أنطون سعادة... تتغيّر الأدوات والغاية ذاتها: قتل سعاده لم يَقتل روح المقاومة [3/3]


عام 1949، واصلت السلطة اللبنانية حمْلتها على القوميين بشكل متصاعد، وأقدمت على طرد جميع الموظفين القوميين من وظائفهم واتهمت الحزب بالتعاون مع إسرائيل لقلب نظام الحكم، وعمّمت الاتهامَ الصحفُ المصرية وبصورة خاصة «الأهرام» و«La Bourse égyptienne» وكذلك «راديو الشرق الأدنى» الذي كانت تشرف عليه المخابرات البريطانية.
في الرابع من تموز سنة 1949، أصدر سعادة بلاغ الثورة القومية الاجتماعية الأولى، الذي يُعتبر بمثابة البرنامج السياسي للحزب في ذلك الزمن العصيب. شرح سعادة في إعلان الثورة تفاصيل الأحداث منذ مؤامرة الجمّيزة.
استناداً إلى تقرير سرّي كتبه الوزير الفرنسي المفوّض في لبنان أرمان دو شايلا في 15 تموز 1949 ووجّهه إلى وزير الخارجية الفرنسية روبرت شومان، فإنّ القرار النهائي السوري بتسليم سعادة إلى لبنان اتّخذ في 2 تموز وأُبلغ إلى وفد لبناني قدِم خصّيصاً إلى دمشق.
ويؤكّد دو شايلا، في سلسلة تقارير كتبها في شهر تموز، أنّ السعوديين والمصريين، إضافة إلى رئيس الوزراء السوري محسن البرازي، كان لهم الدور الأساسي في إقناع حسني الزعيم بتسليم سعادة (Centre des Archives Diplomatique de Nantes, Beyrouth Ambassade, B 268).
تعدّدت الروايات حول أين وكيف اعتقل سعادة؟ البعض، أمثال بشارة الخوري وفريد شهاب، يدّعي أنّ الأمن السوري سلّم سعادة إلى وفد عسكري لبناني على الحدود اللبنانية – السورية. كما اعترف الاثنان بأنّ حسني الزعيم اشترط على الحكومة اللبنانية أن يُقتل سعادة عند الحدود. وفي رواية أخرى، أعادت نشرها جريدة «البيرق» في 20 آب نقلاً عن مجلة «الجمهور» بعنوان «تحت جنح الظلام»، جاء ما يلي: «وفي ليلة ليلاء استدعى حسني الزعيم مدير الشرطة والأمن السيد أديب الشيشكلي وأبلغه رغبته في التخلّي عن أنطون سعادة وتسليمه إلى لبنان، فتردّد السيد الشيشكلي قائلاً إنه يعتبره لاجئاً سياسياً فلا يجوز اعتقاله، وكل ما يجوز هو أن يُجبر على مغادرة الحدود إلى البلاد التي يختارها».
«وفي اليوم التالي صدر أمر بعزل الشيشكلي واستبداله بالسيد الأسطواني. وفي نفس الليلة كان مدير الشرطة الجديد يدق باب السيد عصام المحايري ويطلب مواجهة سعادة. فأبلغه إنّ الزعيم يودّ مقابلته ليلاً، فاستغرب أنطون سعادة الأمر. ورغم الشكوك التي أخذت تراوده قَبِل بمرافقة مدير الشرطة إلى منزل الزعيم. ولكنه عند وصوله إلى بيت الزعيم فوجئ بوجود قائد الجيش اللبناني وقائد الدرك اللبناني ومدير الأمن العام اللبناني إلى جانب حسني الزعيم وحده وأركان حربه.
وعندها تقدّم قائد الجيش اللبناني لإلقاء القبض على سعادة فقال له سعادة: إنني في أرض سورية وفي ضيافة الجيش والحكومة السورية ولن أسلّم نفسي إلا بناءً على طلبهما. فما كان من حسني الزعيم إلا أن أمر أحد قوّاده بالقبض عليه وتسليمه. فأخرج سعادة من وسطه المسدس الذي أهداه إليه حسني الزعيم شاكراً».
وبغضّ النظر عن مكان اعتقال سعادة، فإنّ من سمّاه فريد شهاب «الضابط الكبير»، والذي رفض تسميته وكان ضمن الوفد العسكري المكلّف بجلب سعادة إلى لبنان، والذي قال له عندما توقّف الرتل الذي كان ينقل سعادة بالقرب من عنجر: «معي أوامر بتصريفو، شو رأيك؟» (حديث فريد شهاب مع مجلة «صباح الخير») كان قائد الجيش فؤاد شهاب وقد جرى التستّر على الاسم لثلاثة عقود ونيّف من الزمن.
وقع المتآمرون في ورطة لأنّ اتفاقهم مع حسني الزعيم كان يقضي بقتل سعادة على الحدود، لذلك سارعوا إلى قتله «قانونياً» بمحاكمة استغرقت بضع ساعات وجرى التنفيد فجر 8 تموز 1949 بعد توقيع كل من بشارة الخوري ورياض الصلح ومجيد أرسلان على مرسوم الإعدام.
صحيح أنّ رياض الصلح كان رأس حربة المخطّط لقتل سعادة ويتحمّل وزر الجريمة، إلا أنّ جريمة الآخرين الذين وقّعوا على قرار القتل توازي جريمته، فالكل قتلة. هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ فريد شهاب أكّد (حديثه إلى «صباح الخير») على حقيقة أنّ جميع أهل السلطة كانوا مشاركين وموافقين على القتل.
يظهر بوضوح، عبر سرد مجريات الأحداث التي أدّت إلى اغتيال أنطون سعادة، أنّ النظام اللبناني بأطرافه الطائفية كافة المشاركة في الحكم، لا يزال، رغم مرور كل هذه السنوات، غارقاً في التجاهل التام لخطر المشروع الاستيطاني
ورغم قيام فريد شهاب بإحراق جميع الوثائق شديدة الحساسية والخطورة التي حفظها في أرشيفه بحجّة أنه «لا يريد توريط أسرته فيما بعد»، كما أبلغتني ابنته يمنى عندما كنت أراجع ملفات والدها... لكن لحسن الحظ نجت وريقة صغيرة الحجم من التلف تشير إلى مستوى السفالة والإجرام عند أهل الحكم. جاء في تلك الوثيقة التالي: «بعد صدور الحكم جمع (المقصود بشارة الخوري) حبيب أبو شهلا كزعيم للأرثوذكس وغبريال المر ورياض وقال إنّ لجنة العفو صدّقت الحكم فما رأيكم؟ رياض نفض سترته وقال أنا لا أحب الإعدام. حبيب قال: بالناقص عكروت ووافقه غبريال المر» (أوراق فريد شهاب، مركز الشرق الأوسط، معهد سانت أنطوني، جامعة أوكسفورد).
وفي صباح يوم 8 تموز أيضاً دفع لبنان ثمن التوقيع على اتفاقية اقتصادية مع سوريا وكان ثمنها «رأس أنطون سعادة». وهذا ما أشار إليه تقرير سرّي فرنسي بتاريخ 11 تموز 1949 نقله مخبر أثناء لقاء مجموعة من السياسيين والصحافيين في بيت مري، إذ نقل أحد الحاضرين عن كميل شمعون قوله: «دفع الحكم غالياً ثمن رأس سعادة للحفاظ على الخيط (أي خدمة مصالح الشيخ فؤاد الخوري وآل عريضة وآل عسيلي) ووقع الاتفاق الاقتصادي المقترَح من السوريّين».
لم يكن اغتيال سعادة مجرد تصفية جسدية لشخصية معارِضة، بل كان محاولة تصفية سياسية وفكرية لحركةٍ رأت في الكيان الصهيوني خطراً وجودياً، ورفضت التسويات، ودعت إلى نهضة جذرية تُغيّر واقع التبعية والتفكّك، وتحمل مشروعاً وحدوياً علمانياً تحرّرياً. وكان قتلُه رسالةً إلى كل من تسوّل له نفسه تحدّي المنظومة الطائفية التابعة، أو التجرّؤ على تجاوز «الخطوط الحمر» المرسومة دولياً وإقليمياً.
يظهر بوضوح، عبر سرد مجريات الأحداث التي أدّت إلى اغتيال أنطون سعادة، أنّ النظام اللبناني بأطرافه الطائفية كافة المشاركة في الحكم، لا يزال، رغم مرور كل هذه السنوات، غارقاً في التجاهل التام لخطر المشروع الاستيطاني. النظام بعهوده كافة، باستثناء تمايز واضح صبغ عهد الرئيس لحود، هو عاجز عن بناء قوة ردع للاعتداءات الصهيونية بأوامر من الغرب. المسموح له فقط الاهتمام بقوات قمع داخلي في حال تعرّضت البنية الطائفية إلى الخطر. لذلك يتّضح اليوم أنّ هاجسه الأساسي يتلخّص بالخلاص من القوة الردعية للمقاومة اللبنانية... وعلى عينك يا تاجر. تسأل من يدافع عن البلد، يأتي الجواب: الديبلوماسية. ليس هناك بلد في العالم على هذا القدر من الإذعان والخضوع للإرادات الأجنبية التي هي تعبير واضح عن الأهداف الصهيونية. غياب سعادة الجسدي لم يلغِ، كما توهّموا، انتشار أفكاره في أجيال جديدة. وما زرعه الشهيد حسن نصرالله من روح المقاومة والصمود في لبنان لم يدفن باستشهاده. وكما قال سعادة: «طريقنا شاقّ وصعب لا يسلكه إلا الجبابرة أصحاب الأكتاف القوية تحمل قضية كُتب لها النجاح لأنها قضية حق».
* كاتب لبناني
