باي باي «أم بي سي»

عام 2005، في سياق معارضة اليسار الأميركي لحكم جورج بوش، أصدر جورج كلوني فيلم «Good Night and Good Luck». أهمّ نقطة قوّة للفيلم كانت الأداء البارع للممثّل ديفيد ستراثيرن دور المذيع الأميركي إدوارد مورو الذي دخل عام 1953 في حرب إعلامية مفتوحة على السيناتور جوزيف مكارثي ردّاً على حملته الفاشية ضد المتعاطفين مع الشيوعية.
هدوء مورو واتزانه وشجاعته ذكّرتني بشكل لا واعٍ بأحد الإعلاميين العرب على الـ«أم بي سي»: المذيع العراقي جاسم العزاوي. ولئن كان الإعلام الأميركي المعارض لبوش قد امتلك ترف نقد الحرب من بعيد، فإنّ العزاوي كان بيننا على الطرف الآخر من فوهة البندقية وعدسة الكاميرا؛ ذلك عندما اغرورقت عيناه بالدموع في إحدى المقابلات عندما قال إنه تمنّى لو لم يعد إلى بغداد بعد أن شهد على حالها.
يتحدّث عامر محسن عن «حزمة الصفات» التي على الشيوعي امتلاكها كي يكون جزءاً من التحرّريين الأمميين بالقرن العشرين. في بدايات الألفية، كان هنالك حد أدنى مرادف من الصفات المكوّنة للشخصية الإعلامية أو العامّة العربية -تخيّل هنا جورج قرداحي لوهلة- كالوعي بأولوية مخاطبة واحترام جسد ثقافي وجمهور عربي من مئات الملايين، والموقف الواضح من القضية الفلسطينية، والاستعلاء على النعرات المناطقية والطائفية، واتخاذ مساحة صحية من السلطة تتيح نقدها.
تلك الشخصية لدى أمثال جاسم العزاوي (التي يحاول «التلفزيون العربي» بإدارة عزمي بشارة إحياءها في ظروف موضوعية، «غازيّة ونفطية»، مانعة) هي الفرق الأساسي بين اليوم والبارحة. يكفي هنا سرد واقعة حدثت في برنامج «على مسؤوليتي» بتقديم دريد لحام خلال موسم «مونديال 2002». حينها كان الضيف الرياضي المصري أحمد شبير، يشرح الأصول العنيفة للعبة كرة القدم خلال الغزو الدنماركي لإنكلترا بالقرون الوسطى.
ما إن وصف شبير حرب عصابات الإنكليز ضد الدنماركيين بـ«الهجمات الإرهابية كالتي يقوم بها الفلسطينيون» حتى استوقفه الضيف الآخر بالحلقة، جاسم العزاوي، معترضاً بشكل مطلق على هذا الوصف. بلى، هذه هي مجموعة «أم بي سي» ذاتها صاحبة التقرير المتصهين المخزي والذي وصف شهداء قادة المقاومة بـ«الإرهابيين الذين تخلّص العالم من شرّهم».
تلك الشخصية لدى أمثال جاسم العزاوي (التي يحاول «التلفزيون العربي» بإدارة عزمي بشارة إحياءها في ظروف موضوعية، «غازيّة ونفطية»، مانعة) هي الفرق الأساسي بين اليوم والبارحة
هنالك فصول من التحوّلات التي حصلت داخل أكبر مؤسسة إعلامية بالعالم العربي؛ من التعريب فالأمركة فالسعودة فالصهينة. أحداث الحادي عشر من أيلول والحرب على الإرهاب كانت أوّل عامل وراء هذه التحوّلات، بدءاً من تأسيس قناة «العربية» بالتوازي مع غزو العراق في خضم صمت بل دعم عربي رسمي. حينها، حاول بعض طاقم المؤسسة تقديم بيئة معارضة للغزو (كان لافتاً أن الكوميديين المصريين حامد مرزوق وطارق جلال قالا في إحدى «سكيتشات» برنامج «سي بي أم» إن الحكام العرب قد سقطت عروبتهم بعد هذا الغزو).
في النهاية، وبعد منع مسلسل «الطريق إلى كابول» واستبدال «التغريبة الفلسطينية» كمسلسل رمضان 2004 الرئيسي بمسلسل رمضان 2005 «الحور العين» (العمل الذي أراد توحيد العرب على تلك القضية الجديدة المسماة «محاربة الإرهاب») أصبح واضحاً حينها انتصار التيار الإعلامي الجديد المعارض بشكل جذري للنموذج الجهادي الطالباني. هذا التقليد لجورج بوش في عقيدة «إمّا معنا أو ضدّنا» شكّل بداية تآكل الشخصية الإعلامية العربية المستقلة.
ومع أن أحداث سوريا عام 2011 أعادت الزخم للنموذج الجهادي بشكل مربك (كان واضحاً أن MBC قد علّقت العمل بالحملة الإعلامية «الإرهاب لا دين له» خلال ذلك الوقت)، ولكن «السعودة»، وليس «الإسلاموية»، كانت التحوّل النهائي للقناة بعد انتفاضات الربيع العربي وما لحقها من نفوذ تركي وإيراني. هذا التحوّل يشبه ما حدث في تلفزيون «المستقبل» بعد اغتيال رفيق الحريري عندما تحوّلت من مخاطبة الجمهور العربي إلى قناة تنكفئ على نفسها وجمهورها الداخلي في لبنان. مرحلة «السعودة» أدّت إلى تفكّك المؤسسة كقناة عربية وتشرذمها إلى عدد من القنوات العاملة على المستويات القُطرية كالأفرع المصرية والعراقية والفارسية لـ«MBC».
انتقال الـ«MBC» إلى مرحلة التطبيع الإبراهيمي بالسنوات الأخيرة لم تكن أهمّ محطّات التحوّل في سيرة المؤسسة (ولا أكترث لحملاتها الحالية على نتنياهو). مرحلة «الأمركة» لدى افتتاح «MBC 2» عام 2003، كانت المشروع الثقافي الأكثر طموحاً من أجل تسويق النموذج الثقافي الأميركي كبديل لنموذج «طالبان»، وذلك تنفيذاً لمشروع الشرق الأوسط الجديد. تذكّرني محاولة الأميركيين تجديد النظام العربي الرسمي في ذاك الوقت بفيلم عام 1953 الساخر الإسباني، «أهلاً وسهلاً بالسيد مارشال»، الذي يحكي قصة بلدة إسبانية تقلب نفسها رأساً على عقب انتظاراً لثمار خطة مارشال في أوروبا (والتي لا تصل أبداً لتلك القرية).
تجهيزاً لنا لـ«المرحلة الجديدة»، عرضت «MBC 2» فيلماً من بطولة جوني ديب وهو فيلم «شوكولاته» الذي يتحدّث عن آثار «رياح التغيير» على بلدة فرنسية محافظة في الستينيات. من سخرية القدر أن كل تلك الوعود كانت هباء؛ «التغيير» عنى تدمير العالم العربي و«طالبان» طردت أميركا من أفغانستان وفرنسا «الحرّية» أصبحت بلداً شبه فاشيّ أخيراً، وحتى جوني ديب تبيّن أنه فاشل في حياته الزوجية!
عندما عدت إلى فلسطين عام 2016 بعد الدراسة بالخارج، شهدت على آثار الهزيمة للانتفاضات العربية.
مع أن «المحور» كان يتغنّى بالانتصار، كان واضحاً أننا -كيسار عربي- فقدنا سوريا (في حرب اليمين ضد اليمين) وأنّ كلّ ما تبقّى منها كانت الأصوات الشامية للمدبلجين الخارجة من حناجر الممثّلين الأتراك على قناة «MBC 4» النسائية. وأمّا عصر تفاهة المؤثّرين على وسائل التواصل الاجتماعي -الذي تبناه الإعلام النفطي-، فقد كان في بداياته.
بعدها بأشهر، وخلال تدريبي بإحدى المؤسسات البحثية، أرسل لي أحد الرفاق أوّل مقال قرأته في جريدة «الأخبار» (بعد سنوات من أمّيتي السياسية بسبب التلفزيون)، مقال أسعد أبو خليل ذاك الذي أدّى إلى تسيّسي جعلني أقدّر الصحافة المكتوبة -ذات الإرث العريق في لبنان- والتي تفتح أمامك عوالم جديدة خارجة عن نطاق «الأفغنة» و«الأمركة» - مقال الحرب الباردة ذاك تساءل في عنوانه: «لماذا لم يشكّل جيش شيوعي عربي (وأممي) لمقاتلة المجاهدين الأفغان؟».
* كاتب فلسطيني
