نتنياهو يضع الحرب أمام مفترق طرق

يقف الاحتلال الصهيوني بعد عدوانه على إيران أمام مفترق طرق حاسم: إمّا أن يذهب إلى وقف كامل للحرب على غزة، وإمّا أن يعود مجدّداً إلى تصعيد إقليمي واسع. والمحدّد الأهم في ما سبق هو مصالح نتنياهو السياسية، لأنه لا يزال اللّاعب الأساسي الممسك بكل أوراق اللّعب داخل الكيان الصهيوني.
فلقد أثبت 21 شهراً من الحرب أنّ كل أطياف المعارضة الصهيونية، وكل مؤسسات الدولة العميقة، والتحرّكات الجماهيرية الصهيونية كافة، أضعف من التأثير بموقف نتنياهو وتغيير مساره. وظلَّ طوال المدّة السابقة قادراً على التلاعب بمكوّنات الائتلاف الحاكم ومكوّنات المعارضة، للسيطرة على مقاليد الأمور، رغم أنّ كيانه عاش تحت قيادته أصعب هزيمة في تاريخه في السابع من أكتوبر 2023.
لكنّ نتنياهو يدرك أنّ هناك انتخابات قادمة لا محالة في 2026 كأقصى حدّ، فلماذا ينتظر حتى اللحظة الأخيرة إذا وجد توقيتاً أفضل يضمن فيه فوزاً مؤكّداً، ومن هنا بدأ الحديث عن انتخابات مبكرة.
هذه الانتخابات المبكرة تخلّصه من ضغوط شركائه المهووسين كسموتريتش وبن غفير، وشركائه الانتهازيين كـ«شاس» و«يهوديت هتوراة»، ويجدّد شرعيّته السياسية، فمَن ذا الذي سيحمّله مسؤولية الفشل إذا أعاد الجمهور انتخابه، وكل هذا بشرط أن يضمن الفوز، والقدرة على تشكيل حكومة جديدة.
المدّة القادمة ستعني صهيونياً: إمّا انتخابات مبكرة، أو جبهات حرب مفتوحة. ذلك ما لم يتغيّر أمرٌ جوهري في المعادلة القائمة حالياً
جاءت لحظة ضرب المشروع النووي الإيراني ليروّج نتنياهو لإنجاز غير مسبوق، وهو ما أدخل الجمهور الصهيوني في حالة نشوة، أعادت لنتنياهو كثيراً من الثقة. لكنها ثقة سطحية، سريعة الذوبان، لأنّ الحقيقة ستظهر قريباً، وأُولى بوادرها كانت في تصريحات ليبرمان عن أنّ الحرب مع إيران انتهت بطعمٍ مُرّ، لأنها انتهت دون اتفاق، يقصد -في ظني- دون تمكين الاحتلال من استباحة إيران.
هذه الثقة جعلت أسهم نتنياهو ترتفع في استطلاعات الرأي، وهو ما يرجّح ذهاب نتنياهو إلى انتخابات مبكرة تستغلّ الإنجاز المزعوم ــــ حجمه لم يظهر بعد، وتصريحات نتنياهو غير موثوقة، فلقد أعلن عام 2021 قضاءه على نخبة حماس ومترو أنفاقها، لتظهر الحقيقة المدوية بعد عامين فقط.
إذا قرّر الذهاب لانتخابات مبكرة، فإنه سيوقف الحرب على غزة، وسيذهب لاتفاق يُعيد الأسرى، وإذا أصرّت حماس على موقفها سيضمّن الاتفاق إلى حدّ كبير كثيراً من شروطها التي أصرّت عليها (لا ينفي ذلك أنّ خداع الصهيوني ومراوغته ومماطلته حاضرة دائماً).
لماذا هذا مؤكّد؟ لأنّ الاستنزاف الغزي طويل الأمد سيظلّ جرحاً مؤلماً لنتنياهو، يقلّص من إنجازاته التي يروّج لها، وسيجعل «فشله الذريع في غزة» محور الدعاية المضادة له. كما سيظلّ ذلك الاستنزاف ضاغطاً على جنود الاحتياط وأُسرهم، وعلى المؤسسة الأمنيّة برمّتها، خاصة أنّ الكيان لا يملك نهاية زمنية واضحة للعدوان.
المشكلة الغزية ستظلّ حاضرة سواء اختار نتنياهو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وبالتالي سيسارع للفرار منها بإنهاء الحرب عليها، أو لم يختر الانتخابات المبكرة، واضطر لتأجيلها لعجزه عن الفوز، حينها سيسارع للفرار من حرب غزة بفتح جبهات جديدة تُغطي عليها.
وسيجد من المبرّرات الكثير، فليس أسهل من التبرير، لكنّ الحقيقة أنه سيختار الذهاب إلى هذه الجبهة أو تلك، فقط لتقديره بأنها الأقلّ تكلفة، إنجاز بدون خسارة، أو خسارة يمكن تبريرها للجمهور الخائف من خطر الزوال.
المقصود أنّ الحرب لن تقتصر على غزة وحدها، فالحرب عليها فشل لا إنجاز فيه، ووقفها يعني سقوط حكومة نتنياهو وذهابه إلى المحاكمة بشكل أسرع وأسهل، ويعني لجنة تحقيق تحمّله فشلاً ذريعاً، ليس لما جرى في السابع من أكتوبر فقط، وإنما لعجزه عن القضاء على حماس والمقاومة. هذا يعني أنّ المدّة القادمة ستعني صهيونياً: إمّا انتخابات مبكرة، أو جبهات حرب مفتوحة.
ذلك ما لم يتغيّر أمرٌ جوهري في المعادلة القائمة حالياً، مثل تحييد نتنياهو، أو وقف التسليح الأميركي، أو تفكّك قوات الاحتياط.
والجبهات التي يمكن لنتنياهو فتحها كثيرة؛ يمكن أن يصعّد من عدوانه على لبنان، بذريعة القضاء على ما تبقّى من قدرات حزب الله، ويغلب على ظنّي أنّ استمرار عدوانه الحالي مؤشر إلى استعداده للحرب على هذه الجبهة.
ويمكن أن يصعّد من عدوانه على سوريا وصولاً إلى إعادة تفكيكها إلى دويلات طائفية موالية له، أو متناحرة في ما بينها، وقد سبق لسموتريتش أن صرّح بذلك، ولا ينبغي الاستخفاف بتصريحاته أبداً.
كما يمكن أن يعود إلى المواجهة مع إيران، بذريعة أنّ الحرب لم تحقّق كامل أهدافها، وفي تصريحات وزير الحرب كاتس بالأمس عن أمره لقوات جيشه بإعداد خطة متعلّقة بمواجهة إيران مؤشّر دقيق ينبغي أخْذه بالحسبان. تبقى كذلك جبهة اليمن حاضرة إلى حدّ ما، وقد يذهب الاحتلال لتوسيع العدوان عليها، خاصة مع عجزه عن فكّ الارتباط بينها وبين جبهة قطاع غزة.
ما سبق يجعلنا ندعو كل المكوّنات التي يمكن أن تكون هدفاً للاحتلال إلى مزيد من الاستعداد والحيطة والحذر، ومن الجيّد أن تمسك تلك المكوّنات بزمام المبادرة، وتباغت العدو قبل أن يضربها. والعاقل لا يدخل شجاراً ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، لكن إن فرض عليه يجب أن يكون أوّل من يضرب، ويجب أن يضرب بقوّة، وفي المنطقة الأكثر إيلاماً لعدوّه.
الكيان الصهيوني حقّق نجاحاته دائماً عبر امتلاكه للمبادرة، فإذا ما افتقدها ستكون خسارته كبيرة، وهو ما يجب أن تنصبّ عليه جهود محور المقاومة. ويحتاج ما سبق إلى مزيد من تنسيق الجهود، وتحييد الخلافات، والتحرّك ككيان واحد، لا ككيانات متفرّقة.
هل ما سبق مؤكّد؟ربما، وربما تأتي الرياح بما هو مختلف، فمن ذا الذي توقّع في السادس من أكتوبر 2023، كل ما جرى حتى اللحظة؟!
* كاتب فلسطيني
