بيان نويهض الحوت... وجدان فلسـطين
لعل العبارة الأقرب إلى الذهن عند نعي المؤرخة والمناضلة الفلسطينية بيان نويهض الحوت (1937-2025) هي: وجدان فلسطين.


لعل العبارة الأقرب إلى الذهن عند نعي المؤرخة والمناضلة الفلسطينية بيان نويهض الحوت (1937-2025) هي: وجدان فلسطين.
عند الحديث عن الشخصيات التي أسهمت في بلورة الوعي العربي الحديث تجاه القضية الفلسطينية، يبرز اسم بيان نويهض الحوت كصوت نسوي استثنائي قادر على الجمع بين عناوين متعددة، بين الصحافة والنضال والتعليم والتوثيق والأدب، لتصوغ مسيرة معرفية ونضالية فريدة امتدت من القدس إلى بيروت، ووصلت إشعاعاتها حتى الجزائر.
نكبة الـ 48 وبداية الشتات
ولدت بيان نويهض في مدينة القدس عام 1937 من عائلة تعود إلى أصول لبنانية، فوالدها عجاج نويهض المتحدّر من قرية من رأس المتن في جبل لبنان وأحد مؤسسي «حزب الاستقلال العربي» عام 1932، ووالدتها الشاعرة جمال سليم من بلدة جباع في الشوف، كانا قد وفرا لبيان إلى جانب شقيقاتها الثلاث وأخيهم جوّاً مشبعاً بالالتزام العروبي والنضال من أجل التحرر من الاستعمار البريطاني وذيله المتمثل بالمشروع الصهيوني الهجين الذي كان يذرّ برأسه في النصف الأول من القرن العشرين. كما شكّلت الحوادث العصيبة أثناء مدة ولادتها (الثورة الفلسطينية الكبرى) نقطة الانطلاق في تكوين وعيها السياسي المبكر.
بعد مدة قصيرة من الدراسة في مدرسة «شميدت» الألمانية، غادرت الفتاة الصغيرة القدس مع والدتها وأخواتها مع بداية نكبة عام 1948، فيما بقي والدها في المدينة يتابع سير ما تبقى من المؤسسات الفلسطينية حتى لحظة سقوط الجزء الغربي منها، لتبدأ بعدها رحلة ترحال طويلة للعائلة شملت لبنان، الأردن، ورام الله.
تابعت بيان تعليمها الثانوي بين مدرسة «مس مالك» في الشويفات في لبنان ومدرسة «الملكة زين الشرف» في عمّان، ثم التحقت بدار المعلمات في رام الله. وهناك بدأت تتلمس أولى محاولاتها في كتابة الشعر، مستلهمةً تجربة أمها الشاعرة. كما نشرت القصص القصيرة في لبنان، وشاركت في مسابقة مجلة «الحوادث» عن فئة القصة القصيرة عام 1964 وفازت قصتها «كانوا أربعة...»، بالجائزة الأولى.
الانخراط في العمل السياسي
لكن سرعان ما انجذبت الشابة المتحمسة إلى العمل السياسي أكثر منه إلى تكريس نفسها كأديبة، فانخرطت في صفوف حزب «البعث العربي الاشتراكي» بوحي من التزامها القومي والعروبي في أواخر الخمسينيات، ونشطت سرّاً تحت ظل الأحكام العرفية في الأردن.
وفي دمشق، حيث انتقلت لإكمال دراستها الجامعية في كلية التربية في جامعت دمشق، انفتحت على الحراك الفكري والسياسي العربي الذي كان يغلي في المنطقة.
أسهمت في بلورة الوعي العربي الحديث تجاه القضية الفلسطينية
في 1959، انتقلت العائلة إلى بيروت، وهناك التحقت بالجامعة اللبنانية لدراسة الحقوق والعلوم السياسية، وفي هذه المرحلة بدأت تجربتها في الصحافة بمقالات في منابر نسائية عدة، مثل مجلة «دنيا المرأة» تحت إشراف أختها نورا نويهض حلواني والأديبة إيدفيك شيبوب، ما أتاح لها فرصة الانخراط في الصالون الفكري والثقافي في المدينة التي كانت تشكل مختبراً للحداثة الأدبية في ستينيات العقد الماضي، ثم انتقلت إلى مجلّة «الصياد» لتتوثق علاقتها بوجوه ثقافية كبيرة مثل الناشر سعيد فريحة، والشاعر سعيد عقل، والأديبة إملي نصر الله.
وفي خضّم النضال العربي ضد الاستعمار بكل وجوهه، غطّت الثورة الجزائرية من موقعها ككاتبة ملتزمة، كما أجرت مقابلات مع شخصيات عربية في ميادين الفكر والنضال، من ضمنها ساطع الحصري وزكي الأرسوزي، والمهدي بن بركة، ومحمد خيضر، وعلي الكافي الذي أصبح رئيساً للجزائر عام 1992.
لقاؤها بشفيق الحوت
في بيروت، التقت بالصحافي الفلسطيني المخضرم شفيق الحوت، وكان اللقاء بداية شراكة إنسانية ووطنية عميقة تُوجت بالزواج عام 1962، وأسّسا مع نقولا الدر وإبراهيم أبو لغد وسميرة عزام «جبهة تحرير فلسطين – طريق العودة» عام 1963.
وبعدما عُيّن زوجها شفيق الحوت مديراً لمكتب «منظمة التحرير الفلسطينية» في بيروت، أتيحت لها فرصة التعرّف إلى أبرز قادة الثورة، من بينهم أبو يوسف النجار، وصلاح خلف، وكمال عدوان، وأبو حسن سلامة وغيرهم. كما كانت شاهدة عيان على محاولات الاغتيال المتتالية التي تعرّض لها زوجها، أولاها في 17 شباط (فبراير) 1967 على باب منزلهما في بيروت.
ورغم انشغالاتها العائلية بعد إنجابها ثلاثة أبناء، واصلت بيان دراستها، فنالت إجازة في العلوم السياسية، ثم درجتي الماجستير، فالدكتوراه في عام 1978، عن أطروحة تناولت بنية القيادة السياسية الفلسطينية ما بين الحربين العالميتين تحت إشراف المفكر الفلسطيني أنيس الصايغ. تابعت نشاطها في حقل التدريس الجامعي في الجامعة اللبنانية، حيث صارت تدرّس مادتَي «القضية الفلسطينية» و«قضايا شرق أوسطية» في كلية الحقوق والعلوم السياسية، وعملت في موازاة ذلك باحثة في مراكز أكاديمية مثل «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»، و«مركز دراسات الوحدة العربية».
توثيق مجزرة صبرا وشاتيلا
تعدّ مساهمتها الأبرز توثيقها لمجزرة صبرا وشاتيلا، حيث بادرت، عقب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، إلى جمع شهادات الضحايا وذويهم، متجاوزة الخوف ومخاطر المرحلة.
وصدر لاحقاً عن «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» كتابها المرجعي حول المجزرة، واعتُبر وثيقة وطنية حاسمة في وجه الإنكار والتشويه.
كما أصدرت كتباً فكرية وتاريخية تناولت فيها القادة الفلسطينيين وأهمها «أوراق أكرم زعيتر» التي أعدّتها للنشر عام 1979.
غابت بيان نويهض الحوت التي كانت نموذجاً لامرأة حملت فلسطين في قلبها وقلمها في كل خطوة مشتها بين قساوة المنافي والوطن المعلّق في أحلام الطفولة، وظلت وجدانًا لفلسطين حتى الرمق الأخير.
الأصدقاء الثلاثة
كانوا ثلاثة أصدقاء. كانوا بصدق، وببساطة، ومن دون مواربة يشربون كؤوس العرق الأبيض الصغيرة، المشروب اللبناني المفضّل، بالقرب من قهوة علي همدر.
ولا يعني شربهم العرق اللبناني أنهم كانوا لبنانيين؛ كانوا فلسطينيين. كانوا يعتبرون من «الزكرتية» بالعامية الفلسطينية، ومن «القبضايات» بالعامية اللبنانية.
وكانوا يشوون «سيخ لحمة» للعشاء. ولا يعني الشواء أنه كانت هناك مائدة وأصناف من الطعام.
كان هناك سيخ لحمة لا غير. بينما كان قاسم، أحدهم، يقوم بعملية الشواء، سمع واحداً يناديه ويقول له: «تعال ولا. تعال إنت.
قرب لهون». ولم يقترب أحدهما من الآخر. تلفّت إليه قاسم وقال بصوت عال: «إن كنت إنت قبضاي، إنت تعا قرب لهون». ظنّ قاسم وصديقاه بداية أن القادمِين إسرائيليون، وخاف قاسم فعلاً من الاقتراب. أما المنادون الذين ما كانوا بإسرائيليين، بل من المسلحين المهاجمين، فهم أيضاً خافوا من الاقتراب، فهذه أول جماعة لا تخاف منهم وتتحداهم. وتبادلا الدعوات «العنترية»، لكن لم يقترب أحدهما من الآخر.
حينئذ تصور محمد، أحد الأصدقاء الثلاثة، أن القادمين شباب يمتحنون مكانتهم، فسارع يحمل الكلاشينكوف الذي يضعونه بقربهم للطمأنينة لا للاستعمال، واقترب من منتصف الشارع وهو يقول للقادم: «ومينتكون إنت؟ الله؟ أستغفر الله، مين إنت؟».
كان «القبضاي» محمد يظن فعلاً أنّ أمامه شباباً صغاراً يمازحونهم؛ فهم معروفون في المنطقة، ومعروفون بسهراتهم. وهو لم يحاول قطعاً إطلاق النار عليهم.
لكن المهاجمين الذين لم يكونوا شباباً صغاراً وما جاؤوا للمزاح معهم، بادروا إلى إطلاق النار على محمد بغزارة، حتى ارتمى على الأرض، ومات. أدرك الصديقان الآخران أنّ المسألة ليست مسألة مزاح، فهرب كل منهما إلى زواريب المخيم.
ومن داخل المخيم أخذ الرصاص يلعلع صوب الطريق العام. حينئذ أدرك المهاجمون القتلة بدورهم أنّ المسألة ليست مزاحاً، وأن عليهم التوقف عند ذلك الحد. هل لعلع الرصاص من داخل المخيم بأيدي قبضايات كالأصدقاء الثلاثة؟ أم بأيدي شباب صغار متحمسين؟
النتيجة واحدة. كانت هذه الحادثة سبباً في حماية العشرات، إن لم نقل المئات، داخل المخيم. والدليل أنّ المهاجمين توقفوا عند تلك الحدود في تلك الليلة، على بعد نحو عشرين متراً إلى الجنوب من قهوة علي همدر. فهؤلاء المهاجمون لم يتقدموا بعد مقتل محمد النابلسي، رحمه الله، شبراً واحداً.
قيلت هذه الرواية نفسها في صيغ متعددة. فبعض سكان المخيم يقسم بالله أن محمد «القبضاي» قال لهم وهو يحمل الكلاشينكوف في منتصف الشارع: «ما بتعرفوني؟
ما بتعرفوا إني أخو المصارعين الاتنين المشهورين النابلسي؟». هل أعطوه فرصة كي يقول هذا؟ أم أن ذلك البعض تخيل هذا. فمن عادة محمد النابلسي دوماً المباهاة بأخويه المصارعين البطلين.
ولما كان من طبيعة الإنسان ألا يحب أبداً أن يرى أحباءه مُجندلين على الطرقات لا حول لهم ولا قوة، فهناك من يؤكد أنه قال لهم ذلك. كثيرون رأوا جثة محمد النابلسي على قارعة الطريق أياماً، قبل أن ترفع للصلاة عليها، ودفنها.
(من كتاب «صبرا وشاتيلا»، أيلول/ سبتمبر 1982، «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»)

