علي حرب... «إلى أين»؟
في كانون الثاني (يناير) هذا العام، صدر كتاب للمؤلف علي حرب بعنوان «الأمميّة الشيعية إلى أين؟ كلمات تصنع الانهيار الحضاري» (الدار العربية للعلوم ناشرون).


في كانون الثاني (يناير) هذا العام، صدر كتاب للمؤلف علي حرب بعنوان «الأمميّة الشيعية إلى أين؟ كلمات تصنع الانهيار الحضاري» (الدار العربية للعلوم ناشرون). وبصدوره، يكون قد مرّ على كتابه «أوهام النخبة» حوالى 25 عاماً، أي ربع قرن من الوصايا والتنبيهات لمآزق المثقفين والعرب منهم على وجه الخصوص.
بانوراما مفصومة عن الواقع
يقدّم علي حرب بانوراما مفصومة عن الواقع الحقيقي، ينسبها إلى الوضع الشيعي الأممي مستخدماً تعابير كالخديعة، والخراب، والوصاية، وغيرها من المصطلحات التي تنتمي عادةً إلى خطاب التحامل الشخصي والفئوي وليس للبحث الفكري والفلسفي.
فالخطاب المنتهج في الكتيب يحتاج إلى مراجعة في أصل النهج التفكيري الذي اعتمده صاحبه والذي يفتقر إلى التحليل الموضوعي وتقديم المصادر والوثائق التي اعتمد عليها في تحليله، لما يفتقده من موقف أخلاقي للمفكر ومقاربة واقعية تعدّ بمنزلة الشيفرة بين فلاسفة ومفكري العالم.
لكن بعيداً من منهجية الخطاب الذي لم نجد له مدرسة فلسفية ينتمي إليها، فحرب يخرق في هذا العمل كل جبهاته الفكرية التي شيّدها عند نقده المثقف لعقود خلت. في كتابه «الممنوع والممتنع»، أراد أن يُخرج المثقف من جبهة الممنوع من السلطة إلى الممتنع عن التفكير الداخلي والذهني، بل إلى خرق القوالب الفكرية.
وأوصى في «أوهام النخبة» بهجر أمراض كنا نظنّ أنّه في مأمن منها، لكن يبدو أنّها نالت من كاتبنا واستقرت، كوهم الاصطياد بالخطابة الذي صار حرب ضحيته بعدما نبّه من الوقوع فيه مراراً، والتشويهات النسقية التي تفوق سوءاً عمليات اجتزاء النص من السياق، لنفاجأ بأنها صارت ديدنه والترنيمة التي تسبق نتائجها مقدماتها.
يهمل مفهوم التحول والتكيف في الأممية الشيعية
أما وهم تنصيب المثقف نفسه وصياً على الجمهور، والوحيد الذي يمتلك الحقيقة، فهذا في عُرف حرب تسلّط رمزي يوحي بفشل فكري أصاب المثقف فأصبح بلا مشروع عملي سوى أنّه حارس لأفكاره وشرطي لها، كما يذكر في كتابه. والصدمة أنّ هذا ما يطبّقه حرب في أدنى مستوياته في كتيّبه موضوع المقال.
إهمال تحوّل الأممية الشيعية
يهمل حرب مفهوم التحول والتكيف في الأممية الشيعية، وأنّ الخطاب قد تحول إلى قوة ردع حقيقية تثبّته مراكز الفكر في تقاريرها البحثية على امتداد جغرافية العالم، ويوكده سلوك القوى العظمى.
وهذا ليس وليد الظروف الراهنة، بل ثمرة عقود من الجهود كما الاعترافات، وهو انتقال مؤثّر لم يأخذه حرب في الحسبان، أو يدرسه ويتعرّف إليه على الأقل.
فحرب يقرأ المجتمع الشيعي قراءة أحادية (وإن كان العمل من أوله لآخره لا ينبئ بفعل قراءة) معتبراً إياه كارثة، بينما ما ينعكس على لسان الأعداء والخصوم قبل الحلفاء أنّ بعضاً من التوازن العسكري قد أمّن استقراراً وردعاً لمشروع إسرائيل الكبرى عشرات السنين على أرض لبنان أولاً وفي المنطقة ثانياً.
صمت عن جرائم إسرائيل
إنّ نصوص المفكرين على تنوع مشاربهم تصبح ملك القارئ يطبّق فيها تأويلاته كما يؤكد حرب في مؤلفاته. إلا أنّنا هنا أمام خطاب لا يتوافر فيه ما يمكن أن يصمد أمام صيرورة التاريخ وطبيعته. فأين الكتاب من كاتب «نقد الحقيقة» و«نقد النص»، و«الممنوع والممتنع» وغيرها من الكتب التي تخلّدت نصوصها في المكتبة العلمية على امتداد الساحة الفكرية في الوطن العربي، وحفرت في أدمغة الطلاب ممراتٍ للعشق النقدي والتحليل الفلسفي؟
للأسف، فإنّ صاحب الكتاب سقط في وهم شعاراته التي كان ينبّه منها وافتقر إلى كلّ ما كان يوصي به مفكّرو اليوم ومحلّلو الحدث الراهن.
أما المفاجأة الأعظم والأسف الكبير فهو صمت حرب غير المبرّر عن جرائم الكيان الصهيوني، وعدم الوقوف على تحليلها حتى السطحي منها أو تحليل الواقف على التلّ، فهو عندما يدين الأمميّة الشيعية لا تجد منه إدانةً رمزية لحرب الإبادة في غزة، بعيداً من الغمز في مشروعيتها.
كما لم يذكر مجازر ومآسي الزمن القريب كقانا وغيرها من مجازر ارتكبها العدو على امتداد الأراضي اللبنانية منذ نشأة الكيان الصهيوني.
أمر يترك انطباعاً منفراً لانتقاد غير محمود على المستوى الفكري يتجسد في جهة من دون الإشارة إلى الجهة الأخرى، ما يعكس تحاملاً ضمنياً على الضحية. وهذا يعكس عقدة نفسية كما يقول أهل الاختصاص.
موقف المثقف الأخلاقي
في غياب الموقف الأخلاقي للمثقف صاحب الكتاب، يغيب المعنى الحقيقي للمثقف بكل أشكاله، وتتلاشى حمولة منشئها الذي أسّس لها كبار المثقفين والأدباء الذين وقفوا في وجه السلطات، مدافعين عن قضايا شعوبهم المحقة منذ إميل زولا في رسالته لرئيس جمهورية فرنسا بعنوان «إني اتهم» والتي دفع حياته ثمناً لها.
وأخيراً وليس آخراً مع اختزال خطاب الأممية إلى هراء شعاراتي لا يرتقي إلى أدنى قواعد التحليل الفكري والسياسي ولا يتساوى مع مناقشات العدالة الأخلاقية، بل لا يعدو مقدّمات لنشرات أخبار على شاشات الإعلام الصهيوخليجي، ما يعكس قصوراً معرفياً قد نجد له سبباً وإن عرضياً كالترهل الذهني، لكن ما السبب الوجيه لهذا القصور الأخلاقي تجاه قضية الأممية الشيعية التي غدت الحجّة الأخلاقية على جميع الأمم، والمثقفين منهم على وجه الخصوص؟
لكن لا ضير، وهو الذي أسرّ لي عام 2016 عند صدور كتابي «نقد المثقف المعاصر» أنّنا نحن الفلاسفة عندما نتدخل في السياسة نخطئ، مع أنّ لي في هذا التصريح رأياً آخر.
في كتابه الذهبي «أوهام النخبة»، وضع حرب المثقفين على قارعة الشارع عراة بلا أقنعة أو حتى بلا رجاء ليطلق الرصاص عليهم، وها هو الآن يضع منظومته الفكرية في المصير عينه وبكل إنصاف، ومن دون أي قناع ليطلق عليها رصاصة الرحمة والعدالة.
