ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

«آخر أيام محمد» تحت مجهر هالة الوردي

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

يُعيد «آخر أيام محمد» لهالة الوردي (منشورات الجمل) بناء الأيام الأخيرة للرسول عبر منهج تاريخي ونقدي، بهدف «انتزاعه من الأسطورة». تبدأ الباحثة التونسية بلغز تأخّر دفن الجثمان يومين، متحدّية الرواية التقليدية

محمد ناصر الدين
محمد ناصر الدين
السبت 5 تموز 2025
«آخر أيام محمد» تحت مجهر هالة الوردي
الخط

«نتطلع عبر سرد الأيام الأخيرة من حياة محمد، إلى اقتلاع الرجل من الأسطورة الملحمية ــ الدينية التي طُمر تحتها وإرجاعه إلى التاريخ، أي إلى «الزمن البشري».

ولنذكّر القارئ بأن النبي عاصر كلاً من فلافيوس أغسطس هرقل، إمبراطور بيزنطة، وداجوبيرت الأول، ملك الفرنج، والبابا بونيفاس الخام.

غير أننا نتبين أنّ الجذور التاريخية للإسلام ماضية في الغوص في رمال الدوغماتية المتحركة. فعلى ممر القرون، بدا أن انغلاق الإسلام على نفسه في «تمثل مطلق»، هو السبب اليوم في رفض هذا الدين «لتوافق مَنْطِقِه مع زمن الآخرين... ولما كانوا يرفضون النظر إلى أنفسهم إلا في المرآة المُجملة التي تقدمها لهم مصادرهم، يعتقد المسلمون بقدرتهم على اختزال تاريخهم بل ومستقبلهم في وهم الأزلية والمعصومية».

حظر ومنع عربيّان

عمل تحقيقي هائل هو أشبه بفتح بطن التاريخ الإسلامي المبكّر وإخضاعه لـ «عمليات تنظيرية» دقيقة هو ما تقوم به هالة الوردي في كتابها الإشكالي «آخر أيام محمد».

رحلة شاقة خاضتها الباحثة التونسية لإنجاز هذا المشروع الذي بدأت بكتابته بالفرنسية على مدى سنوات خمس (2011-2016). صدر من بعدها عن دار «ألبان ميشال» الفرنسية العريقة، ثم قوبل بموجة من الحظر والمنع والتوجس في بلدان عربية وإسلامية عدة مثل المغرب والسنغال، ليرسو أخيراً (2025) على طبعة «رسمية» من «منشورات الجمل» (الشارقة/ بغداد ــــ ترجمة نضال حمدان).

لماذا لم يُدفن يوم وافته المنية؟

تبدأ الوردي كتابها بما يشبه القنبلة: يمرّ يومان على وفاة النبي، وجثمانه لم يُدفن بعد. فلماذا لم يدفن نبي الإسلام يوم وافته المنية، وهو الذي أمر أتباعه بالإسراع في لَحد موتاهم؟

تتخذ المؤلفة من هذا السؤال الخطير مدخلاً لبدء تحقيقها التاريخي المكتوب بلغة أدبية، فتستنطق المصادر الإسلامية الرسمية التي عادة ما تكون ثرثارةً وعالمة بأدق تفاصيل النبي وصحابته. و«لكن عندما ننتظر منها تفسيراً للغموض الذي يحوم حول هذه اللحظة المفصلية، تصبح فجأة بكماء وفاقدة للذاكرة، وعلى امتداد يومين وربما أكثر، يفرغ مسرح التاريخ فجأة من الممثلين الكُثر.

وكما في المأساة الإغريقية القديمة، لا يبقى وسط الركح إلا جسد رجُل بل روح ممدّدة فوق سريره». تنطلق من بعدها في تحقيقها حول الأسابيع الأخيرة من حياة محمد، ومدة احتضاره، وحول الساعات الأولى التي تلت وفاته، ثم تفتح تساؤلات أخرى حول نهاية حياته المليئة بالغموض ومنها: لماذا مُنع النبي من كتابة وصيته قبل ثلاثة أيام على وفاته؟ وما كان تحديداً السبب في موته؟

إبراز التراجيديا في حياته

حاولت الوردي إبراز الطابع التراجيدي الذي ميّز نهاية حياة نبي العرب، ما يُضفي على الشخصية بُعداً جمالياً سامياً، يمكن مقارنته بأبطال المأساة الإغريقية. إذ كما يقول الفيلسوف آرثر شوبنهاور: «التراجيديا هي أسمى أشكال الشعر».

يبدو الاطلاع على المصادر الشيعية اكتشافاً لدى الوردي

لقد عانى محمد بلا شك في أشهره الأخيرة، ولم يكن ذلك فقط بفعل الألم الجسدي الذي تسبّب فيه مرضه القاتل، بل إنّ مراجعة كتب التراث تُظهر أن الرسول كان يعيش حالة من الانهيار النفسي، نتيجة أزمة سياسية عميقة كانت تهدد سلطته. فالعبقري الخارج من جزيرة العرب كان قبيل نهاية حياته، قد وحّد شبه الجزيرة العربية، وقلّل من اضطرابات القبائل، وبدأ مسيرة انتصاراته خارج أراضيه.

لكن الواقع أنّه قُبيل وفاته مباشرة، تعرّض لهزيمتين على يد جيوش الإمبراطورية البيزنطية المسيحية، كما اضطرّ إلى مواجهة ظهور ما عُرف بـ«الأنبياء الكذبة» الذين دعوا القبائل إلى التمرّد والانقسام.

إلى ذلك، أضيفت المأساة الشخصية المتمثّلة في فقدانه لابنه إبراهيم، الذي رحل قبل أشهر قليلة من وفاته. وقد عبّر النبيّ نفسه عن هذا البُعد التراجيدي بكلمات مليئة بالحزن، يدعو فيها الملاك جبريل أن يأخذه إلى «الرفيق الأعلى». وفي مشهدٍ ليليّ مسرحيّ الطابع شبيه بهاملت، يُروى أنه قام بزيارة إلى مقبرة المدينة في جنح الظلام، وتوجّه إلى الموتى قائلاً إنهم في حال أفضل من الأحياء في دنياهم التي «تلوح فيها الفتن كقطع من الليل المظلم».

الاستعانة بـ «أرشيف المعارضة»

لمحاولة استكشاف الأيام الأخيرة من حياة النبي، والعثور على أجوبة لهذه الأسئلة القلقة التي انحصر تداولها بين «خاصة الخاصة» من مدوّني سيرة نبي الإسلام داخل أروقة المؤسسة السنية الرسمية، لجأت الوردي إلى «أرشيف المعارضة»، أي المصادر الشيعية التي تذكر تفاصيل الأيام التراجيدية للنبي منذ الحجة الأخيرة في غدير خم، والرغبة المعلنة للنبي ـــ بحسب هذه المصادر ـــ في إرساء مبادئ خلافة لا تقوم على أسس إمبراطورية، بل على صورة المرشد الروحي للأمة الناشئة. وهو ما التقطه الشيعة عبر فرضهم لصورة «الإمامة» كامتداد للنبوة. وهي خلافة ــــ بحسب الوردي ـــــ أراد النبي أن يختلط فيها رباط الروحانية والدم في أولاد فاطمة، الحسن والحسين بعد مرورها بعلي بن أبي طالب، صهر النبي وأحد أكبر حوارييه ومريديه.

وبذلك، يخلق العالم الشيعي «الأفاتار» أو التجلي الروحي السلالي المتمثل في الإمام، مقابل الأفاتار السني السياسي المتمثل في الخليفة، والذي بدا في الأيام الأولى من وفاة النبي، في سقيفة بني ساعدة، كأنّه تركيبة اختُرعَت على عجل.

يبدو الاطلاع على المصادر الشيعية اكتشافاً لدى الوردي. فالمدرسة التونسية في دراسة النص القرآني والتاريخ والمتأثرة بالمدرسة الاستشراقية في برودتها المنهجية وعدم انحيازها إلى فريق أو مكوّن على حساب آخر، فتحت ثغرة للاطلاع على الأدبيات الشيعية، ولا سيما «رزية الخميس» وأمنية النبي بكتابة وصية أخيرة، وهو ما جوبه برفض قاطع من أحد كبار صحابته: «إن رسول الله يهجر».

محاولتا اغتيال وإشكاليات معقّدة

ليست هذه الحادثة الوحيدة التي يظهر فيها النبيّ وهو على فراش الموت محاطاً بمضايقات من المقرّبين منه، وتكمن الصدمة الكبرى في أخبار عن محاولتي اغتيال للنبي في أواخر حياته تدعمها المصادر السنية، بما يدعم أحاديث الشيعة حول المظلومية والشهادة («ليس منّا إلا مسموم أو مقتول»).

لكن من الإجحاف اختصار الكتاب برحلة ذهاب وإياب بين المرويات الشيعية والسنية، ذلك أنّ مطابقة رواية الأحداث المشتتة وإعطائها شكلاً سردياً متسلسلاً هو المستوى السطحي الأول في الكتاب الذي ما يلبث أن يتجاوزها نحو إشكاليات في منتهى التعقيد، أولها تفكيك الصورة الأسطورية لما يُسمّى بـ«العصر الذهبي» للإسلام، والسلف الصالح الذين يتّخذهم المتزمتون اليوم نموذجاً دينياً مطلقاً، عبر تقصّي مخطط صاحبَي النبي (الخليفة الأول والثاني) خلال احتضاره والساعات التالية لوفاته للسيطرة على السلطة، وتخلفهما عن سرية أسامة بن زيد لاعتقادهما بوجود مناورة تُخلي المدينة من المنافسين لصهر النبي وتمهّد الظروف لتنصيبه خليفة على المسلمين.

الإشكالية الثانية هي الجدلية القائمة بين بشرية النبي الذي يصوّره القرآن في جانبه الإنساني بـ «إنما أنا بشر مثلكم» و«رجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق»، والصورة الفظيعة لجثمان الرسول المهمل من قبل أقرب المقربين إليه.

وفقاً للوردي، ستسيطر هذه الصورة على اللاوعي الجماعي للمسلمين، أو على عقلهم الباطني، ليتحوّل النبي في نوع من التكفير عن ذنب إهمال جثمانه إلى فكرة مجرّدة تصمد أمام كل محاولات التجسيد.

ومن هنا، أثارت الرسوم الكاريكاتورية حفيظة المسلمين بشكل كبير، «ففي عصرنا هذا الذي تهيمن الصورة عليه، لم يعد رفض الأيقونات في الإسلام حُكماً بالياً فقط، بل مؤشراً واضحاً على مفارقة تاريخية يجسد بعدها المأساوي رد الفعل العنيف على تلك الرسوم الكاريكاتورية».

نفوذ المرأة في الإسلام

الإشكالية الثالثة التي لا تقل أهمية، تتعلق بنفوذ المرأة في الإسلام، والحضور الأنثوي الطاغي للنساء في مفاصل الحكم والقرار في حياة النبي، إذ إنّ خلفاءه الراشدين الأربعة تظللهن «نساء قويات»: تُظهر المرويات بوضوح أنّ الخليفتين المرتقبين، وبمساعدة ابنتيهما – عائشة وحفصة، زوجتا النبي– قد نسجا حول الرجل المحتضر شبكة دقيقة لضمان ألا يفلت السلطة من أيديه.

كما ارتبط الخليفتان اللاحقان، عثمان وعلي مع النبي بعلاقة مصاهرة، وستلعب زوجة الأخير دوراً كبيراً في معارضة الخليفة الأول وإظهار مظلوميتها بمطالبتها بإرث مادي من أبيها (أرض فدك)، وهو ما سيقابل بعنف شديد من الخليفة الثاني بحسب المرويات الشيعية.

الأخروي مقابل الدنيوي

الإشكالية الأخيرة التي تُعيد فيها الوردي الاعتبار للخليفتين الأول والثاني هي اللعب على ثنائية الاسكاتولوجي (الأخروي) مقابل السياسي (الدنيوي): تبرز الكثير من المصادر الإسلامية الطابع الإسكاتولوجي لرسالة النبي، الذي أعلن أنه بُعث لينذر باقتراب نهاية العالم.

وبعد وفاته، أصيب بعض أتباعه بالذعر، معتقدين أنّ القيامة وشيكة. لكن بما أن النهاية لم تحدث، كان لا بد من التصرّف، وإلا فإن وعود الإسلام الذي بُني على التبشير بنهاية العالم، ورسالة النبي، كان يمكن أن تفقد مصداقيتها.

باختصار، مع وفاة محمد، كان أتباعه أمام لحظة تأسيسية لدينٍ وجد نفسه من دون نبيّه، في مواجهة اختبار بقائه الذاتي. بعد زوال سلطة المعلم المؤسس، كان على الإسلام إما أن يعيد اختراع نفسه، أو ربما حتى يبتكر ذاته من جديد.

الدور الحاسم لأبي بكر وعمر

هنا، يمكن قياس الدور الحاسم لكل من أبي بكر وعمر، فبإنشائهما نظام الخلافة الذي استمر لقرون، قدّما للإسلام مستقبلاً بعدما كان، في بدايته، عقيدةً تتمحور حول نهاية الزمان.

عمل مهمّ لأستاذة الأدب المشاكسة في جامعة تونس، التي دائماً ما خاضت معارك لا هوادة فيها ضد الجهل كما رأينا في مشروعها المعرفي في «الخلفاء الملعونون» و«الذين لم يولدوا بعد».

وفقاً للوردي، يجهِّل غالبيّة المسلمين السياق التاريخي الذي نشأ فيه الإسلام، ما يدفعهم إلى مثالية زائفة لمدة الخلافة التي أعقبت وفاة النبي محمد... بكل الانحرافات المعاصرة التي نعرفها اليوم. تبرع في تشريح اللحظة التي تحول فيها الدين من ممارسة روحانية وعبادية إلى مؤسسة سياسية وُلدت في ظل التنافس والعنف.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك