شكراً «غريتا»، ولكن…


في نهايات عام 2019، بينما على الغالب كان فيروس «كوفيد» في بدايات تفشيه ونحن لا ندري، وبينما كان الرجل الذي يحكم أميركا الآن يخطط لاغتيال قاسم سليماني ونحن لا ندري، كنت أتمشى في خضم برد مدريد القاسي في جامعة «كومبلوتنسي» الإسبانية، بجانب كلية الهندسة الجوية والفضائية. حينها باغتتني جدارية: «غريتا لن تنقذنا بل الاشتراكية».
علينا بداية الاعتراف بشكل عام بحسن نية الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ. 2019 كان عاماً لعيناً بامتياز، بل فيه شخصياً أنهيت صداقات عدة. 2019 كان عام الجذرية المزيفة والتظاهر الكاذب بممارسة السياسة. حينها كانت هنالك ألف قضية بائخة وخاوية المعنى، وكان بإمكان غريتا ثونبرغ ببساطة أن تختار أحدها، ولكنها على الأقل فضلت أن تختار القضية العلمية الحقيقية للتغير المناخي.
من الكليشيه الاكتفاء بجملة: «ليست المشكلة بغريتا ثونبرغ، بل هي في من حولها»، لذلك سأشرح الموضوع بشكل أعمق. في مقال سابق، يكتب عامر محسن عن ظاهرة «براعة الرقص» عند نخب الثورة المحلية والأجنبية في بيروت. لا نقول هنا إن هؤلاء «غرباء الأطوار» بسبب الطريقة التي يمارسون فيها «الحريات الاجتماعية». في العادة يُفهم خطأ أن نقد اليسار التقليدي لهؤلاء يأتي من موقع المزج بين المحافظة الاجتماعية والتقدمية في معاداة الإمبريالية والمسألة العمالية (خاصة إن كان اليساري قروياً وافداً إلى المدينة).
ليس من الدقة تعميم هذا الأمر. نقد «غرابة أطوار» النخبة الليبرالية، خاصة المقيم الحقوقي الأوروبي في بلادنا، لا تأتي في الضرورة من رد فعل محافظة وعاطفية، بل تتمخض أحياناً عن تفكر بارد وفلسفي بمادية المجتمعات الرأسمالية المتأخرة. لنضع جانباً نقد الرقص، والشرب، واستهلاك المخدرات، والحياة الجنسية. سأعطيكم مثالاً بسيطاً يثبت غرابة أطوارهم حتى في السياق السياسي. في الساحة المركزية لقرية النبي صالح عام 2018، وبعد خروج عهد التميمي من الأسر، راقبت هؤلاء الناشطين والأجانب بحذر وتأنٍّ -تماماً كما راقبهم عامر محسن في بيروت وهم يرقصون- كيف يطوفون حول عهد، وكأنها قد نزلت للتو من السماء، حينها أدركت ما تمت إدانته في عدد من النصوص الفلسفية الغربية قبل الشرقية، خاصة لدى عالم النفس السويسري كارل يونغ: إن لم تختر أن تؤمن بإله في السماء، فسوف تبحث عن شيء أو شخص تقدّسه على الأرض.
عندما ندرك أن هؤلاء الغربيين -كتعويض عن نقص روحي- اعتادوا تقديس الناشط اليافع أو الطفل، مثل عهد التميمي، ملالا يوسفي، وغريتا ثونبرغ، فإنّ الموضوع لا يعود شأناً شخصياً في ممارسة «الحريات الفردية»، بل يصبح الموضوع يخصنا جميعاً كونه يتعلق بالخلل الجسيم في ممارسة اليسار للسياسة.
ظاهرة «غريتا» بزغت في حقبة كانت فيها الطبقة الوسطى حول العالم تعاني من مرض نفسي جماعي وغرائبي (قدوتهم الأخرى عام 2019 كانت «الجوكر» كما قدّمه الممثل خواكين فينيكس)
منتقدو «طائفة غريتا» دائماً ما كانوا يواجهون اتهامات باطلة بالذكورية. المشكلة في العمر، ليست في النوع الاجتماعي. حسناً فعل اليسار لو جعل أيقونته روزا لوكسمبرغ أو جاكلين أسبر أو العالمة النووية المصرية سميرة موسى، لكن الطفلة غريتا؟ من الصعب تصديق أن اليسار المتحدر عن انتفاضات 2011 العربية وانتفاضات «احتلوا وول ستريت» الغربية قد انحدر به المستوى إلى تنصيب «طفلة» كمتحدث عن ثورة الطبقة الوسطى العالمية.
أمّا بالنسبة إلى أسطول الحرية إلى غزة، فهو من ناحية مجهود «لطيف» وربما علينا أن نشكر من شارك فيه عن حسن نية وأولهم غريتا ثونبرغ. لكن علينا أن نفهم أنه في حقبة «ما بعد المقاومة»، هذا هو صنف «الإسناد» الأليف والمقبول اجتماعياً وسياسياً الذي تريده لنا نخبتنا العربية الليبرالية.
عندما يقوم محمد سامي الكيال مثلاً، بتقسيم العالم العربي إلى فريقين: الأول، يشتمل على الأنظمة العربية و«الإخوان المسلمين» واليسار العربي المعادي للإمبريالية والممانعة وإيران وحماس والحوثي وداعش والقاعدة وإسرائيل، كلهم في سلة واحدة، هؤلاء الذين «لا يكترثون بقيمة حياة الإنسان». والفريق الثاني في منطقتنا المكون من الإنساني المرهف محمد سامي الكيال وجماعته على «لقاءات زووم» -وربما بضع مجلات صحافية بديلة في بيروت وبرلين- وهؤلاء هم الذين «يكترثون لقيمة حياة الإنسان العربي». هنا أقول للكيال: «إذا كنتم تهتمون بجبهة إسناد غريتا ثونبرغ الإنسانية والحضارية، فإذاً دخيلكم خذوها عندكم، مبروكة عليكم من أجل إعادة إعمار سوريا وتحقيق الصلح المجتمعي… نحن شخصياً لسنا بحاجة إليها!».
ظاهرة «غريتا» بزغت في حقبة كانت فيها الطبقة الوسطى حول العالم تعاني من مرض نفسي جماعي وغرائبي (قدوتهم الأخرى عام 2019 كانت «الجوكر» كما قدّمه الممثل خواكين فينيكس).
وعلى سيرة المرض، يدّعي ياسين الحاج صالح أنه ينبغي على العالم أن يكون «مريضاً» حتى يقتنع الناس في أجزاء منه بأن إسناد حزب الله لغزة هو دليل على «خيرة ما» في الحزب. قلنا سابقاً إنه علينا فتح باب النقاش حول أخطاء الحزب. المفارقة هنا أن يتم اتهامنا بـ«محو» أخطاء الحزب ممّن يستخدمون أخطاءه لـ«محو» تاريخ شامل لمقاومة أهل الجنوب، لبنانيين وفلسطينيين ومن الطوائف كافة، بل مقاومة الأهالي القاطنين على الحدود في دول الطوق كافة ومنذ أيام الإنكليز والفرنسيين.
على ياسين الحاج صالح أن يكون حذراً في المصطلحات التي يستخدمها. قد يقوم من هم ليسوا طيبي النية -كطيب نية الحاج صالح- بتحويل مقاومة أهل الجنوب إلى «مرض» وربما «مرض نفسي». من حقنا، بل من واجبنا، تقديم النقد البنّاء للمقاومة، حتى نقد اختيارات زمان ومكان انخراط حماس في المعركة. لكن أن يصبح مبدأ المقاومة «مرضاً» فهذه ثيمة قديمة نعرفها من أيام غسان كنفاني وقصته القصيرة «لا شيء» التي تحكي واقعة جندي عربي أطلق النار على حدود العدو فاقتيد من قبل قادته إلى مستشفى الأمراض العقلية من أجل «تطهير» عقله ممّا أصابه من «مرض».
كلا، الشباب الذين يقرّرون يوماً الذهاب إلى الحدود من أجل القتال والاستشهاد، هؤلاء ليسوا أعراض مرض. في المقابل، عندما يقتنع الناس في أجزاء من هذا العالم أنه على الغزيين انتظار خلاصهم من «طفلة أوروبية تؤمن بالاحتجاج السلمي»، فلربما هذا هو الدليل الحقيقي على عالمنا المريض.
* كاتب فلسطيني
