أنطون سعادة... تتغيّر الأدوات والغاية ذاتها [1/3]: مؤامرة الجميزة بصيغة جديدة

![أنطون سعادة... تتغيّر الأدوات والغاية ذاتها [1/3]: مؤامرة الجميزة بصيغة جديدة](https://media.al-akhbar.com/store/archive/image/2025/7/7/90396eac-c91b-4611-9a11-7a0c6c754b52/2.jpg?width=1200&format=jpg)
سياسة إلغاء فكرة العداء للمشروع الاستيطاني الصهيوني في لبنان هي نهج ثابت في السياسة الرسمية اللبنانية منذ قيام ذلك المشروع على أرض فلسطين. في الماضي كانت الغلبة دائماً للحكام الذين جندوا علاقاتهم الدولية والعربية لاجتثاث كل تنظيم مقاوم في بنيته ونهجه. وما يحاولون اليوم تنفيذه بأوامر غربية وعربية هو عملياً تنفيذ لتمنيات ومطالب صهيونية ملخّصها: إذا لم تستطيعوا سحق المقاومة فنحن سنتولى الأمر! وكما جرت عوائد النظام السياسي اللبناني عند تعرضه لأي اهتزاز وخطر وجودي، فإنه يلجأ إلى الاستعانة بقوى عربية ودولية، بل حتى بإسرائيل، لإنقاذه.
هذا الاعتقاد المذكور أعلاه تثبته أحداث سبق أن وقعت في لبنان. وعلى سبيل المثال لا الحصر، حدث مع صعود التيار الناصري في الخمسينيات من القرن الماضي ورغبة كميل شمعون في التجديد والالتحاق بحلف بغداد، أن انفجر الوضع. فسارعت السلطة إلى الاستعانة بالبحرية الأميركية التي وصلت إلى لبنان، وتدفق السلاح الإسرائيلي والإيراني، وكانت الطائرات الإيرانية تنقل السلاح ليلاً حيث تطفأ أنوار مدارج المطار وينقل السلاح إلى أنصار شمعون (راجع كتاب رؤوفين أرليخ «المتاهة اللبنانية»).
في ذلك الوقت كان السلاح الإيراني شرعياً ومرغوباً به لأنه كان موجهاً إلى صدور اللبنانيين. بعد جولات من القتال تمت تسوية الوضع وأنقذ النظام اللبناني بتسمية فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، وهو الذي كان ينتظر على أحرّ من الجمر وصوله إلى كرسي بعبدا منذ سقوط بشارة الخوري عام 1952. وطويت صفحة قتال 1958 بتسوية بين مصر والولايات المتحدة الأميركية.
بعد سنوات قليلة، واجه النظام اللبناني أزمة جديدة أكثر خطورة تمثلت في وجود قوي للمقاومة الفلسطينية في لبنان بعد اتفاقية الطائف التي شرّعت ذلك الوجود والتي باركها سراً فؤاد شهاب. الانتشار الفلسطيني مزق بنية النظام الطائفي اللبناني بعد أن التحقت أعداد ضخمة من اللبنانيين بالتنظيمات الفلسطينية. هذا الوضع المستجد استنفر الصهاينة وتم التخطيط لتفجير حرب أهلية بالتعاون والتنسيق بين قسم من اللبنانيين ودعم قوى غربية وعربية.
وبما أنه لا ضرورة في هذه العجالة لتكرار أحداث تلك الحرب التي أدت إلى احتلال الجنوب والعاصمة بيروت، إضافة إلى المجازر التي ارتكبت، ثم هزيمة الاحتلال وطرده... فالمتعارف عليه أن شرارة تفجير تلك الحرب أشعلتها جريمة عين الرمانة في 13 نيسان 1975 عندما أعدّ مسلحو حزب الكتائب اللبنانية كميناً لحافلة كانت تقل مجموعة من الفلسطينيين العزّل من السلاح، العائدين إلى مخيم تل الزعتر في الضاحية الشرقية بعد مشاركتهم في احتفال فلسطيني، فسقط منهم عشرات الشهداء.
هناك تشابه كبير ما بين ملاحقة وحصار سعاده وحزبه عام 1949، والحصار الذي تتعرض له المقاومة وبيئتها اليوم. السبب هو فلسطين
كانت «الكتائب» أداة تفجير الحرب الأهلية ووسيلة نشرها، وهي ذات سوابق في مثل هذه الأدوار. فهي التي ارتكبت جريمة الهجوم مساء 9 حزيران 1949 على مكاتب جريدة الحزب السوري القومي الاجتماعي «الجيل الجديد» في الجميزة، والتي أعقبها مباشرة في أقل من ساعة هجوم وحدات من الجيش والدرك على منزل زعيم الحزب أنطون سعاده ومركز الحزب في بيروت. وشمل الهجوم جميع الأراضي اللبنانية حيث تم اعتقال نحو 700 عضو في الحزب بناءً على خطة جرى وضعها سلفاً تهدف إلى التصفية الجسدية لزعيم الحزب واجتثاث فكره من لبنان.
هناك تشابه كبير ما بين ملاحقة وحصار سعاده وحزبه عام 1949، والحصار الذي تتعرض له المقاومة وبيئتها اليوم. السبب هو فلسطين. بالنسبة إلى قضية قتل سعاده وملاحقة أعضاء حزبه لا بد من العودة إلى بداية الصراع بين الحزب بقيادة سعاده والسلطة. عاد سعاده إلى لبنان في 2 آذار 1947 بعد نفي قسري دام تسع سنوات ونيف، ماطلت السلطة في السماح له بالعودة، ورفضت إصدار جواز سفر باسمه، وفي نهاية الأمر رضخت.
في يوم وصوله مباشرة أعلن في خطاب عودته أن «إنقاذ فلسطين هو أمر لبناني في الصميم». وقد وقع ذلك الكلام كالصاعقة على رؤوس قادة الحكم الذين كانوا يتفاوضون سراً مع العدو، لذلك صدرت بحقه مذكرة توقيف بعذر كاذب وهو التجني على الكيان اللبناني، لكن السبب الحقيقي كان موضوع فلسطين.
بالعودة إلى مؤامرة الجميزة التي جرت أحداثها في مثل هذه الأيام من عام 1949، لا بد من الإشارة إلى حدثين سبقا المؤامرة، وكانا سبباً أساسياً وحيداً لتنفيذها بالتنسيق بين «الكتائب» والسلطة. الحدث الأول وقع في 10 أيار حينما دخلت قوة عسكرية سورية بقيادة أكرم طبارة الأراضي اللبنانية وحاولت اعتقال الفلسطيني كامل الحسين ونقله إلى دمشق، لكنه حاول الهرب فأردي قتيلاً. وكان كامل الحسين أحد أبرز سماسرة بيع الأراضي في الجنوب والجليل إلى الوكالة اليهودية.
وبعد قيام دولة إسرائيل انتقل للعيش في لبنان وكان يتمتع بعلاقات ممتازة مع سياسيين لبنانيين أمثال رياض الصلح الذي منحه هوية لبنانية، وأحمد الأسعد وعلي العبدالله وغيرهم من أصحاب الأملاك في الجنوب والجليل. والجدير بالذكر أنه سبق لسلطات الاحتلال الفرنسي أن منعت كامل الحسين من دخول أراضي الانتداب الفرنسي بسبب نشاطاته في مجال بيع الأراضي في جنوب لبنان.
فجّر حادث مصرع الحسين العلاقات اللبنانية - السورية، واعتقل الضابط طبارة وجنود الفرقة التي يقودها. وشنت الحملات الإعلامية بين البلدين. وشكّل سعاده لجنة قانونية للتحقيق في ملابسات الحادث، ونشرت جريدة «الجيل الجديد» ما توصل إليه التحقيق بتأييد العملية السورية، وكان ذلك الموقف من المواقف اللبنانية القليلة.
وجاء رد فعل السلطة المزيد من التضييق على نشاطات سعاده، وتهديد أصحاب الصحف والطلب منهم عدم نشر أي بيان بقلم سعاده أو ما يصدر عن الحزب. لكن الأزمة انتهت بالمصالحة وتبويس اللحى على الطريقة العربية بعد تدخل مصري وسعودي. وكان ذلك مؤشراً إلى الدور العربي المشبوه الذي سيتضح لاحقاً.
(غداً: محاربة «الهوس» بفلسطين)
