
في حروب الاستبداد الحديثة، لا تكتفي السلطة بقتل الخصم، بل تسعى إلى سحق كرامته وتصويره ككائن مكسور، منزوع القدرة على المقاومة.
من النباح على الحواجز، إلى حلق الشوارب علناً، إلى الركوع تحت فوهة السلاح، تتوالى ممارسات تُظهر كيف تتحول الإهانة إلى أداة مركزية في إنتاج الطاعة وإرساء الخضوع.
ومع تكرار هذه الممارسات في سوريا منذ عام 2012، وتصاعدها وتكثفها في مدة قصيرة خلال الأشهر القليلة الماضية، تبدو الحاجة ملحّة إلى فهم آليات الإذلال الممنهج الذي تمارسه الأنظمة القمعية أو الجماعات المسلحة، خصوصاً في سياقات الحرب أو الاستبداد أو الانقسام الأهلي.
رمزية الإذلال الجسدي
عزيزي القارئ، سنعرض هنا مشاهد من أعمال العنف، من دون تسمية الجهات الفاعلة أو الضحايا، لندعك، تواجه المشهد بصفائه الأخلاقي وحده: مقاتل يدوس صورة رمزية لفئة ما، رجل يُحلق شاربه أمام الكاميرا، امرأة تُعتقل، شخص يطالب بـ«الضرب بيد من حديد» على وسائل التواصل، وصبية تكذّب رواية تعرّض فتاة للعنف.
إذا شعرت بالغضب من هذه المشاهد، ثم اكتشفت أن الفاعل ليس النظام السوري السابق بل جهة سياسية أو دينية تؤيدها، فهل سيتغير موقفك؟
إن حاولت التبرير، فقد وقعت في فخ السلطة، وشاركت – من دون وعي – في إنتاج ما يعرف بـ «التواطؤ الأخلاقي»، وهو أحد أخطر أسلحتها. أي منح السلطة القامعة التأييد لأفعالها طالما لا تصيبك.
في كتابه «حيونة الإنسان»، يرى الكاتب السوري ممدوح عدوان أنّ من يُذَلّ طويلاً على يد سلطة قاهرة، قد يُعيد إنتاج الإذلال ذاته ليشعر بالتفوق.
«حين يُجبر إنسان على أن يختار بين الموت والمهانة، تمنحه السلطة الحياة بشرط التخلي عن كرامته»، يكتب عدوان، فيعيش الفرد كميّت، بعد أن يُنتزع من ذاته ويتحول من شخص إلى شيء.
في سوريا، كما في أماكن أخرى، تنوّعت ممارسات الإهانة، في بعض المناطق، أُجبر المدنيون على الزحف أو إطلاق أصوات تشبه النباح، كنوع من «الإذلال الحيواني» الذي يجرّد الإنسان من صفته البشرية.
وفي حالات أخرى، كما في حادثة حلق الشوارب في السويداء، استُهدفت رموز الكرامة الذكورية والاجتماعية في رسالة واضحة «أنت بلا هيبة ولا مقام».
هذه الممارسات ليست ابتكاراً خاصاً بالنظام السابق ولا الجديد، بل أدوات متكررة في تاريخ السلطات القمعية، تستخدمها دول وجيوش وتنظيمات على حد سواء.
الإهانة كسياسة: من الجسد إلى الصورة
أحد أخطر أوجه الإهانة هو توثيقها ونشرها. فالضحية لا تُعذّب فقط، بل تُعرض. والهدف ليس مجرد إذلال الفرد، بل إرهاب الجماعة. تُستخدم الإهانة هنا كوسيلة ردع جماعي: «هكذا نفعل بمن يعارضنا». لذلك، لا يصوّر المقاتلون انتهاكاتهم لأنهم أغبياء، بل لأنهم ينفذون سياسة واعية تستهدف زرع الخوف والهيمنة عبر صناعة الصورة.
تتنوع أشكال الإذلال بين الجسدي والرمزي. هناك الإهانة الجنسية: التهديد بالاغتصاب، نزع الملابس، تصوير الجسد في أوضاع مهينة كما في سجون النظام أو جماعات المعارضة المتطرفة أو حتى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ومن بينها، حالات الخطف والسبي التي طالت نساءً في الساحل السوري منذ مدة، أو تصوير «الفدائي» الفلسطيني عارياً ومقهوراً، كما في مقاطع فيديو مسرّبة من أجهزة الاحتلال.
ورغم اختلاف دوافع الإهانة – قومية عند النظام، دينية عند «هيئة تحرير الشام»، استعمارية عند الاحتلال – إلا أن الأسلوب مشترك: تفكيك صورة الإنسان، وزرع الطاعة عبر كسر الجسد وتحقير الذات.
الجمهور الصامت: من شريك إلى متواطئ
أسوأ ما في الإهانة العلنية أنها تتطلّب جمهوراً. وكلما ازداد الجمهور صمتاً، ازدادت فعالية السلطة. كما يكتب ممدوح عدوان: «السكوت عن الظلم هو شكل من أشكال القبول به».
فالسلطة لا تحتاج إلى آلاف الجلادين، يكفيها أن يتفرّج الناس ولا يتحركوا. وهذا ما يحمل الجمهور الذي يتعامى عن هذه الممارسات لأي مبرّرات كانت، أو يحاول الصمت عنها بذريعة الخوف، والأسوأ إيجاد مبررات لها.
ويشرح الباحث ريتشارد فولر في دراساته عن الاستبداد: «الإذلال لا يُمارس فقط لإخضاع الخصم، بل لتدمير قدرته على المقاومة.
فالإذلال يولّد الخوف، والخوف هو العملة الصلبة للاستبداد»، أي إنّ من يتابع صور ومقاطع فيديو لتعذيب وعمليات إهانة لآخرين هو نفسه مقصود منها.
وبذلك، تصبح الإهانة أداةً لضمان السيطرة الكاملة على المشاهدين والجمهور حتى المؤيدين منهم لمرتكب هذه الإهانات، لأنّهم بتأييدهم هذا النوع من الممارسات يسقطون من مكانتهم وأهليتهم البشرية بالحصول على حكم عادل ومنصف قائم على القانون، كما يقول نيلسون مانديلا «ليس إنساناً من يُهان أمامه إنسان آخر ولا يشعر بالإهانة».
وبذلك، حين يُجبر الإنسان على الصمت أمام إذلاله، ينهار داخلياً، ويتحوّل إلى كائن أكثر قابلية للخضوع. طبعاً، في بعض الحالات، قد تنبع ممارسات الإهانة من رغبة سادية فردية، خصوصاً لدى الجلادين الذين يشعرون بانعدام القيمة، أو يسعون إلى إثبات مكانتهم في «هرم السلطة». لكنها، في كثير من الأحيان، جزء من إستراتيجية متكاملة.
كسر الصمت بوصفه بداية الاستعادة
يبقى فهم آليات الإذلال الممنهج ضرورياً لفك شيفرة الاستبداد ومواجهته. فهذه الممارسات لا تهدف فقط إلى تدمير الجسد، بل تُنتج عبرها أشكال جديدة من الطاعة والخنوع، وتُجرِّد الإنسان من إنسانيته.
إن كسر الصمت على هذه الانتهاكات – من حلق الشوارب إلى تقبيل الحذاء، ومن الزحف على الركبتين إلى التصوير المهين – هو بداية استعادة الذات المنهوبة، والكرامة المنتهكة. ذلك أنّ مقاومة الاستبداد لا تبدأ بالبندقية فقط، بل بكشف لغته، وتفكيك رموزه، وفضح أدواته.
ومن المهم استيعاب أنّ السلطات القوية والمستقرة لا تستعين بهذه الممارسات، وإنما العكس السلطة في لحظات ضعفها وهشاشتها وخوفها من شعبها تلجأ إلى هذا النوع من الممارسات.
◀ مقالات ذات صلة:

