ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

صواريخ الجمهورية

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
عوني بلال
عوني بلال
الثلاثاء 24 حزيران 2025
الخط


المنازلة التي تجري في فضاء الأرض المحتلة منذ الثالث عشر من الشهر الجاري بين صواريخ الجمهورية الإسلامية ومضادات إسرائيل لها سيّئة واحدة؛ أنّ الإبهار الناري الذي يرافقها والعواطف التي تثيرها تحجب أحياناً أهمّ ما فيها. والأمر ليس غريباً، فأهمّ ما فيها ليس أصلاً ظاهراً فيها. أهم ما فيها كامن في ما جعل المنازلة بأكملها ممكنة في المقام الأول؛ في تاريخ هذا السلاح والعقود الطويلة التي بُذلت لإنجازه والرؤية السياسية التي واكبته، وأعطته بقدر ما أخذت منه.

يعود السؤال ليشغلني كلما رأيت المشهد المهيب من فوقي: كيف ترفع 20 طنّاً من المعادن والسوائل وأشباه الموصلات ثلاثمئة ميلٍ في الفضاء، وتحتال في تركيبها كي تعبر المسافة من أصفهان إلى حيفا في عشر دقائق وصوتُها يلهث خلفها لأنها تسبقه بعشر مرات، ثم تناور حائطاً دفاعياً واسعاً أُعدّ لها على كل ارتفاع، وتضرب -بعد كل هذا- حيث أريدَ لها أن تضرب، لا تحيد عن مرماها إلا بحسبة الأمتار.

أن تفكّر في ما استلزمه الأمر لصناعة شيءٍ كهذا. أن تفكّر بالذين كرّسوا حياتهم وبذلوا خيالهم كي يَخيطوا حيلة هندسية بهذا التعقيد ويتغلّبوا على ألف محدّد فيزيائي يأبى حصولَها... بأيديهم، وأنفسهم، ورغماً عن محاصِريهم، فهذا أهم ما في الموضوع ومدعاة خشوع لمن يؤمنون بمركزية الدور التقني في مواجهة إسرائيل.

في اليوم الأول للهجوم، اغتالت إسرائيل 6 فيزيائيين، ثم عادت في اليوم التالي لتوسع دائرة التصفيات العلمية. والأمر -رغم كثافته- ليس جديداً. منذ العام 2010 بدأت إسرائيل حرباً منهجية على المعرفة النووية والصاروخية لإيران، وقتلت علماء بكل طريقة يمكن تخيّلها (حوادث عمل مفتعلة، تفخيخ مركبات، عبوات لاصقة، قنص آلي عبر الأقمار الاصطناعية...). والأمر طبعاً أقدم من ذلك، وما فعلته إسرائيل بتصفية علماء العراق وتخريب مشروعه النووي يشهد لنهج إسرائيلي ثابت تجاه المسألة العلمية عند خصوم إسرائيل.

أحياناً، تداهمني تساؤلات مستنكَرة. أنا نفسي أستنكر نفسي وأنا أفكّر بها، لكن ذلك لا يلجم التساؤل، ويظل متّقداً بذهني لأنّ له -رغم جوانبه المنكَرة- جانباً مشروعاً ما. واحد من هذه التساؤلات داهمني وأنا أرى حملة التصفيات العلمية الأخيرة: ألا ينبغي لأصحاب الاختصاصات من خارج الفيزياء النووية وهندسة الصواريخ أن يشعروا بشيء من المهانة وهم يرون إسرائيل غير عابئة بهم؟ ألا ينبغي أن يخالجهم قلق وجودي وهم يرون أنفسهم خارج أولويات التصفية الإسرائيلية؟

سيبدو هذا هوساً بإسرائيل وإجرامها وكأنها -هي وإجرامُها- مرجع تتحدّد به معاني الأشياء وقيمة البشر. وقناعتي أنّ الأمر هوسٌ بحق، لكنه هوسٌ حميد أمام عدو كهذا. أنت تواجه خصماً عاتياً لا يستلهم عُتوَّه من حجمه الظاهر على الخرائط وإنما من القوى الكبرى التي تحمله على أكتافها. ومَن يختار أن يجعل الصهيونية حقاً مسألته المركزية يكتب على نفسه تحدّياً فائق الصعوبة، لكنه -بالوقت ذاته- يمنح نفسه محرّكاً هائلاً لمعارك نهوض علمي وهندسي لا ينتهيان.

كل دولة يمكن أن يكون لها لحظتها البارودية أو لحظتها المطبعية؛ لحظةٌ تنشأ فيها مسألة تقنية تتجاوز ظاهرَها التقني لتصبح شيئاً أكبر من ذلك وتأخذَ مكاناً في هوية الدولة وإدراك المجتمع لنفسه وتغدو محرّكه التاريخي


قبل مدّة قصيرة، تابعتُ مؤتمراً أكاديمياً عربياً حول فلسطين. أبحاث وأوراق بالعشرات لخبراء ومختصّين، وجهد يستحق التقدير في دراسة هذا العدو واقتراحات لرؤى ومقاربات لفهمه سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. لكني مرة أخرى أقع فريسة التساؤلات المستنكَرة، وأتعجّب سرّاً بنفسي وأنا أكاد أخجل من نفسي: لماذا لا تحاول إسرائيل ضرب مؤتمرات كهذه بسرب من المُسيَّرات الانتحارية، أو بتفخيخ سيارات المنظِّمين، أو بإلصاق عبوات مغناطيسية بمركبات الباحثين وهم يتوجّهون إلى مبنى المؤتمر؟ طبعاً، هم لن يفعلوا ذلك.

التصفية الجسدية والجهد الاستخباري والمخاطر المتعلّقة بالاغتيالات محشودة بأغلبها في هذه المرحلة لأصحاب نوع آخر من العلوم والاختصاص. معرفتك بالبنية الداخلية للذّرة أو أسس ديناميكا الهواء في حركة الأجسام الطائرة أو حسابات الاحتكاك على سرعات تفوق سرعة الصوت... هذه معارف تستوجب تدخّلاً فورياً لإخراجك من دائرة الوجود. المعارف الأخرى -على ما يبدو- يمكن التعامل معها بدموية أقل وميزانية أرخص.

الأمر ليس مفاضلة صبيانية لمهنة على أخرى أو لعلم على آخر. الأمر يتعلّق بإدراك قيمة التجربة التي خاضتها الجمهورية الإسلامية والتي استطاعت فيها أن تبني أداة تقنية (مشروعاً نووياً، برنامجاً صاروخياً، صناعات رادارية) هي بذاتها تعود لتخلق الرؤية السياسية وتلتحم بفكر الدولة وأفق عملها. هذه الأداة ليست أداةً وحسب بل جزء من دائرة يلتف فيها قوس الغاية بقوس الأداة فلا يعود التمييز بينهما ممكناً دوماً. وكما أنّ المشروع العلمي للجمهورية الإسلامية -بشكله وطبيعته اليوم- يَدين للثورة الإيرانية، فالعكس بالعكس، والدَّين قائمٌ بالاتّجاهين.

لأجل هذا، أستغرب كثيراً من السجال القائم حول غاية إسرائيل من هجومها الأخير: إنهاء المشروع النووي أم إسقاط النظام. يبدو التمييز غريباً، وكأنّ أحدهم يريد تغيير محيط دائرة دون أن يمسّ مساحتها، أو أن يفعل العكس ويغير المساحة دون المحيط. هذه استحالات هندسية لأنّ الأمرين -على اختلافهما- معقودان ببعض ولا يقبلان الفصل. ماذا يبقى من إيران الثورة إن تنازلت عن مشروعها العلمي الأهم؟ لا أتحدّث عن تضرّر المشروع أو حتى تدميره، وإنما التخلّي عن خوضه والتراجع عن طريقه.

اليوم، لا يكاد مسؤول في الخارجية الإيرانية يذكر مصطلح الاستقلال إلا مقروناً بتخصيب اليورانيوم. كيف التحَمَ مصطلح سياسي مجرّد بتقنية فيزيائية تخصّ العنصر الثاني والتسعين من الجدول الدوري بحيث لا يعود للأوّل (الاستقلال) معنىً دون الثاني.

ربما تكون رواية «الخيميائي» أكثر عمل أدبي كرّس لفكرة الوسيلة التي تتكشّف غايةً بذاتها. لكنّ الواقع يغلب الخيال أحياناً، وفيزيائيُّ الجمهورية الإسلامية أكثر إثارة من خيميائيِّ الرواية المذكورة، ودراسة النحو التي تحوّل فيها المشروع العلمي في إيران محوراً لحركة تاريخ البلاد هي دراسة لجانب أثير من القصة الإيرانية. لكن -وللغرابة- ما أقلّ ما كُتب في هذا الشأن.

يذكّرني كل هذا بواحدة من الأفكار الرائجة، والتي تعود بأصلها لشيءٍ كتبه هيغل عن فلسفة التاريخ. خلاصة الفكرة أنّ ثلاثة أحداث غيّرت وجه العالم: اختراع المطبعة، وتطوير البارود، وظهور المحرّك البخاري. من اللّافت أنّ أيّاً من هذه الثلاث ليست فكرة مجرّدة، فجميعها أعيان تقنية، لكنها فتحت طريقاً لانقلابات في الأفكار وانعطافاً في مصائر المجتمعات. هي طبعاً لم تولد في فراغ، فهي وليدة سياقات بعينها، لكنها كانت من الجبروت بما سمح لها أن تغير العالَمَ الذي أنجبها وتُحوِّل السياق الذي أتى بها.

هذا النمط من التأثير لم يحصل مرة في التاريخ ثم انتهى. كل دولة يمكن أن يكون لها لحظتها البارودية أو لحظتها المطبعية؛ لحظةٌ تنشأ فيها مسألة تقنية تتجاوز ظاهرَها التقني لتصبح شيئاً أكبر من ذلك وتأخذَ مكاناً في هوية الدولة وإدراك المجتمع لنفسه وتغدو محرّكه التاريخي.

عام 1972، اجتمع الرئيس الباكستاني ذو الفقار علي بوتو مع علماء بلاده النوويين وعدد من قادة الجيش، ونطق جملة أمامهم -في اجتماعهم السرّي- تحوّلت لاحقاً رمزاً مهماً في تاريخ البلاد: «حتى لو اضطررْنا لأكل العشب، حتى لو جعنا، يجب أن نحصل عليها». وقد كان.
الأمر لا يتعلّق بـ«الحصول عليها» وحسب، وإنما بمجمل التحوّل الذي عاشه الباكستانيون كي «يحصلوا عليها». قيمة مشاريع كهذه -ومنها الباكستاني والإيراني- تنبع أساساً من حصولها رغماً عن أنف العالَم، لا برضاه.

ولولا هذا العسر المرافق لها، والإبحار المستمر عكس الريح لإنجازها، لما كان لها وقعٌ حقيقي على من صنعوها ولا تحوّلت معادلاً موضوعياً لاستقلالهم. ما يعطي إيران مكانتها العلمية ليس تصنيفاً دولياً يُشترى كما تفعل ممالك النفط العربية لدينا، ولا صناعات تُستورَد من بلد المنشأ كما تفعل الممالك ذاتها. في الدعاء النبوي الشهير، يستعوذ النبي من «علمٍ لا ينفع». ولا أعرف توصيفاً أفضل لنمط العلم الذي يملأ جُلّ عالمنا العربي اليوم. إنّ العلم النافع -في ركننا هذا من العالَم- له مقياسٌ واضحٌ جداً، وبسيطٌ جداً: كم ستبذل إسرائيل في سبيل منعه، وكم من بوارج الغرب ستأتي لقصفه.

* كاتب فلسطيني

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك