ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

«انتقام ملي»: عن القراءة العربية لإيران

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
موسى السادة
موسى السادة
الإثنين 16 حزيران 2025
الخط

إنّ ما يجعل مصطفى كمال أتاتورك شخصية فريدة هو نجاحه في استيلاد جمهورية ودولة وطنية من صلب مخاض الانهيار العثماني، وتكالب القوى الغربية كلّها على حصّة من تركة السلطنة المتهاوية. ففي مسار كان مآله الطبيعي سقوط الجغرافيا والاجتماع في الأناضول في نطاق هيمنة الآخرين، نجح أتاتورك في تأمين توليفة من القطيعة والصلة مع بقايا السلطنة التركية، وإعادة إنتاج الذات، ضمن مخياله الجديد، المتحيّز إلى الحداثة الغربية في الوقت نفسه.

المسألة هنا أن هذا الاستيلاد لم يكن ليكون لولا عامل حاسم، ألا وهو خوضه للحرب، وبشكل أدق الانتصار فيها. تكمن الفكرة هنا في أن عملية صناعة الأمم تكاد تكون، وبشكل شبه حصري، عملية حربية، وللحرب دور فيها، وليس ذلك محض صدفة. فالحرب، بطبيعتها، تفرض شكلاً من التنظيم والانضباط الاجتماعي الصارم، وتحفّز استنفار الموارد البشرية والمادية كافة، كما تتيح المجال لفرض سردية قومية وصياغة أسطورة جماعية حول الذات والآخر.

لجارنا الآخر الإيراني قصة مختلفة، فقد أعاد الإيرانيون إنتاج الذات والهوية ضمن ثورة شعبية على نظام حكم ملكي قديم. وفي مرحلة تاريخية مختلفة وبشخصية تاريخية مختلفة، هي الإمام الخميني. بدأ هذا الإنتاج بسعي حثيث لجعل الهوية الإيرانية نحيلة وأقل مركزية لصالح الأممية الإسلامية الثورية. إلا أن هذه المساعي سرعان ما اصطدمت بالحرب الإيرانية-العراقية، والتي أعادت فرض الحاجة إلى التعبئة القومية والارتكاز على البعد الوطني الإيراني.

رغم ذلك، فإنّ البعد الأممي الثوري لم يُلغ أو يتراجع بالكامل. بل شهد تعزّزاً من خلال ترسيخ مؤسساتي للأسس الفكرية الأيديولوجية الثورية والعابرة للحدود للإمام الخميني ضمن نطاق مفهوم معاداة الاستكبار ومفهوم الأمّة الإسلامية. إنّ طبيعة هذا التنظير الأيديولوجي هو ما يصعّد الخميني إلى منزلة الشخصيات الثورية الأممية الكبرى بما لا تتسع له الحصرية القومية فقط.

استمرت، خلال العقود الأربعة الماضية، العلاقة الجدلية المتجاذبة بين تصورَي الثورة الأممية والدولة الوطنية، مؤثّر أحدُهما على الآخر، ومنعكس على المؤسسات السياسية والعسكرية والاجتماعية الإيرانية في مدى بعدها وقربها من أيّ من التصورين. إلا أنّ البعد الآخر الذي ينتاب التنظير الثوري الإسلامي الأممي هو حصريته الداخلية في قطاع يرى تطلعاته من خلال الصورة المتخيّلة للهوية بخصائصها الإسلامية الاجتماعية المحافظة وفي ما تراه واجباتها الأخلاقية تجاه مفهوم أمّتها العابر للحدود.

فرض التبدّل الجيلي تحوّلات على هذا التصوّر والقطاع الذي يمثّله، من حجم اتساعه إلى أدوات تعبيره عن الذات. فقد مرّ بمسار تطعيم بعناصر الهوية التاريخية الوطنية والثقافية الإيرانية، حيث فرض الواقع السياسي التبدّل على السلطة، التي رأت نجاعة العصب الوطني في تمثيل تطلعات شرائح مجتمعية بشكل أوسع، رأت بدورها في ثورية النظام وطموحاته السياسية والاستقلالية العلمية والاقتصادية والعسكرية تجسيداً للاعتزاز القومي.

من هذه الخلفية، أصبح سؤال إيران الثورة التاريخي اليوم، في كيفية تحويل رموز الثورة ذات الطابع الحصري إلى رموز جمعية تصنع الهوية الوطنية الإيرانية المعاصرة. بتعبير آخر، كيفية التطوّر من تمثيل قطاع من الشعب إلى كله، وبشكل قابل للانتقال الجيلي الجديد ويصمد خلاله. يعيدنا جواب هذا السؤال إلى دور الحرب، حيث إن مخاض العدوان الصهيوني-الأميركي على الأمّة الإيرانية، هو معركة حفاظها على مكاسبها ومشاريعها القومية المستقلة، من البرنامج النووي والصاروخي إلى مسألة السيادة والاستقلال والأنفة، وهذا هو صلب تأسيس الهوية الوطنية.

إنّ المراقب للخطاب الإيراني الداخلي على مدى العقود الماضية، يلحظ مساراً تصاعدياً في حضور الخطاب القومي وعناصره، ولا سيما في خطاب القائد الأعلى الإمام الخامنئي، إذ يبدو جلياً أنه لا يكتفي بإدراك هذه التحولات، بل يدير إيقاعها بدقة. فهو، من جهة، يحمل أمانة الإرث الفكري والجيل المؤسّس للثورة، كونه أحد أبنائها، ومن جهة أخرى يقود عمليّة تطوّر هذا المشروع دون الانجرار نحو التسرّع أو التفريط الذي تتبنّاه التيارات الإصلاحية.

تغذّي قوى العدوان هذا التحوّل، عبر عنجهية من مستوى آخر أعمق من الغباء الاستشراقي الاستعماري التقليدي، ويتجلّى ذلك لدى كل من نتنياهو وترامب


هذا ما يجعل من السيد الخامنئي إحدى الشخصيات المحورية في التاريخ الإيراني الحديث، بمكانة لن تقل عن مكانة الإمام الخميني. فهو، كما تصفه الباحثة المتخصّصة في الشأن الإيراني الدكتورة فاطمة الصمادي، «آخر الثوريين في إيران»، وفي الوقت ذاته يمثّل رمزاً للأنفة الوطنية ومعبّراً عن الوعي الجمعي الإيراني ومخياله الذاتي.

ويُنظر إليه اليوم كقائد لحرب هذا الشعب في الدفاع عن مصالحه الوطنية، وبشهداء قادة يمثّلون حماة مكتسبات الشعب العلمية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، ومسالك تقدّمه كأمّة، بالاقتباس من تعبير الدكتور عبد الإله بلقزيز. ومن هذا المنظور، فإنّ الحرب العدوانية الصهيونية ضد إيران تمثّل، في الوعي الإيراني، لحظة مخاض في مسار هذا التطور، وتُفهم لا على أساس الشعار السياسي الذي تبنّته الدولة منذ بدء العدوان فحسب، «انتقام ملي» (أي «الانتقام الوطني»)، بل أيضاً تجسيد عملي له.

تغذّي قوى العدوان هذا التحوّل، عبر عنجهية من مستوى آخر أعمق من الغباء الاستشراقي الاستعماري التقليدي، ويتجلّى ذلك لدى كل من نتنياهو وترامب. فالأخير، بدلاً من استخدام مصطلح «نظام الملالي» ذي الدلالة الإقصائية المحددة، اختار وصف إيران بـ«الإمبراطورية»، وهو توصيف ينطوي على اعتراف ضمني بالامتداد التاريخي والثقافي العميق لإيران، بما يضيف إلى رصيدها الرمزي أكثر ممّا ينزع منه.

أمّا نتنياهو، فقد كرّر الخطأ الصهيوني التقليدي المتمثّل في الإفراط بالثقة في الفعالية الأمنية، وافتراض أنّ صدمة العمليات الاستخباراتية أو العسكرية قادرة بذاتها على زعزعة النظام. غير أنّ ما حدث هو العكس تماماً، إذ بدا نتنياهو مثيراً للشفقة وبيأس متسوّلاً انتفاضة شعبية إيرانية ضد النظام، مستنداً إلى وهم بوجود علاقة تاريخية بين الشعب الإيراني و«الشعب اليهودي»، وخياله الركيك والمتهافت، الذي يكشف معضلة الخيال الصهيوني نفسه حيث يتفاعل مع المنطقة بالتراث التوراتي القصصي ومتخلّفاً بآلاف السنين عن تبدّلات الوعي الجمعي المعاصر والواقعي لكل أمم المنطقة، ومحورية الإسلام والثورة المحمدية فيها، وعناصر هويتها الحديثة المتخيّلة المنطلقة من البيئة الجغرافية والطبيعية وتجاربها وحروبها التاريخية ضد الاستعمار.

وأيضاً، وللأسف، مفترضاً أن ردّة فعل الإيرانيين على تدمير مقدّراتهم الوطنية هي ذاتها ردّة الفعل الاحتفائية لثوار الربيع العربي في حصار وقصف بلدهم.

من هذه الخلفية تأتي قراءتنا العربية لإيران، من سؤالنا نحن التاريخي في كيفية تشييد دولتنا الوطنية وهويتها، بخصائصنا وتوليفتنا التاريخية والمعاصرة الخاصة. ومن جهة أخرى، فهم دقيق للطابع الثوري الخاص المعادي للصهيونية والاستعمار الذي يربطنا بالأمّة الإيرانية، وتشاركنا معها في المعركة والدماء والمصير فيهما، وتقدير المساهمة التاريخية للإيرانيين في حربنا جميعاً للخلاص من المشروع الصهيوني في المشرق.

ولذلك، وجب التأكيد هنا على الاستقلال الذاتي والاعتزاز به في عملية التعلّم من التجارب الوطنية والثورية المحيطة لجيراننا. وهو تأكيد مهم في ظل الخضوع السريع لواقع الضعف والعراء في العمران السياسي والاجتماعي العربي، وعليه انجرار ضعاف النفوس نحو محاولة الاستتار بافتراض الالتحاق بالمشاريع الوطنية التركية والإيرانية.

ولذلك تنتشر عربياً عوارض التصرف الطرفي لمركزية الجيران، ووهن محاولة تشييد روابط دينية وطائفية يُخيّل لأصحابها الانتساب إلى تلك المشاريع الوطنية وتخيّلها كهويات مذهبية عملاقة عابرة للحدود والاستلاب لها، وكأنك لو رقصت على أنغام مسلسل أرطغرل أو استمعت إلى لطمية فارسية فقد غسلت عارك في فتك الصهيونية والأميركيين بنا وبأرضنا. والمفارقة التاريخية هنا، أن التموضع العربي هذا بين الجغرافيا الإيرانية والأناضول تكرّر مرّات عديدة من الغساسنة والمناذرة إلى الغرق بين الدولتين الصفوية والعثمانية.

فكعربي، وإن شعرت لحالة الانبهار بالأنفة الإيرانية على شهدائهم، فأوّل سؤال هو كيف نصل إلى تلك الأنفة والحمية، وأن نتوقّف عن دورنا التاريخي بالموت فقط بأعداد بالجملة. فالأبويّة التحرّرية لدى الآخرين لن تؤدّي إلى ذلك، وإن كانت تُستخدم لتبرير الكسل في التنظير، أو بشكل أسوأ التنظير لهذه الأبوية والالتحاق، وكأنما لو كل العرب استلبوا للقوة الإيرانية وصفّقوا لها لانتهت أزمتنا التاريخية. وعليه، فإن قراءتنا للإخوة في إيران وهذه الحرب ككل، عليها أن تفضي إلى العمل التنظيري الجدّي لشكل وتصوّر مشروعنا نحن، فهنا خير المشرق وعالم الجنوب، أمم يشدّ بعضُها بعضاً، وبديهية الأمن الذاتي من أمن الجيران والعكس.

وهذه تحديداً مدرسة الشهيد الإمام السيد حسن نصرالله، القائد العربي الذي صنع ومثّل نموذج حيثيتنا الخاصة، وبدور المؤثّر لا المتأثر في المسار التحرري لنا ولإيران. وهذا ما يعيدنا إلى الحرب، فإن كانت الحروب هي ما سيصنع الاستقلال وصناعة الذات والاعتزاز بها وصون مسلك تقدّم الشعوب، فنحن كعرب، أي فرصة عظيمة وأمانة وضعها قادة وشهداء المقاومة الفلسطينية أمامنا، كملحمة تاريخية بحجم الطوفان وتحرير فلسطين لتكون حرب استيلاد أنفتنا وعزتنا وأمننا وهويتنا الوطنية، ووضع حدّ لتوارث أجيالنا لذات المذبحة؟
* كاتب عربي

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك