالغ تُراوح بين 10 و 15 مليون ليرة سورية مقابل كل كيلومتر في مقابل الدخول والسماح بأعمال الحفر.
صعوبة حصر الأضرار
في هذا السياق، برزت أسماء أفراد متورطين في التنقيب، من عائلات الفهاد وشودب من المنطقة، بالتنسيق مع تشكيلات سابقة في الجيش السوري المنحل.
ويصعب حصر وإحصاء عمليات التنقيب أو حجم الأضرار في الوقت الراهن لأنّ الأنشطة غير الشرعية هذه ما تزال مستمرة وهي أساساً ذات طابع سري، وما يظهر ويوثق منها لا يشكل إلا جزءاً صغيراً مما يحدث، إذ لا يمكن اليوم اعتبار أي موقع أثري في مأمن من عمليات التنقيب أو التخريب بحسب هادي إبراهيم.
- وحول ذلك يؤكد إبراهيم أنّ الجمعية تتابع منذ سنوات عمليات «التعدي على الآثار سواء عبر التنقيب غير الشرعي، التخريب، أو السرقة»، ويشير إلى أن الوضع ازداد سوءاً بعد سقوط النظام السابق، بما يتوافق مع ما جاء في تقرير مشروع أبحاث تهريب الآثار والأنثروبولوجيا التراثية ATHAR أخيراً. وما يُوثّق حالياً «ليس إلا جزءاً صغيراً مما يحدث فعلياً من عمليات تنقيب غير رسمية».
وإضافة إلى «زاكية» في ريف دمشق، وثقت الجمعية عمليات تنقيب غير مشروع في عمريت الفينيقية في طرطوس، وتل سكا وتل فرزات قرب دمشق، وتل الشيخ علي في سلمية، إضافة إلى تدمر، حيث تعرّض مدفن الإخوة الثلاثة الشهير لمحاولة نبش ألحقت أضراراً بالتابوت الحجري داخله.
إسرائيل لا تفوّت الفرصة
في شباط (فبراير) الماضي، بالتوازي مع زيارة وفد من اليهود السوريين مواقع تاريخية وثقافية في دمشق، توغلت قوات إسرائيلية خاصة بشكل علني برفقة عاملين مدنيين إلى قريتي «بريقه» و «بئر العجم» في القطاع الشمالي من القنيطرة، مزوّدين بأجهزة هندسية وسط أحاديث عن نقل الوفد بعد الانتهاء من أعماله لقطع أثرية من الموقعين.
وترافق التوغل مع طلب ضباط إسرائيليين مقابلة هيئات رسمية في القريتين بذريعة عرض تقديم المساعدات لسكان البلدة.
المنطقة التي شهدت عملية التوغل السابقة تقع على خط فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل، ويُعتقد أنها غنية بالآثار القديمة غير المكتشفة، والتحرك الإسرائيلي ضمنها جاء متزامناً مع نشاط جديد لعصابات التنقيب في الجنوب السوري.
مَن هو كلينتون؟
وكان تقرير مشروع ATHAR قد حدّد «إسرائيل » والأردن كواحدة من الجهات الأكثر شيوعاً لتهريب الآثار السورية، بسبب الحدود الطويلة والسهولة النسبية في عمليات التهريب مع ضعف السيطرة الأمنية هناك، إضافة إلى تركيا حيث كثرت المنافذ غير الرسمية معها، ما جعلها بوابةً رئيسيةً لشحن القطع المسروقة إلى دول أخرى، فيما تراجع لبنان كجهة تهريب بعد سقوط النظام السابق نتيجة تشديد الإجراءات على الحدود وتغيّر خريطة النفوذ بسبب التوترات الأخيرة، وفقاً لما أفاد به أحد المهربين لنا.
وقد أكدّ أن الأمر يقتصر حالياً على عمليات تهريب فردية لقطع صغيرة سهلة النقل، إضافة إلى أسلحة فردية حصل عليها السوريون فجر سقوط نظام بشار الأسد بعد رمي عناصر الجيش السوري السابق أسلحتهم وملابسهم العسكرية في الشوارع.
وتتقاطع هذه الفوضى مع ظهور اسم محمد ماجد الخطيب، الملقب بـ «كلينتون»، كأحد أبرز المتورطين في عمليات التنقيب والتهريب في «بريقة» و«بئر العجم» في سنوات الحرب. وكان الخطيب من بلدة «كناكر» في ريف دمشق يتزعم فصيل «ألوية الفرقان» الذي يعدّ ذراعاً أخرى لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان».
وغادر «كلينتون» إلى «إسرائيل» في عملية أشرفت عليها «الخوذ البيضاء»، بعد رفضه الدخول في تسوية مع الجيش السوري السّابق. وانتقل لاحقاً إلى الأردن عام 2018، ثم عاد إلى سوريا بعد سقوط النظام.
لكن بسبب قربه من زهران علوش، أحد خصوم الشرع السابقين لم يحصل على ترحيب بعد عودته. ولا يُعرف اليوم ما إذا كان قد استأنف أنشطته في التهريب بين الأردن وسوريا، أم جرى تجميد أنشطته.
وكانت سوريا تقدمت رسمياً في آذار (مارس) 2018، بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي تتهم فيها إسرائيل بالتورط، بالتعاون مع أجهزة استخبارات تركية وجماعات مسلّحة، في نهب كنيس «إلياهو هانافي» المعروف بـ «كنيس جوبر»، الواقع في أحد أحياء دمشق الشرقية. ووفقاً للرواية السورية، فقد هُرِّبت مخطوطات توراتية وقطع أثرية نادرة إلى تركيا ومنها إلى نيويورك، في عملية تهريب احترافية، جرى فيها تقييم القطع على يد خبراء آثار أتراك قبل تصديرها إلى الغرب.
فايسبوك وسيط السوريين للتنقيب
رغم حظر شركة «ميتا» بيع الآثار على منصتها فايسبوك منذ عام 2020، تكشف تقارير متعددة عن استمرار هذا النشاط بوتيرة غير مسبوقة. أشار تقرير حديث لـ The Guardian البريطانية (8 حزيران/ يونيو 2025) إلى أنّ ثلث حالات تهريب الآثار السورية التي وثّقها مشروع ATHAR منذ عام 2012 وقعت فقط في الأشهر الستة الأخيرة، أي منذ سقوط نظام بشار الأسد.
-
في مجموعات مغلقة على فايسبوك، يعرض أفراد ومجموعات قطعاً وعملات أثرية للبيع
في مجموعات مغلقة على فايسبوك، يعرض أفراد ومجموعات قطعاً وعملات أثرية للبيع، بعضها يُنقل مباشرة من مواقع أثرية مثل تدمر، كما تُظهر فيديوهات نشرها مشروع أبحاث تهريب الآثار والأنثروبولوجيا التراثية (ATHAR)، الذي يحقق في الأسواق السوداء للآثار عبر الإنترنت.
في ظل هيمنة السوق السوداء، من المهم إبراز أن القانون السوري يتيح للمواطن الذي يعثر على قطعة أثرية خياراً آمناً «في حال إبلاغ المديرية خلال 24 ساعة، يُعفى من العقوبة إذا بادر بالتسليم، ويحق له مكافأة مالية تُقدّرها لجنة مختصة». لكن في الواقع، يختار كثيرون البيع بدل التسليم، في ظل غياب مؤسسات تحفيز أو ضمانات جدية.
وخلال مدة الحرب، ازدادت عمليات التنقيب غير المشروع، خصوصاً في مناطق النزاع. مع ذلك، وُثِّقت حالات محاسبة قانونية من قبل السلطات في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السابق، منها ضبط شبكات تنقيب غير شرعي في مناطق عدة، حيث تمت إحالة الفاعلين إلى القضاء المختص وفقاً لأحكام القانون.
وقد نُفذت أحكام قضائية في بعض هذه القضايا، بحسب أيمن سليمان، الاختصاصي في تشريعات حماية التراث الثقافي. أكد سليمان لنا أنّه سبق أن تمت استعادة بعض القطع الأثرية عبر التعاون مع دول مثل لبنان، بمبادرة من السلطات الثقافية اللبنانية ولوجود تعاون ثقافي في هذا المجال.
طلعوا؟ لا ما طلعوا؟ الله حيّو!
«طلعوا؟.. لا ما طلعوا؟.. الله حيّو! » مَن ينسى هذه العبارات التي قالها المواطن والموظف الحكومي «الفقير» سعيد النايحة، الذي أدى دوره النجم أيمن زيدان في مسلسل «بطل من هذا الزمان » لهشام شربتجي؟
كان يصيح لصاحبه وزميله في «التعتير والتنقيب»، متسائلاً عما إذا قد تمكّن من الوصول إلى جرة ذهب تنقذهما من ديونهما.
وربما تعكس هذه العبارة واقعاً يعايشه كثير من العائلات السورية اليوم، التي لم تعد ترى مخرجاً سوى البحث في كنوز الأرض بعدما يئست من الحصول على كفايتها من فوقها.
تعرض مجموعات مغلقة على فايسبوك قطعاً للبيع، وبعضها يُنقل مباشرة من مواقع أثرية مثل تدمر
أشار تقرير «الغارديان » السابق إلى الحالة «الهستيرية » التي يعيشها المجتمع السوري، حيث أصبحت المتاجرة بالآثار والبحث عنها أمراً علنياً.
وبعد سنوات من ورود أخبار في النشرات الرئيسية على القناة الرسمية عن اكتشاف قطع أثرية أو «جراري ذهب» في منازل السوريين، واعتبار من يمنحها للدولة بطلاً، تحول الناس إلى تداول فيديو يوثق قيام صنّاع محتوى بعمليات تنقيب داخل منزل قديم في درعا، بموافقة صاحبه، مستخدمين أجهزة كشف معادن برعاية شركة راعية. وقد أثار المقطع موجة غضب وشكوكاً حول دور السلطات، خصوصاً بعد عرضهم عملات يُعتقد أنها أثرية.
يمكن اليوم بسهولة الوصول إلى وسطاء لبيع أجهزة الكشف عن الذهب والمعادن عبر إعلانات منتشرة على فايسبوك، مع أرقام للطلب والتوصيل داخل وخارج سوريا.
-
محادثة مع أحد تجار بيع أجهزة التنقيب في دمشق
وتعد هذه التجارة من الأنشطة الرائجة حالياً، وذات الدخل العالي، إذ تراوح أسعار الأجهزة بين 500 و7000 دولار. وتصل كلفة استئجار الجهاز إلى 200 دولار للطلعة الواحدة أي لعملية كشف في موقع واحد.
في صفحة تحمل اسم «أجهزة كشف الذهب والمعادن بالقرب من مشفى الرازي»، التي تضم أكثر من 5 آلاف متابع، تُعرض خيارات واسعة لأجهزة الكشف مع مقاطع فيديو مرفقة بصوت الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وهو يتحدث عن استعادة سوريا لأهلها بعدما كانت مصدر إزعاج للعالم، ما يعكس أنّ المروّجين يعتبرون عملهم طبيعياً ومن حقهم.
وأثناء البحث عن حسابات تبيع هذه الأجهزة، تمّ التواصل مع أحد العاملين في إحدى الشركات التي تعرّف عن نفسها باسم «المجموعة السورية للتكنولوجيا».
وعبر تسجيلات صوتية على واتساب، أكّد لنا أنّ الشركة مرخصة وتعمل بشكل علني في منطقة المزة في دمشق، وتقدم استشارات هندسية إلى جانب بيع الأجهزة المستوردة من الولايات المتحدة الأميركية وتركيا وأستراليا، والمجمركة أصولاً.
وجهة نظر قانونية
وعند سؤال المحامي عز الدين شمدين حول الموضوع، أوضح أن القانون السوري يعتبر استخدام هذه الأجهزة لأغراض التنقيب مخالفاً للقانون، وبالتالي فإن اقتناء أو بيع أو استخدام هذه الأجهزة لأغراض البحث عن الآثار يُعد جريمة يعاقب عليها قانون الآثار. وأضاف أنّ هناك حاجة إلى تشريع تعليمات تنظيمية أو نصوص قانونية صريحة تُقيّد بيع واستيراد هذه الأجهزة بهدف منع استخدامها في التنقيب غير المشروع.
العبرة في التطبيق
رغم أن القانون السوري ينظّم بصرامة عمليات التنقيب عن الآثار بموجب المرسوم التشريعي الرقم 222 لعام 1963، إلا أنّ تطبيقه يبدو معطلاً.
يقول المحامي أيمن سليمان: «لا يجيز القانون السوري إطلاقاً لأي فرد أو جهة خاصة القيام بالتنقيب عن الآثار أو الترويج له، سواء عبر الوسائل الإلكترونية أو بشكل مباشر». وتعتبر «المديرية العامة للآثار والمتاحف» الجهة الوحيدة المخوّلة بذلك، مع استثناء وحيد لبعثات علمية تحت إشرافها.
- ومع هذا الحصر القانوني، ت
نتشر على منصات التواصل مقاطع ترويجية علنية لعمليات تنقيب «هاوية» أو «تراثية».
- ويعرّف القانون السوري التنقيب غير المشروع بأنّه «كل من أجرى تنقيباً عن الآثار بدون ترخيص أو خالف شروط الترخيص» (المادة 56)، ويعاقب مرتكبها «بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وبغرامة مالية، مع مصادرة الأدوات والقطع المكتشفة».
- لكن هذه العقوبات، كما يُشير سليمان، «لا تكفي في ظل التضخم وانهيار البنية القضائية، ما يُظهر خللًا في الردع ». لا يعفي سليمان القانون من المسؤولية، إذ يشير إلى ثغرات بنيوية فيه أبرزها «ضعف العقوبات، عدم وجود نصوص تنظم التجارة الإلكترونية، غياب حماية خاصة للآثار في النزاعات المسلحة، والحاجة إلى تعديل القانون ليتوافق مع الاتفاقيات الدولية الحديثة».
يتقاطع رأي الحقوقيين مع شهادات الباحثين الميدانيين، ليظهر أن حماية التراث في سوريا لم تعد مسألة قانونية فقط، بل أصبحت قضية أمن ووعي وعدالة، غائبة أو مغيّبة عن الجنوب منذ سنوات.
في هذا الإطار، تسعى «المديرية العامة للآثار والمتاحف» في سوريا إلى تقييم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية، وتنفيذ أعمال الصيانة، وتجهيز البنية التحتية اللازمة، تمهيداً لاستئناف عمليات التنقيب وفقاً لخطة منهجية حديثة، مع إعطاء أولوية للمناطق التي شهدت تجاوزات موثقة. إلا أنّ المديرية لم تقدم تقديرات دقيقة لحجم الخسائر.
في ظل هذا الواقع، لا يبدو أن أحداً يُبقي عينه على الأرض إلا ليحفر فيها. ولا تقتصر خسائر هذه الظاهرة على البُعد الثقافي فقط، بل تتعداها إلى البُعدين السيادي والاقتصادي؛ إذ يشكّل استمرار التعدي على الإرث الحضاري انتهاكاً للهوية الوطنية، ويكرّس حالة التفكك المؤسساتي في دولة ما بعد الصراع. وبينما تستمر عمليات التنقيب والتهريب في بعض المناطق، فإنّ غياب آلية وطنية شاملة لتوثيق الانتهاكات واستعادة ما نُهب، يضعف القدرة على أي مسار عدالة ترميميّة مستقبلي.






