ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

«بناية الشيوعيين»: البطل الإشكالي والتحديق في المرآة

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

في مجموعته القصصية «بناية الشيوعيين» (دار فضاءات ــ الأردن)، يضعنا مهدي زلزلي أمام مرآة على مستويات عدة: في المستوى الأول الرواية نفسها التي تعكس صورة مجتمعنا بما فيه من جميل وقبيح

فاتن المرّ
فاتن المرّ
السبت 19 تموز 2025
«بناية الشيوعيين»: البطل الإشكالي والتحديق في المرآة
الخط


في مجموعته القصصية «بناية الشيوعيين» (دار فضاءات ــ الأردن)، يضعنا مهدي زلزلي أمام مرآة على مستويات عدة: في المستوى الأول الرواية نفسها التي تعكس صورة مجتمعنا بما فيه من جميل وقبيح، ننظر إليها، فنستعيد ما حل بنا في الماضي القريب من صعوبات ومآس وبعض الأوقات الحلوة التي سرعان ما انقضت مخلّفة وراءها الكثير من الخيبة.

ثم مستوى «الرواية داخل الرواية» التي تعكس هموم الكاتب وأفكاره حول فعل الكتابة، بحيث يتحول الكاتب إلى شخصية من الشخصيات التي نراقبها، ونقرأ أفكارها، فيبدو الراوي وهو يمارس وظيفة الإدارة التي تكلم عليها جيرار جينيت إذ يروي كيف يتم فعل الرواية.

يليها مستوى مرآة الشخصيات التي يختلقها الكاتب وبشكل خاص تلك التي تشبهه، كما في قصة «وجه يريح المتعبين» التي يحاول بطلها التملص من كل ما يفضح أعماق شخصيته في علاقاته مع الآخرين وعلى وسائل التواصل، فتأتي شخصيات رواياته المشابهة له في السنّ والمهنة ونمط العيش لتكشف حقيقته للقراء.

وقد يتحول الحلم إلى مرآة تعكس ماض عزيز تتمسك به الشخصية أو تفضح مستقبلاً مهدداً، وقد تكون الصورة مرآة، صورة تلتقي فيها نظرة المتبرع بنصف ليتر من الدم بنظرة صديقه الشهيد الذي قدم دمه كله في سبيل حياة الوطن. «التقت عيون أربع وابتسامتان» على أسمى معاني العطاء. وقد تحيل أيضاً مرآة الحاضر إلى ماض خانته الشخصية.

على صفحة المرآة الأخيرة، يظهر نوعان من الشخصيات، وفقاً لتصنيف جورج لوكاتش، أولهما نادر الوجود في مجتمعنا المضطرب، والثاني يتكاثر كالفطر في الزمن السيّئ.

البطل ونهايته المأساوية

البطل الإشكالي يبحث عن المعنى في عالم انهارت فيه القيم، غالباً ما يبقى وحيداً، مدركاً، لكنه عاجز، يسبح عكس التيار، يتمسك بالمبادئ السامية في عالم انهارت منظومته الأخلاقية.

في «القنصل»، نراه يتمسك بوطنية تتعامى عن الفساد والفوضى ويصرّ على فكرة أنّ الكاتب هو خير سفير لبلاده، لذلك وجب عليه الابتعاد عن كل ما يشوّه صورتها، فكانت له مرآة سحرية تخفي البشاعة وتجمّل الواقع، أو ذلك الذي يسلك درب العلم في بلد الوجبات السريعة والقروض الميسرة، فينتهي شرطي مرور يصوّب المسدس إلى رأسه في «انتحار شرطي المرور». لا شك في أنّ نهاية البطل الإشكالي تكون في غالب الأحيان مأساوية، فهو غير قادر على مصارعة قوة التيار الجارفة، وقد انتفت أو ضعفت القوى المساعدة واستشرت القوى المناوئة.

مناضل سابق اختار الرحيل عن البلاد حين اقترب الخطر الإسرائيلي

ولعلّ مَن يجسد البطل الإشكالي بامتياز هو الشاعر الذي يشق طريقاً معاكساً لكلّ ما أصبح عليه مجتمعنا في زمن الوجبات السريعة، تلك التي تحمل الأفكار الجاهزة وتضعها على مائدة التواصل الاجتماعي، فلا وقت للإمساك بكتاب وتصفّحه وبشكل خاص كتاب شعر، فنرى في إحدى القصص شاعراً يبتاع بثمن ثلاثة كتب تمكّن من بيعها صحن «حمص بطحينة» يسدّ به جوعه، وهو أيضاً بطل إشكالي بصراحته في زمن التملق والنفاق، يعطي رأيه بكل صدق في النتاج الأدبي الذي يعرض عليه ويكاد لا يكون صالحاً للف المناقيش.

أما القمة التي يبلغها فهي تلك التي يعجز كثيرون من الضعفاء عن الوصول إليها، ألا وهي رفضه الكتابة في مجلة تشجع على التطبيع وإهداء المبلغ الذي تقاضاه إلى مؤسسة تُعنى بضحايا الاعتداءات الإسرائيلية.

أما بطل قصة «الشعب يريد» فهو إشكالي بامتياز، يستعرض علاقاته بأقربائه ومعارفه فيخلص إلى القول: «كل هؤلاء انقطعت علاقتي بهم، أو تحولت صداقتنا إلى عداوة بعدما رشت مثاليتي المفرطة الزيت على نار تبايناتنا الصغيرة».

حتى تهمة الفساد الصغيرة التي يوجهها إلى نفسه ليست إلا نظرة إلى مرآة تبالغ في تظهير الهفوات، محوّلةً إياها إلى نواقص في رؤية عين ثاقبة لا تتهاون في محاسبة صاحبها، بل هي تحثه على جلد النفس لأنّها اعتادت أن تميزه عن كل الآخرين الذين يتقلبون مع تغيّر الأحوال والمصالح. فمن أولى خصائص البطل الإشكالي تفكيره السلبي إزاء نفسه.

انتهازيون يعيشون بيننا

النوع الثاني من الشخصيات هو ذلك الذي يسبح مع التيار، يهادن، يغير مبادئه كما يغير قميصه، مثل رجل الأعمال في قصة «عرش الهوامش» الذي يسرق أفكار محاورٍ سبق واختلف معه في الرأي ويحملها إلى برنامج تلفزيوني ويقدّمها على أنها وليدة قناعات ترسخت لديه منذ الأزل!

ونكاد نهتف بعشرات الأسماء التي نعرفها جيداً ويشبه أصحابها رجل الأعمال الذي يعرف كيف يقتنص الفرص المالية والإعلامية والسياسية ويتباهى بمعرفة سطحية تسمح له بأن يبدو بمظهر المثقف، من دون أن يزعجه انكشاف خدعته.

تتنوع هذه الشخصيات في المجموعة، تتكاثر كما تكاثر الانتهازيون من حولنا في الآونة الأخيرة، تشبههم الشخصيات، تبدو واحدة من معارفنا، أولئك الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف في الزمن البائس، ذلك الذي يمهد أمامهم كل سبل النجاح والمال والشهرة.

فذلك المناضل السابق الذي اختار الرحيل عن البلاد حين اقترب الخطر الإسرائيلي، وتعلم في الغربة كل أساليب المناضلين الجدد الكلامية وأجاد العزف على وتر الديموقراطية والسلام ونزع السلاح والخصخصة، عاد إلى البلد كادراً مصقولاً حاضراً لتولي أعلى المناصب، ولكنه لا ينجو تماماً، فلكل مرآته، ومرآته هو هي بقعة دم تظهر له في الحلم لحبيبته ورفيقة أيام النضال، ليلى، التي سقطت في مواجهة العدو الإسرائيلي.

قد تكون المرآة وقفة مع الذات، لحظة من الصدق، كأن يعترف المطبع لنفسه: «حقاً، ليس بالإمكان تبرير كل شيء»، هذا ما يعترف به زائر تل أبيب لنفسه بينما يسوغ زيارته في العلن.

الفكاهة كمحرّك جبار

من مزايا القصة القصيرة أنها تفاجئنا بنهايتها السريعة، فنبقى على عطشنا وتوقنا، أو نسد الثغرات بقطع منسوجة من خيالنا، فتبقي الذهن متحفزاً، لا تسمح له بالتكاسل أو حتى بالراحة، ولعل ما يميز قصة مهدي زلزلي القصيرة هي أن لها محركاً جباراً وهو الفكاهة التي تبقي الرسائل مخفية، مغلفة بالغموض، بحاجة إلى قراءة ثانية، أكثر عمقاً لفك شيفرتها، وإلى قارئ متعاون، ينتمي إلى الدائرة الثقافية نفسها، ينجح في الضحك من مرارة التعليقات الساخرة التي تتحول إلى مرآة تعكس وضع بلادنا المأساوي.

كأن تردد مع الكاتب صدى عبارته الساخرة: «هذه البلاد ديموقراطية تماماً وتسمح لك بالاحتجاج: لا أحد يقمعك، ولا أحد يسمعك».

تلك السخرية من الذات هي رد فعل غريزي يهدف إلى مقاومة الميل إلى الغرق في المأساوية، هي حيلة لإنقاذ النفس من براثن اليأس، وهذا الأسلوب الذي يجسده مهدي زلزلي في كتابته مارسه اللبنانيون لعقود شفوياً ليتمكنوا من النجاة من عبثية بعض المواقف التي زجتهم وسطها ظروف سياسية قل ما مرت بها بلاد، فكانت الفكاهة وسيلة لأخذ بعض المسافة من أحداث صعبة وأخرى مخيبة للآمال.

اضحك كي تنجو من الجنون، اسخر من الوضع المعيشي والعملي والسياسي الذي تعيشه لكي تتمكن من الاستمرار، ثم اكتب كل ذلك واحفظه بين دفتَي كتاب، كي لا تنجح هذه الظروف الغريبة في سلبك هويتك، في خلع إنسانيتك، لكي تبقى على قيد الوطن الذي تحلم به.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك