هل يبقى دماغ الإنسان صندوقاً أسود؟
إتصال الفلسفة بعلم البيولوجيا، قديم جداً في حياة الباحثين والدارسين، لهذا الكائن العاقل الذي هو الإنسان. وقف عنده الجميع.


إتصال الفلسفة بعلم البيولوجيا، قديم جداً في حياة الباحثين والدارسين، لهذا الكائن العاقل الذي هو الإنسان. وقف عنده الجميع.
وتأملوه، وإغتنوا به وأغنوه. لأنهم صادفوا فيه كنزاً لا ينفد للبحث والتأمل والإجتهاد والتحليل. فقد كان من اكثر الموضوعات جاذبية لهم بسبب الشغف بالبحث عن الأصول، وبسبب الوصول إلى مفتاح العلوم.
وهذان الأمران وحدهما، كانا كافيين، لجعل كل مفكر، كما كل عالم، لا يسعه إلا أن يعرج على حياة الإنسان، يقلبها على وجوهها الشتى. ويمعن فيها النظر، لعله يصل إلى مرتجى.
«لقد مرت مئات الآلاف من السنين من دون أن ننتبه إلى هذا العضو الذي يسكننا، والذي يدير حياتنا وشاعرنا وأحاسيسنا وأفكارنا وسلوكنا»
حسين صفي الدين، هو واحد من هؤلاء الذين فتنوا بالبحث في فتنة العقل عند الإنسان. وصار همه تقليب أفهام العلماء، على ما يفهم من حياة الإنسان. فقلما تجد له أدنى مسكة من مقالة أو كتاب، إلا وعاد إلى الإنسان يرجع النظر فيه، كرة وكرتين...
في تمهيده لكتابه «كيف أصبحنا بشراً» (دار الإنتشار- بيروت)، يراجع حسين صفي الدين جميع آراء المفكرين والفلاسفة القدماء، إبتداء من الفلسفة اليونانية، حتى عصر التنوير. يحاول أن يعقد المقارنات بين أقوالهم. يقف عند الجامع المشترك بينهم.
يجد فيه شغفاً لذيذاً للتخويض في دراسة تطور الإنسان في الرحم وفي الطبيعة، وفي الرؤيا التي وجدها العلماء فيه.
فكان بذلك خير ناسج للأفكار القديمة، كما للأفكار الجديدة، التي أحفزته على متابعة البحث في حياة الإنسان، وطرح جميع الإشكاليات التي دارت حوله، وحول حضوره: كائناً بشرياً، فيه من الغموض ما فيه من الوضوح من خلال طروحاته في الفصول التي دبجها:
1- الصفات التفاضلية العامة للدماغ.
2-الفردية والفرادة في الدماغ وحقيقة السلوك الفردي.
3- الحلقة التطورية الأولى وبيئتها.
4- تطور الدماغ بعد مرحلة النعيم.
5-الإصطفاءالإصطناعي.
يشرح الدكتور حسين صفي الدين، الأسباب التي دعته لمتابعة أبحاثه في الإنسان. ثم يعرج على المقولات التي قيلت فيه.
لكنه أراد أن يذهب فيها مذهباً مختلفاً، خصوصاً حين ربط بين المعاينة والتجريب. ثم قرن ذلك بعلم الجينات وعلم الأعصاب وعلم الدماغ، وعلم إشتغال القلب. ناهيك عن سائر العلوم التي توفر له فرص البحث والتدقيق عن الإنسان، كائناً كرونولوجياً..
«حاول الفلاسفة فهم مصدر التفكير وطرحوا تساؤلات كثيرة. بداية مع سؤال ديكارت عما يحول الأحاسيس إلى إنطباعات، والإنطباعات إلى أفكار ».
الأبواب والفصول، بما تضمنته من مواد البحث، كانت كثيرة ومتشعبة. وإعجازه فيها، أنه كان يصيغ، بعد تحليل وتدقيق، ما يشبه النظريات التي يمكن أن يستند إليها في صياغة القوانين. إذ نجد في الدكتور حسين صفي الدين، عالماً، أكثر مما هو باحث. لأنه يستأني كثيراً في عرض النتائج التي يتوصل إليها، أثناء مشواره الطويل.
«الإنسانية هي اليوم في مرحلة جميلة من تشكل التفكير العقلاني، ما يسمح لنا بالإستمتاع بالفطرة الغريزية والإنغماس قليلا في الذكاء البشري ».
وفر الباحث بأسلوبه العلمي الراقي، فرصة الوقوف على الجزئيات الخفية من جسم الإنسان: مادة وطاقة وإنتاجية، بحيث يجد القارئ متعة للمتابعة، ودهشة للتفاصيل التي أتى بها. وهذا ما يجعل القارئ مشدوداً إلى الكتاب، لا يستطيع أن يضعه، إلا موضع الشغف به والإهتمام. لأنه يقدم له كشوفاً ما كان يفكر فيها، فأفردها الباحث في مؤلف شديد البساطة، خالياً من التعقيدات.
«إن الباحثين في مجال الدماغ وعلى إمتداد سنوات القرن العشرين، أوضحوا تدريجاً بأبحاثهم وتجاربهم أن الجهاز العصبي معزول تماماً ومحمي عن نظام المناعة للإنسان ».
يجذبك الباحث، إلى موضوعات ما كانت تقع لك على بال. يثيرها أمام ناظريك بأسلوب المفكر والفيلسوف. حتى ليكاد يجعل من جميع ما يطرح، مقولات بسيطة وخارقة في آن. تهم الناس جميعاً وتجعلهم يستلهمونها، في طروحاتهم ومناقشاتهم، وفي المسيرة الحياتية التي يقطعونها: ثقافة ودراسة وأسلوب حياة وعمل.
«إن حركة سائل النخاع الشوكي متميزة كثيرا ومستقلة ومهمة أيضا للدماغ».
يشتمل الكتاب إذا، على مادة غنية، جعلها الكاتب في أبواب وفصول متناسقة. إستحضر فيها تكوين الإنسان كرونولوجيا، في رحم الطبيعة وفي رحم الأنثى. وكان يكثر من عقد المقارنات والمقابلات، حتى تستوفي المادة حقها من البحث والتحليل. وحتى تكون الشروح المستلهمة والمكتشفة مقنعة.
«أكثرية الحقول لديها حقول فرعية، ومن الممكن أن تنوجد في أدمغة البعض وتغيب عند آخرين».
كثيرة هي الفوائد التي يجنيها القارئ من هذا المؤلف/ السفر. أقله أنه سوف يتعرف من خلاله على نفسه، وعلى الناس من حوله. وعلى الطبيعة البشرية، ومراكز القيادة، بكل غرفها المضاءة والمعتمة.
«الإنجازات الكبيرة لعلم الأعصاب، فتحت أفقاً جديداً في حياة البشرية. وساهمت في بناء أسس جديدة للعلوم الطبية ولعلم السلوكيات، إضافة إلى العلوم الإجتماعية والعلوم الإنسانية بعامة».
* أستاذ في الجامعة اللبنانية
