
تُضمِر المقاربة المعقودة بين الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل والسياسي اليميني إريك زيمور، المنشورةِ في موقع La revue philosophique، دعوةً إلى الانحياز نحو فايل، وفي المقابل، إلى التعاطي مع ترّهات إريك زيمور الشعبوية كطرحٍ سلطويٍّ حديديٍّ مستبد.
تحت عنوان «زيمور ضد فايل: الكنيسة كمؤسسة، والمسيح كضرورة»، وضعت مجلة La revue philosophique وجهين نقيضين أمام بعضهما: إريك زيمور، اليميني المتطرف، الذي صرّح عام 2018 بأنه «مع الكنيسة وضد المسيح»، في مقابل سيمون فايل، الفيلسوفة الوجودية المسيحية التي انحازت إلى البروليتاريا والمهمّشين، ورفضت الانتماء إلى الكنيسة لأنها رأت أنّ الانتماء المؤسّسي يقيّد «حرية الروح».
عالم مهجوس بالهويات القاتلة
تبدو المقاربة بين هذين الوجهين شديدةَ الراهنية، خصوصاً ونحن نعيش في عالمٍ مهجوسٍ بنزعةِ الهويات القاتلة؛ وحيث تجد الإبادةُ الغزّيةُ أصداءَها عند مهندسي هذه «الهويات» الذين يريدون القضاء على كل «آخر» غير «متجانس» مع معاييرهم «الحضارية»، فيما الأصواتُ الأخرى التي تنظر إلى العالم بوصفه مكاناً مأهولاً للعيش، وتنظّر له، هي إما خافتة أو تتعرض للقتل أو للمعاقبة.
الكنيسة الكاثوليكية حصنٌ يحمي أوروبا من «هجرة» المسلمين وفقاً لزيمور
وفي حين ينتمي إريك زيمور إلى الخانة الأولى، نجد أنّ سيمون فايل هي واحدة من هؤلاء الذين قالوا «لا» بوجه الأيديولوجيات الشمولية، نقديةٌ إلى أبعد حدود، رأت في حبّ الضعيف والمهمّش طريقاً نحو جوهر العدالة، وشرطاً أساسياً لعالمٍ أفضل.
إريك زيمور: مع الكنيسة ضد المسيح
المقالة المنشورة في La revue philosophique تطرح أبرز التباينات بين كلٍّ من زيمور وفايل.
يميّز إريك زيمور بين المؤسسة الكاثوليكية التي يربطها بالنظام والتقاليد الفرنسية، وبين الرسالة المسيحية، وبالأحرى بين المسيحية بذاتها، أي المسيحية كجوهر، لا كمؤسسة كنسية. فالمحبّة التي نادت بها المسيحية، على سبيل المثال، غير مناسبةٍ لقيم زيمور السياسية.
ما يهمه من المسيحية هو «الهوية» باعتبارها ركناً من أركان «الحضارة» الأوروبية. هو مدافعٌ شرسٌ عن الكنيسة لأنه يرى في دفاعه عنها دفاعاً عن «الهوية الوطنية».
بالنسبة إلى إريك زيمور، إنّ الكنيسة الكاثوليكية صرحٌ أوروبيّ، ليست معلماً «ثقافيّاً» فقط، بل حصنٌ يحمي أوروبا من «هجرة» المسلمين. مع زيمور، الكنيسة هي «البيت» لأوروبا، غير أنّ هذا «البيت» خالٍ من الأبعاد الروحية.
هكذا، ينزع زيمور المسيحَ عن «المسيحية»، يجرّد إذاً الجوهرَ ويبقي على الحجر؛ الدين، بالنسبة إليه، عَصَبٌ هوياتيّ، لا تسامح فيه، ولا مُطلق، ولا محبّة، وهو بذلك يفرّق أكثر ممّا يجمع. المسيحية عند زيمور مؤسسةٌ إذاً، وأوروبا بحاجة ماسّة إلى هذه المؤسسة.
يغدو الدين عند زيمور، كما وصف كاتب المقالة، «أداةَ إقصاءٍ، منحرفاً عن رسالته الأخلاقية والروحية».
سيمون فايل: الخير هو المصدر الوحيد للمُقدّس
تقف سيمون فايل على النقيض من طرح زيمور. ليس من مقدّسٍ عند فايل إلا الخير، وما يتأتى عنه. والخير، عند فايل، هو ما ينظر إليه زيمور على أنه شرٌّ.
تدعو سيمون فايل إلى تفكيرٍ كونيٍّ متحرّر، وإلى مسيحيةٍ «أممية». في كتابها «الجاذبية والنعمة»، استخدمت فايل «قانون الجاذبية» كاستعارة لوصف علاقات القوى داخل العالم الإنساني. هيمنة القويّ هي شكلٌ من أشكال «قانون الجاذبية»، إلا أنها رأت أنّ الخروج عن هذا النظام وتحطيمه مقرونٌ بتلقّي «النعمة».
هذا المفهوم الذي حاكته، يشكّل وحده خروجاً عن «قانون الجاذبية»، أي نظام الهيمنة، على أنّ «النعمة»، وفقاً لفايل، تنبثق من الله وتُختبر عبر المكابدة والشقاء.
إنّ المسيح، بالنسبة إلى فايل، ضرورةٌ حتميةٌ إذاً، والمسيحية، بالنسبة إليها، ليست الكنيسةَ ولا التقليدَ الكنسيّ، بل هي دربُ الجلجلة التي مشى عليها المسيح. المسيحية عند فايل تجريدٌ جذريٌّ للذات، وانتباهٌ إلى الآخر، حيث الانتباه (وهو مفهومٌ فلسفيّ اجترحته) هو أعلى درجات الفكر الإنساني، وأرقى أشكال الحب.
الدين فقاعة هوياتيّة
تقدّم سيمون فايل رؤيةً نقديةً حيال تحويل الدين إلى فقاعةٍ هوياتيةٍ، تحوي بداخلها من يعتقدون أنهم «مختلفون» عن الآخرين.
على النقيض منها، لا يكفّ إريك زيمور عن التعاطي مع المسيحية بوصفها «ثقافةً» اجتماعية؛ شيئاً من الانعزالية، مخلوطاً بحنينٍ عارمٍ إلى السلطة التي كانت للكنيسة قبل الثورة الفرنسية.
وفي حين يذكّرنا كاتبُ المقال في La revue philosophique بتصريح أورده زيمور عام 2023: «كل ثقافتي مستمدة من المسيحية» فهو يذكّرنا أيضاً برسالةٍ كتبتها فايل إلى الأب بيرين عام 1942، توضح له فيها عدمَ رغبتها في إتمام طقس المعمودية، لأنها ترفض أن تكون المعموديةُ «إخلاصاً لحقيقةٍ تتجاوز كلّ المؤسسات».
وحيثما نعيش وسط عالمٍ محكومٍ بالمؤسسات المستبدّة، فإننا في أمسّ الحاجة إلى صوت سيمون فايل، حتى نستطيع مواجهة إريك زيمور وزمرته.

