ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

شيرمان أليكسي (2): رقصة القيامة في نهاية العالم

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

ثمة تعبيرٌ جرى ترويجهُ في الثقافة الأميركية البيضاء منذ عشرينيات القرن التاسع عشر يقول: «لا يمكن أن تكون هندياً، لأنَّ الهنودَ مُنقرضون».

محمد مظلوم
محمد مظلوم
السبت 19 تموز 2025
بورتريه شيرمان أليكسي من تنفيذ الفنان ريك سندرون
بورتريه شيرمان أليكسي من تنفيذ الفنان ريك سندرون
الخط


ثمة تعبيرٌ جرى ترويجهُ في الثقافة الأميركية البيضاء منذ عشرينيات القرن التاسع عشر يقول: «لا يمكن أن تكون هندياً، لأنَّ الهنودَ مُنقرضون».

الهنود «كائنات منقرضة»

ومن الواضح أنَّ خلف هذا السرد الكولونيالي مسعى إلى تسويغ حتمية امِّحاء الهنود وتصويرهم «كائنات منقرضة». ومذ ذاك، أصبحت فكرة انقراض الهندي موضوعاً شائعاً في عدد من الأدبيات الأميركية.

لعلَّ أوضح نموذج لها رواية «آخر الموهيكان» لجيمس فينمور كوبر التي اقتُبستْ دراميّاً في أكثر من عشرة أفلام كلاسيكية غربية. وأصبحت فكرةُ «آخر الباقين» صورةً نمطيةً لعناوين مشابهةٍ تكرِّس فكرةَ انقراض جماعة أو نهاية ثقافة مثل: «آخر الأباتشي» كنايةً عن نهاية المقاومة التي كان يقودها زعيم الأباتشي جيرونيمو.

ومن اللافت أن الجيش الأميركي استخدم اسم هذا الزعيم ليطلقه «رمزياً» على العملية الخاصة التي استهدفت أسامة بن لادن، زعيم تنظيم «القاعدة» في عام 2011، ما أثار غضب الهنود الحمر، و«آخر الهنود الحمر» و«التوماهوك الأخير: فأس الحرب الأخيرة» و«آخر الشيروكي» و«آخر المايا» للدلالة على نهاية عالم شعب المايا بعد وصول المستعمرين الأوروبيين.

لكنّ شعب المايا نفسه لا يؤمن بـ «نهاية مطلقة للعالم» وفقاً للتصور الكولونيالي بل يتعامل معه بوصفه دورات زمنية تُنهي عصراً وتبدأ آخر، تماماً مثل نهاية عام وبدء عام جديد.

من يغفر لمن؟

في قصيدته «باوواو في نهاية العالم»، يسخر شيرمان أليكسي من الفكرة القائلة إنّ «نهاية العالم» حدثٌ درامي طارئ، بينما هي في الواقع عمليَّة إبادة متدرجة بدأت مع الاستعمار.

وتعبّر القصيدة عن احتجاج عميق يجمع بين الرمزية التاريخية والسخرية المُرّة حيث يوظف الباوواو (وهو تجمع احتفالي طقوسي تقليدي للهنود الحمر) استعارةً جماليةً للانبعاث ومقاومة الإقصاء والنسيان وإحياء الهوية وسط خَراب العالم.

يصوّر أليكسي في القصيدة، مهرجاناً للباوواو يقيمه الهنود على أنقاض سدّ قضى على أسلوب حياتهم.

إذ غمرت مياه السدود قرى وقبور قبائل الهنود. وفي الواقع، لا تتحدث القصيدة عن «نهاية العالم» بوصفها نبوءة لحدث مستقبلي، بل هي واقع عاشته القبائل مع وصول المستعمرين.

يبدأ اليكسي قصيدته بعبارة تسخر من الخطاب الديني التبشيري وتفنِّد المفهومَ الزائف لفكرة «الخلاص والغفران» التي جاء بها المستعمرون ويكرِّرُها كلازمةٍ في بداية كلِّ جُملة في القصيدة: «كثير منكم يقولون إنني يجب أن أغفرَ، وسأفعل...».

وإذ يستخدم أليكسي هذا التكرار، فإنما ليُبرز بأن الغفران لا ينبغي أن يبدرُ مِنْ أيّ من الهنود، وفي الوقت نفسه يُمثل هذا التكرار أساساً للسرد الدرامي للأحداث في القصيدة حيث يُراكم عبره الاحتجاج بلغة بسيطة ذات صور مجازية صادمة تقترب من السريالية في تصوير مشهد الفيضان المُريع لخلق تأثير عاطفي مباشر، ويسرد عبر مونولوغ درامي الأحداث التي يجب أن تحدث قبل أن يصبح الغفران الحقيقي ممكناً. وبهذا يقلب أليكسي مفهوم الخطيئة، مُشيراً إلى أن الاستعمار هو الخطيئة التي لا تُغتفر.

تبدأ القصيدة بمشهدٍ مُذهلٍ يصوِّرُ الكارثة، حيث تدفع امْرأة هنديةً بكتفها السدَّ حتى ينهار! فتجرف مياه السدِّ المنهار كلَّ ما في طريقها إلى المحيط.

ويبدأ سمك السلمون، ذو الرمزية المقدَّسة لدى الهنود، رحلةً عكس التيار: «ماراً بالمُدنِ الغارقَةِ والسُّدُودِ المُنهارةِ والنِّفَاياتِ النَّوَويّة العَائِمة» ليُركز الشاعر على سمكة وحيدة تبدأ رحلة مستحيلة ولا يستطيعُ تصوُّر إمكانية الغفران إلا بعد أن تصلَ هذه السمكة العجيبة إلى محمية الشاعر:

«كَثير مِنكُمْ يقولونَ لي إنني يجبُ أنْ أغفِرَ، وسأفعلُ
بعد أن تقْفِزَ سمكةُ السلمون في فَضاءِ الليلِ فوقَ الماءِ،
وتَرْمِي بصاعقةِ برقٍ عَلى الأدغالِ قرْبَ قَدميَّ،
فتُشعلُ النَّارَ التي ستُرشدُ جميعَ الهنودِ التَّائهين إِلى دِيَارهم
كَثير مِنكُمْ يقولونَ لي إنَّني يجبُ أنْ أغفِرَ، وسأفعلُ
بعدَ أنْ نجتمعَ نحنُ الهنودَ حولَ النَّارَ
معَ تلكَ السَّمكةِ التي ستَرْوي لنا ثلاثَ قَصصٍ قبلَ شُروقِ الشَّمسِ:
قصَّةً ستعلِّمُنا كيفَ نُصلِّي؛
وقِصَّةً ثانيةً سَتَجْعلُنا نضْحَكُ لِسَاعاتٍ؛
أمَّا القصَّةُ الثالثةُ فستمنحُنا دافِعَاً للرَّقْص».

وفي المشهد الأخير، يحتفل الشاعر بالرقص ليُعيد ترميم مشهد الخراب الذي يفتتح به القصيدة في تناقض دراماتيكي لافت، إذ يُمثّل مهرجان «باوواو» رمزاً للمّ شمل الشتات المأمول للهنود، فيُسقط رمز الإبادة الثقافية والبيئية:
«كَثْيرٌ منكُمْ يَقولونَ ليْ إنَّني يجبُ أنْ أغفِرَ، وسأفعلُ،
حينَ أرقصُ معَ قَبيلتي في احتفالِ باوواو في نهايةِ العالم»

اغتيال البطولة

كثيراً ما انتقد أدباءُ الهنود الحمر رؤيةَ الثقافة الغربية المهيمنة التي تختزل ثقافاتهم الأصلية إلى أساطير غامضة، أو رومانسية أو خيالية، أو رموز منفصلة عن سياقها العضوي بينما تمثل لأصحابها واقعاً معاشاً زاخراً بالتفاصيل المعقَّدة والصلة الروحية بالطبيعة.

ويظهر هذا التناقض بين الواقع والأسطورة أن الأدب الأميركي تستهويه رواية الهنود الرومانسيين الذين ماتوا في القرن التاسع عشر على حساب تصوير الهنود المعاصرين الذين يعيشون في محميات فقيرة أو مدن مُهمشة.

وفي قصيدته «التطوُّر» التي يُلمِّحُ عنوانها إلى الداروينية الاجتماعية للمجتمع الرأسمالي الأميركي، يسلّط أليكسي الضوء على العنصرية الممنهجة التي تحاصر السكان الأصليين وتنتهي القصيدة بلفتة ساخرة تُظهر الطريقة التي يجري بها اختزال السكَّان الأصليين إلى مجرد كائنات في متحف على حساب أفراد المجتمع الأحياء.

بين الأسطورة والواقع المعاصر

يمزج أليكسي في أعماله الأدبية بين الأسطورة التاريخية والواقع المعاصر، فيُعيد مقاربة شخصيات أبطال أسطوريين وتصويرهم في الراهن مجردين من بطولتهم وهالتهم الأسطورية وغارقين في يومياتهم العادية في مجتمع رأسمالي عنصري.

والواقع أنّ هذا التفكيك ليس تدميراً للأسطورة، بل يُعيد خلقها ككائنٍ هجين، يعيش في الهامش بين الماضي والحاضر.

ففي قصيدته «حرب دائمة»، يعمد إلى دراما زمنية يتداخل فيها الماضي بالحاضر، ليُشير إلى أنّ الحرب مستمرة بالنسبة إلى الهنود. يصوِّر «الجواد الجامح» -زعيم قبيلة لاكوتا الذي قاوم الغزو الأميركي في القرن التاسع عشر-جندياً عائداً من حرب فيتنام ليجلس في حانة:
«عِنْدَ نَفْسِ الطَّاولَةِ الَّتي كَانَ يجلسُ عِنْدَها قَبْلَ عَامَين».

وهكذا يعود «الجواد الجامح» —الرمز التاريخي للمقاومة— إلى عالمٍ استعماري حديثٍ يتجاهله ويتنكَّر لمآثرِهِ، فيتحوَّل إلى شخصيةٍ هامشية محطَّمة تسكرُ في الحانات، في استعارة لانحسار القوة الروحية للهنود.

والواقع أنّ الحانات في شعر أليكسي غالباً ما تشكل رموزاً للهروب الفاشل من الواقع، إذ يُحاول الهندي تناسي مآسيه بالإدمان، لكنَّه ينفكُّ محاصراً بماضيه.

يشي عنوان القصيدة بالعبثية، فالحرب لا تنتهي، بل تتغير أشكالها فقط: حروب عسكرية وحرب ثقافية تتمثل في محو الهوية وحرب اقتصادية تتمثل في ظاهرة الفقر في المحميات. ويؤكد أنّ الحرب ليست حدثاً ماضياً مثل معارك «الجواد الجامح» القديمة بل هي واقع آني في حياة الهنود المعاصرين ليُظهرهم يُحاربون في كل العصور. ويدين النظام الأميركي الذي يُرسلُ الهنود إلى حروبه ثمَّ يتخلَّى عنهم عند عودتهم، كما تخلَّى عنهم تاريخياً.

يرى اليكسي أنّ السخرية سمة الهنود الحمر المعاصرين، فهي محاولتهم لتحويل المأساة إلى نكتة لتصبح السخرية طقساً للبقاء. لكن النكتة نفسها تصبح مأساة.

وتعدُّ قصيدته «مفقود» نموذجاً مثالياً لأسلوبه الأثير: مزج السخرية السوداء بالمأساة، وتحويل الشخصيات التاريخية إلى رموز معاصرة.

فيظهر «الجواد الجامح» هذه المرة عاملاً في متجر بمناوبة ليلية وأجر زهيد ويخضع لقوانين العمل الرأسمالي. ويقدم هذا الزعيم التاريخي شخصاً «مفقوداً» و«غير مُعترَف بوجوده» عبر صور تجمع الرمزية والسخرية السوداء، وتعكس فقدان الهوية والتهميش التاريخي للهنود الحمر في المجتمع الأميركي المعاصر.

ويجسد الفقدان الفردي لشخصية للبطل (الجواد الجامح) فقداناً جماعياً متعدِّدَ الأبعاد، فقداناً لشعب ضاع قسراً في دوامة نظام لا ينظر إليه إلا بوصفه أسطورة أو مشكلة أو سلعة...، وفقداناً للأرض، والتاريخ، والأحلام، الأحلام المهدورة عبر هذه الاستعارة المفجعة:
«يقرُّر أنَّ أحلامَهُ انتهَتْ صلاحيَّتُها».

يكتب اليكسي مثل هذه القصائد عن تفاصيل معاصرة في حياة الهنود المعاصرين بنبرة من المفارقة الساخرة والإدانة اللاذعة في آن ليجعلها شواهد للأحياء الذين يُعامَلون كالأموات، وللأموات الذين يُسرَق تاريخهم.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك