
في «حرب أميركية» (2017)، أيقظ الروائي الكندي عمر العقاد الأميركيين على صورة خرابهم الآتي كحرب أهلية لا تُبقي ولا تذر.
وفي «يا له من فردوس غريب» (2021) رسم عالم الغرب عارياً، كجنّة كاذبة تلفظ اللاجئين كما يلفظ بَحْرٌ جثثاً على شاطئ.
أما في كتابه الجديد «يوماً ما، سيكون الجميع قد وقفوا ضد هذا» (One Day, Everyone Will Have Always Been Against This)، فهو لا يروّض اللغة بالأدب، ولا يتحايل على الوقائع بالخيال، بل يضع إصبعه في عين الغرب، الشريك المتواطئ في هولوكوست غزّة، ويرشق وجه التنين بقبضة من زجاج متشظ.
«يوماً ما» نصوص مكتوبة بيدٍ ترتجف من الغضب والخذلان، لا يطلب فيها العقاد من الغرب أن ينوح مع النائحين على الضحايا، بل أن ينظر في المرآة، ويقرّ لأجل سلامه الداخليّ، بأن مقاومة الفلسطينيين ليست إرهاباً ولا همجية، بل خلاصة ما تبقّى من كرامة الإنسان في عالم منحط بلا أخلاق.
أثمة جدوى من الكتابة والفن والحب في زمن الإبادة؟
العقاد الغاضب حدّ الغثيان من نموذج المثقف الليبرالي الغربي الذي يوقع على العرائض بعدما أنهى الاحتلال مهمته، ويضع لوحات «الحرية لفلسطين» بعدما أبيد شعبها، يجيب بألا جدوى ترتجى من كل ذلك لأنه «لم يوجد مجتمع في التاريخ تبرّع أو صفّق حتى أوقف إبادة».
هذا ليس كتاباً عن غزة فقط، بل سجال بطعم مرّ عن فشل أخلاقي للبشر على مستوى عالمي... عن يسارٍ مجوّف يرفع الشّعارات، ولا يجرؤ على مواجهة منظومة الهيمنة، عن مؤسسات ثقافة نخبوية تُقصي من يتضامن، وتصمت حين يُذبح الجائعون العزّل بينما ينتظرون مساعدات مخلوطة بالسم، عن صحافة تدقق في الأسماء قبل أن تصدّق شهادات المقتولين تحت القصف.
لا يكتب العقاد كغريب عن عالم الغرب، بل كمن نشأ في تلك البلاد التي تنطفئ فيها الشمس، ثم لفظته حين تجرّأ على السؤال. يحكي من الداخل، من موقع المنفي في وطنٍ ــ وهم تبين أنه محض قشرة لامعة لإمبراطورية عنيفة قاتلة، ويفضح كيف تحوّل المخلوق «الليبرالي» إلى جندي احتياط في «الجيش» الإسرائيلي، سقفه أن ينتقد مطلق القتل في خطابه، لكنه يموّله بمال ضرائبه، وصمته، بل وتفهمه.
إنها إدانة لاذعة لأولئك الذين يفضلون الحفاظ على الحياة الطبيعية، مقتنعين أنّ هذه الفظائع تحدث فقط «في أماكن معينة، لأناس معينين»، من غير القادرين على إنتاج مارتن لوثر كينغ خاص بهم يقود تقبّل سوء معاملتهم بلطفٍ وصبرٍ وحبٍّ، وأنّ هذا العجز، لا أيّ ظلم خارجي، وراء البؤس الذي يلحق بهم.
يصفي العقاد في مقالاته حسابات شخصيّة له مع هذا الغرب الذي نشأ على ثقافته وقيمه، قبل أن يكتشف بنفسه خواء الحكاية الخرافيّة ذات أكتوبر، عندما عرّت غزة كل التناقضات بين القيم «الويسترين» المعلنة والممارسات الإمبريالية المرتكبة، وأظهرت تلك الثقوب الكثيرة ــ الكبيرة في رداء الإمبراطوريّة الفاخر: من نخبها المهووسة بالأيديولوجيا العنصريّة، وحكوماتها الشريكة في القتل، إلى مؤسساتها الثقافية والإعلامية والأكاديمية التي سقطت باقتدار مشهود في كل امتحان إنساني بشأن الإبادة.
«يوماً ما، عندما يصبح الأمر آمناً، عندما لا تكون هناك تداعيات سلبية لتسمية الأشياء بأسمائها، وعندما يكون الأوان قد فات لمساءلة أحد، يوماً ما، سيكون الجميع ضد هذا»، يقول العقاد.
لكنه يعلم، ونحن نعلم، أنّ صرخته في مضارب الذئاب الرماديّة لن تغيّر شيئاً، وأن ذلك اليوم لن يأتي إلا بعد فوات الأوان.

