ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

كيف يُعيد هنري لورنس تشكيل فهمنا للتاريخ؟

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

يُقدّم المؤرخ الفرنسي هنري لورنس في كتابه «التاريخ المفروض» (2022) الصادر عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» (ترجمة جان جبور)، تأمّلاً فلسفياً عميقاً في معنى التاريخ وحدود الكتابة التاريخية.

سلوى دبوق
سلوى دبوق
السبت 19 تموز 2025
كيف يُعيد هنري لورنس تشكيل فهمنا للتاريخ؟
الخط


يُقدّم المؤرخ الفرنسي هنري لورنس في كتابه «التاريخ المفروض» (2022) الصادر عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» (ترجمة جان جبور)، تأمّلاً فلسفياً عميقاً في معنى التاريخ وحدود الكتابة التاريخية.

يبيّن لورنس أن الماضي لا يصلنا كما حدث فعلاً، بل يأتينا محمّلاً بتأويلات الحاضر.

يشير عنوان الكتاب نفسه إلى أنّ السرد التاريخي لا يولد من فراغ، بل يُفرض غالباً من قبل قوى مهيمنة تسعى إلى تبرير سلطتها عبر انتقاء سرديات معينة. من هنا، يُصبح التاريخ عملية مُعقّدة لإنتاج المعنى، لا مجرد رصد لما جرى.

بين الوقائع والمعرفة

يُميّز لورنس بين التاريخ بوصفه وقائع ماضية، والتاريخ بوصفه معرفة مُنتَجة. الأول هو ما حدث بالفعل، والثاني ثمرة جهد فكري يقوم على التفسير والتأويل. فالمؤرخ، في نظره، ليس ناقلاً للأحداث فقط، بل أشبه بطبيب يتتبّع العلامات والبقايا ليُعيد بناء سرد ذي مغزى. ومن هنا، فإنّ الماضي لا يُمنح مباشرة، بل يُنتَج معرفياً ويُعاد تشكيله وفقاً لأدوات الحاضر وأسئلته.

يطرح المؤلف إشكالية الذاكرة كعملية انتقاء لما يُحفظ وما يُنسى، فالذاكرة الجماعية تُعيد تشكيل نفسها بناءً على الحاجات الراهنة والتصورات المجتمعية. يضرب مثالاً ببطل بورخيس «فونس» الذي لا ينسى شيئاً، ولكنه يعجز عن التفكير، ما يبرز أنّ النسيان ضرورة معرفية. وهكذا يصبح التاريخ فعل نسيان موجّهاً يهدف إلى استخلاص البنى والمعاني من زخم التفاصيل.

يناقش لورنس مفهوم الحدث التاريخي متسائلاً: ما الذي يمنح واقعة ما مكانتها في الذاكرة الجماعية ويجعلها جديرة بالتدوين؟

ليست القيمة في الحدث ذاته، بل في رمزيته، وفي ما يُنسج حوله من تأويلات لاحقة، وفي استمرارية أثره عبر الزمن.

فسقوط جدار برلين عام 1989، مثلاً، لم يكن مجرد إزالة لحاجز مادي، بل بات رمزاً لانهيار الحرب الباردة وسقوط منظومة سياسية كاملة.

هكذا، لا يستمدّ الحدث أهميته من لحظته المباشرة، بل من القراءة التي تُسند إليه، فيما تُنسى أحداث أخرى لأنها لم تندمج في سردية كبرى تمنحها المعنى والخلود.

تعددية الرؤى والتشابك السببي

يُميّز لورنس بين نظرة الطبقات الاجتماعية المختلفة إلى الزمن. النبلاء يرون الزمن امتداداً للنسب وهوية متوارثة تمنحهم شرعية في الحاضر، والثوريون ينظرون إليه كتاريخ قابل للقطيعة والتجاوز، مرتبط بالنضال والتحرر. أما الطبقات الشعبية، فترى الزمن دورة معيشيةً تكرارية مرتبطة بالعمل اليومي.

هذه الرؤى تعبّر عن أنّ الزمن بناء اجتماعي يُعاد تشكيله بحسب الموقع الطبقي والرمزي للفرد.

يرفض الكاتب التفسير الأحادي للوقائع، مؤكداً على أنّ كل حدث تاريخي هو حصيلة تشابك معقّد لعوامل اجتماعية، واقتصادية، ونفسية، بل حتى عشوائية.

حوّلت أوروبا الزمن إلى أداة للهيمنة بين الشرق والغرب

فالتاريخ ليس سرداً خطّياً متسلسلاً، بل شبكة متداخلة من السياقات والدوافع. أحياناً قد يلعب الأفراد أدواراً غير متوقعة تُغيّر مجرى الأحداث، ما يفرض على المؤرخ قدراً من التواضع المنهجي، والابتعاد عن الوقوع في فخّ التبسيط.

ينتقد الكاتب النزعة الاحتكارية للمؤسسة الأكاديمية في صياغة الماضي، مؤكداً أنّ كتابة التاريخ ليست مجرد سرد للوقائع، بل فعل سياسي معرفي تتشابك فيه السلطة والمعرفة، وهو مفهوم مستوحى من فكر الفيلسوف ميشال فوكو.

يرى لورنس أنّ التاريخ يُستخدم كأداة للهيمنة، إذ تُنتج سرديات تخدم مصالح الطبقات الحاكمة وتُهمّش أصوات المهمشين مثل الفلاحين، النساء والأقليات. لذلك، يدعو إلى توسيع دائرة المصادر والسرديات لتشمل الروايات الأدبية، الشفوية، والفنية، بما يعكس تعددية التاريخ الحقيقي وعمقه.

الهيمنة والحداثات البديلة

يرى المؤلف أنّ الدولة ــ الأمة الحديثة شيّدت هويتها على ماضٍ متخيَّل، تستدعي فيه صور «الأسلاف» و«الجذور القومية» لتمنح شرعية لادعاءات السيادة والحقوق التاريخية.

فرنسا مثلاً استعادت رموز «الغالو ــ رومان» لتأكيد استمرارية تاريخية موحّدة، وألمانيا تبنّت «الجذور الجرمانية» لبناء سرد قومي، بينما استُخدم التاريخ التوراتي في السياق الصهيوني لإضفاء شرعية دينية وتاريخية على مشروع إسرائيل الاستيطاني.

في مثل هذه الحالات، يتحوّل التاريخ إلى أداة دعائية تُستخدم لتبرير الحروب، وطمس تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي.

يناقش الكتاب كيف حوّلت أوروبا الزمن إلى أداة للهيمنة بين الشرق والغرب، باعتبار نفسها متقدمةً والشرق متأخراً.

لقد استعمرت أوروبا ذاكرة الشعوب حين جعلت ماضي العالم تمهيداً لتفوّقها. لكن الكاتب يفتح أفقاً جديداً: كل كتابة تنبع من الذات بداية لاستعادة الزمن بطريقتنا. في المقابل، يؤكد أنّ العلاقة بين الشرق والغرب ليست أحادية، بل تفاعل معقد. لقد تأثر الغرب بالشرق في الفن والأدب والعمارة، حيث ظهرت «الشرقيات» كمرايا تعكس قلق الغرب من حداثته وهروبه إلى زمن أصلي مفقود.

يرى لورنس أنّ المشروع الغربي الكوني يتسم بتناقض جوهري: فقد أوقف تطور المجتمعات المستعمَرة عبر خلق نخب حداثية متعلمة، لكنه منعها من الحصول على التمكين السياسي الحقيقي، ما أدى إلى حالة من الإرباك والاحتقان الاجتماعي. في المقابل، برزت في آسيا وأفريقيا نماذج بديلة للحداثة، تؤكد على تعددية المسارات التي يمكن أن تسلكها المجتمعات بعيداً من النموذج الغربي الأحادي.

مع مطلع القرن العشرين، انفتح العالم على «التقارب الكبير» حيث هزمت اليابان روسيا (1905) وتحولت تركيا للعلمانية على يد أتاتورك، وابتكرت الهند نموذجها الخاص، ما أضعف مركزية أوروبا. لكن برزت توترات حول الفردانية وحقوق الإنسان في ظل خطاب «الخصوصية الثقافية» الذي أعاد الاعتبار للاختلاف والتنوّع.

في هذا الإطار، يُعيد هنري لورنس النظر في أطروحة إدوارد سعيد. رغم إسهامه البارز في كشف زيف الخطاب الاستشراقي كأداة للهيمنة، إلا أنه – بحسب لورنس – وقع في فخ التعميم حين قدّم الاستشراق كخطابٍ موحّدٍ ومتجانس، متجاهلاً بذلك ثراء التنوع الداخلي لهذا الحقل واختلاف مواقف المستشرقين عبر العصور.

هذا التبسيط، بحسب لورنس، حرم الاستشراق من تعقيده التاريخي وأقحم الشرق في دور الضحية المحايد، متجاهلاً بذلك فاعلية الشرق وقدرته على الرد والمواجهة.

العنف، الذاكرة، والكتابة التاريخية المعاصرة

يستعرض الكتاب تطور العنف في القرنين العشرين والحادي والعشرين، موضحاً كيف تمّ الانتقال من الحروب المنظمة إلى استهداف المدنيين بشكل مباشر.

كما يبيّن كيف لعب الاستعمار دوراً مركزياً في اختبار أشكال عنف جديدة، قبل أن تعود هذه الممارسات إلى قلب أوروبا في الحربين العالميتين. بعد عام 1945، شهد العالم صعود منظومة من القوانين الدولية للحد من العنف، لكن الحرب الباردة سرعان ما نقلت النزاعات المسلحة إلى بلدان العالم الثالث.

في هذا السياق، يبرز لورنس تحوّل الخطاب ما بعد الاستعماري إلى خطاب هوياتي، أسهم في إظهار سرديات المهمّشين التي غيّبتها الروايات السائدة. ومع ذلك، ينتقد هذا الخطاب لوقوعه أحياناً في ثنائية تبسيطية تقسم العالم إلى جلادين وضحايا، من دون تحليل معمق لبُنى السلطة أو للاقتصاد السياسي. كما يشير إلى أنّ هذا الخطاب كثيراً ما افتقر إلى أدوات منهجية متينة، ما حدّ من قدرته على تقديم قراءة متعددة الأبعاد للواقع.

يرى الكاتب أنّ ثقافة العنف الضمنية المعاصرة تتغذى على امتزاج الغضب التاريخي بإحساس مستمر بالمظلومية، خصوصاً لدى بعض تيارات الجهاد الإسلامي العالمي التي تتحرك في فراغ سياسي يفتقر إلى مشروع واضح ومتماسك. هذا المزيج يشكل خطراً حقيقياً يُعيد إنتاج دوامة متجددة من العنف والانتقام.

مع تراجع الأيديولوجيات الكبرى، أصبح الحاضر هو الزمن الوحيد المعترف به، وتحولت «الضحية» إلى رمز أخلاقي محوري، ما أدى إلى تنافس محتدم بين الذاكرات الجماعية، كما يظهر في حالات مثل الإبادة الأرمنية والذاكرة الاستعمارية في الجزائر.

يشكّل كتاب «التاريخ المفروض» إنجازاً فكرياً بارزاً في إظهار أن التاريخ ليس مجرد سجل لأحداث ماضية، بل تأويل يتغيّر بتغيّر الزمان والمكان.

يفتح لورنس المجال أمام صوت المهمّشين، ويبيّن كيف تُبنى الروايات التاريخية من زوايا متعددة، ما يُثري فهمنا للماضي ويعقّد رؤيتنا له.

ومع ذلك، فإنّ أسلوبه المُعقّد أحياناً قد يَحول دون وصول أفكاره إلى جمهور أوسع، كما إنّ نقده الحاد للسرديات السائدة لا يُرفَق غالباً بمقترحات بديلة واضحة. ورغم هذه الملاحظات، يبقى الكتاب قراءة ضرورية لكل من يسعى إلى فهم أعمق لمعنى التاريخ، وطريقة حضوره في وعينا وواقعنا المعاصر.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك