ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

المعطى التاريخي لـ«تحريرها كلها قد بدأ»: قراءة في أطروحة تميم البرغوثي

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
موسى السادة
موسى السادة
الخميس 3 تموز 2025
المعطى التاريخي لـ«تحريرها  كلها قد بدأ»: قراءة في أطروحة تميم  البرغوثي
الخط


تقوم أطروحة الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي، التي يستند إليها عنوان «تحريرها كلها قد بدأ»، على دمج بين المعطى السياسي الراهن ومعطى بنية الاستعمار الصهيوني في فلسطين.

ومن النافل القول إنّ اجتهادات البرغوثي منذ بدء الحرب، وبشكل عام، أثبتت تماسكاً مقارنة مع غيره. وتحديداً في قراءة المشهدية التاريخية العامة، وإن لها، كغيرها من القراءات، ثغراتها بطبيعة الحال.

لكن السؤال الذي يبرز هنا: ماذا يخبرنا المعطى التاريخي، المستقى من التجارب التحرّرية الكبرى، عن مفهوم «بدء التحرير»؟ كيف يمكننا، عبر أدوات التاريخ، أن نفهم ماذا تعني لحظة البدْء؟ وهل نستطيع، من موقعنا في الزمن الحاضر، أن نمارس تمريناً ذهنياً ينقلنا إلى موقع المؤرّخ المستقبلي، لنفهم كيف ستُقرأ هذه اللحظة ضمن الخطّ الزمني لسيرورة التاريخ؟

من منظور مفاهيمي، فإنّ «البدْء» لا يُفهم بوصفه لحظة افتتاحية فقط، بل كنقطة تحوّل نوعية، تتوافر فيها ثلاث خصائص:
أولاً، تُدخل التاريخ في تسارع زمني حادّ.

ثانياً، تُفصح عن الطبيعة الصفريّة للصراع، لا كاحتمال أو ميل، بل كحقيقة بنيوية نهائية.

ثالثاً، تُحدث اهتزازاً حادّاً في البنية الذهنية للمستعمِر، إذ تنقلب أدواته العقلانية إلى فوضى وارتباك، ويغدو ردّ فعله محكوماً بالغرائز والعنف الوحشي، بدلاً من الحنكة السياسية. وإن استعرنا من الكواكبي، فإنّ الاستعمار هنا يدير الشؤون «بالهوى، بدلاً من إدارتها بالحكمة».

ينطبق هذا الإطار التحليلي على لحظة السابع من أكتوبر. فقد شكّلت هذه اللحظة، في بنيتها ودلالاتها، بداية مرحلة تاريخية جديدة، لا يمكن معها الاستمرار في استخدام أدوات التحليل السابقة.

إنها لحظة معيارية فاصلة، فرزت الفاعلين السياسيين والثقافيين إلى معسكرين واضحين: مَن استطاع استيعاب التسارع التاريخي والتكيّف معه، ومَن ظلّ عالقاً في أدوات ومنظورات أضحت فجأة، وفي ليلة وضحاها، بلا قيمة أو فعالية، فدخل في أزمة لم يخرج منها بعد.

يتطلّب فهم هذه اللحظة الثورية التخلّي عن فكرة العودة إلى ما قبل الحرب، أو الاعتقاد بإمكانية التهدئة وإعادة تثبيت وضع قائم على مدى طويل. إنّ مثل هذا التصوّر ليس سوى شكل من أشكال الإنكار السياسي والتاريخي.

فالسابع من أكتوبر هو، في حقيقته، لحظة ثورية، أي «نقطة حرجة» في دالّة الزمان والمكان، تغيّرت معها قيمة معامل التسارع في حركة التاريخ.

كما إنّ لحظة الإفصاح عن «صفريّة» الصراع ليست بداية الصفريّة، بل كشفٌ لما هو قائم بالفعل. الصراع مع الاستعمار الاستيطاني، في تعريفه الجوهري، هو صراعٌ صفري، غير أنّ لحظة البدء تفصح عن ذلك بشكل فجّ وحاكم. حيث تكمن المسألة في زاويتين: أنّ تسارع الزمان ينتج تسارعاً في سيرورة الحسم الصفري للمستعمِر.

والأخرى، أنّ لحظة البدء بحد ذاتها، أتت نتيجة أنّ المسار الصفري الاستعماري البطيء وصل إلى مراحل متقدّمة من برامج التصفية عبر الانزياح السياسي لليمين ومشاريع التطبيع وهو ما ولّد في نهاية المطاف «انفجار البدء».

وذلك عبر المبادرة الثورية، التي، وبجرأتها وتوقيتها، كفيلة بزلزلة منظومة الحسابات الاستعمارية، وإدخالها في طور الجنون والفوضى، بما يترافق مع تلاحم مبدئي للبنية الاستعمارية في ظل وحدة الصدمة والخطر تؤول مع الزمن إلى استنفار التناقضات البينية.

تُستقى هذه المَفهَمَة لـ«لحظة البدء» من النموذج الجزائري، الذي يقدّم معطى تاريخياً غنياً لها. يوضح الدكتور محمد العربي الزبيري أنّ أهمّية إعلان الفاتح من نوفمبر 1954 ترجع «إلى عدد من النتائج الإيجابية التي حقّقتها الثورة في ظرف قصير جدّاً بالنسبة إلى تاريخ الشعوب». فبينما استمرّ الاستعمار الفرنسي للجزائر 132 عاماً، استغرقت الثورة سبع سنوات فقط لتحقيق الاستقلال، أي ما يعادل حوالى 6% من مجمل عمره.

يستلزم بناء الإطار المفاهيمي للحظة بدء نوفمبر البحث في مقدّماتها. والتي تعكس تشابهاً يصعب القفز عنه مع المسار الفلسطيني من ديسمبر الانتفاضة الأولى مروراً بسبتمبر أوسلو وصولاً إلى أكتوبر الطوفان. فقد سبق لحظةَ نوفمبر انسداد سياسي حادّ، فانتفاضة زهيدة المطالب، فوُلد مشروع بلوم-فيوليت في الثلاثينيات، وهو مشروع قاده اليسار الفرنسي، ساعياً في منح نخبة جزائرية متعاونة حقوقاً سياسية محدودة.

إلا أنّ اليمين الاستيطاني عمل على إجهاض المشروع، رفضاً للتسليم ولو عنواناً لأي أشكال المساواة مع الجزائريين.

يرى الزبيري أنّ هذا الإخفاق كان «من حسن حظّ الجزائريين». فالمشروع، بحسب تعبيره، لم يكن سوى «مخطّط جهنّمي يهدف إلى حرمان الشعب الجزائري من حقوقه السياسية بما يمنع الحركة الوطنية من التطوّر».

لقد أدّى فشل المشروع إلى تعرية سياسات حكومة اليسار، وكشف ضعفها وعجزها عن كبح جماح المستوطنين، ما أعاد فكرة الاستقلال التامّ إلى صلب المشروع الوطني، و«تحوّل إلى خيار شعبي واسع وصلت أصداؤه إلى باريس» بتعبير الزبيري.

في محاولة لاحتواء الأزمة التي تلت فشل المشروع، أعلن شارل ديغول في خطابه بقسنطينة في ديسمبر 1943 عن رفع نسبة تمثيل المسلمين في المجالس المحلّية، ومنح الجنسية الفرنسية لأربعين ألف جزائري.

غير أنّ هذه الخطوة لم تكن سوى محاولة تحييد الغضب الشعبي ودمج الجزائر كلّياً في الجسد الفرنسي عبر امتيازات وهمية. بينما كان لسان حال ديغول أن «اقبلوا بهذا المشروع، والأربعين ألف جنسية فرنسية، أو سيكون المصير أربعين ألف جثة جزائري»، وهو ما تحقّق فعلاً في مذابح مايو 1945، التي استشهد فيها 45 ألف جزائري في قرابة أسبوع.

شكّلت هذه المذبحة نقطة فاصلة في مسار تاريخ الجزائر، إذ أغلقت باب التسوية نهائياً. انتهت عبره طموحات التيّارات الاندماجية الجزائرية، ليصعد من جديد تيّار الثورة والكفاح المسلّح.

في لحظة سياسية هي كأختها الفلسطينية التي سبقت «الطوفان» (لعلّ عنوان وفحوى مقال القائد إبراهيم مرعي، «في إعادة الاعتبار لتحرير فلسطين»، تعبيرٌ عن هذه اللحظة على أكمل وجه).

أنهت لحظةُ البدء الجزائرية الفضاءَ السياسي الذي يعمل عبره كل من تيّار الاندماج الجزائري واليسار الفرنسي؛ فضاء يشترط وجوده البطء في الوقت وفي الإخراج والإعداد.

بينما سمات الفضاء الذي تلاه: التسارع كفرصة لفرض تغيير دراماتيكي، وصفريّ فجّ متعفّف عن أي قناع، ومستعر يفتح الباب للعنف المفرط كأداة سياسية شبه حصرية.

سمات تجعل عملية الحسم للطرفين شرط وجود لكليهما، المستعمِر والمستعمَر. ونتيجة كبسولة الزمن الثوري، بين لحظتي البدء والنهاية، والوجود والفناء، محكومة بخيارات الممارسة السياسية للطرفين.

وبينما مثّل نموذج الجزائر كبسولةً زمنية صغيرة بالمقارنة مع الحدث الكوني لفلسطين ومقارعة الصهيونية، فإنّ القواعد التاريخية الأساسية هي ذاتها، رغم اختلاف شكل تمظهرها التاريخي اليوم وبقيمة تسارع أكبر.

فقد انتهى الفضاء التسووي، ولن تتّخِذ الهدن ومشاريع «الحلول»، مهما كانت عناوينها أو كثرت، سوى طابع الحسم من بين: التطبيع الإبراهيمي والاستيطان والضم والترانسفير والتهجير. وهو ما يغذيه الظرْفان الداخلي الأميركي والإسرائيلي، بينما يعْلق الأوروبيون في اللحظة الزمنية السابقة ما أسهم في ضمور، إلى انعدام، وزنهم في المعادلة.

ويلتحق بهما الذيل، أي النظام الرسمي العربي، العالق بين ضررين، اللا-حلّ والحلّ نفسه، وتداعياتهما عليه، وعلى عقار حكم كل نظام.

تصل بنا محاولة المَفهَمة هذه إلى أنّ ما بعد لحظة البدء، مدة تاريخية معلّقة، وفرصة خطيرة ومصيرية؛ فالحسم الصفري هو في الاتجاهين بين نهاية النظام الصهيوني أو تسيّده الكامل ــــ الجغرافي والديموغرافي بين النهر والبحر، والسياسي والعسكري من الخليج إلى المحيط. وبالنسبة إلينا، ما نعبّر عنه، بإلحاق تحريرها بالبدْء، ما هو إلا لأنّ ذلك مشروعنا وخيارنا الوحيد غير الممكن سواه، ما لم نخذل بعضنا بعضاً، أو نكرر أخطاء العامين الأوّلين.

فنحن لا نزال في أول الزمن الثوري في مساحة العمل بين لحظتي البدء والنهاية، وفيها، الأخطاء والتراجعات، كما المنجزات، أمرٌ حتمي، فهي من تعريف جدليّة التاريخ نفسها وشدّه وجذبه ذاته.

إنما النتيجة النهائية، وشكل لحظة النهاية، رهنٌ بمن يتعلّم من أخطائه بشكل أفضل، ويراكم من منجزاته بشكل أكبر، وبصمود وصبر أجلد من الصخر، ويصون بنيته الروحية والإيمانية التي من مقتضياتها الإصرار على القول إنّ «تحريرها كلها قد بدأ».

* كاتب عربي

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك