ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

موضة الصفقة

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
عماد عطالله
عماد عطالله
السبت 12 تموز 2025
الخط


ترافولتا وتقسيمات الديسكو اختصرا موضة السبعينيات. زمن الثمانينيات؟ جاكسون وجاكيت الجلد. التسعينيات: تقسيمات الهيب هوب والروك البديل. الألفية: جينز منخفض الخصر ولمعان في كل شيء. أمّا زمن الرأس البرتقالي الجالس خلف «مكتب ريزولوت» في البيت الأبيض، فهو يتميّز بفن صفقات التقسيم، ولكن مع تحريف المعنى: أي فن الكذبة الصريحة، أو فن الخازوق المركّب من تحت لتحت، أو فن النصب والخداع على عينك يا تاجر، لكن على وتيرة ليلةٍ وضحاها، كالتكنولوجيا المختنقة بإشباع الرغبات الفورية، القائمة على إسهال لفظي وشغور فكري مع رشة انحطاط أخلاقي.

أميركا ما تزال تُصدّر إلى العالم نزاعاتها، ونَزَعاتها الداخلية، وثقافاتها، بما فيها الجيد والمهترئ عبر العقود، ونحن نستهلك كل ما نستورد «بالمنيح والقبيح». لكن الساعة بدقائقها الستين لم تعد كافية كوحدةٍ لقياس الموضة. آن الأوان لنفض الغبار وتصدير بعضٍ من حكمتنا اللبنانية الدفينة، تماشياً مع أواخر الموضة اللاهثة على وتيرة الثواني… «يالله عَجّلوا»، قبل أن يُغرِقنا الرأس البرتقالي بصفقات فورية جديدة.

لذلك، لزم التوضيح الفوري، خصوصاً بعدما أسقط مبعوثه توماس برّاك على رؤوسنا صاروخاً فلسفياً وجودياً مفاده أن تقسيم المنطقة سابقاً كان خطأ كبيراً، بما في ذلك حبر خرائط سايكس – بيكو. فجاء صاروخه متأخراً… «شي قرن» تقريباً. يعني «هلّق فاقوا» الإخوان؟ ربما يجب على إيران إقراض القوات الأميركية «شي واحد» فَرط صوتي فقط لتنشيط الذاكرة الأميركية.

هكذا؟ «كل ما دق الكوز بالجرة تطير» مدينة من الخريطة وكأننا نلعب «ريسك» على حساب أجيالنا؟ اليوم مواطن لبناني، ثم سوري في النصف ساعة القادمة، وبعدها لاجئ بلا هوية حول مستوطنات صهيونية؟ أصلاً، هو خطؤكم أنتم يا أخي توماس: نعلم أن الرأس البرتقالي لا يتحمّل القراءة أكثر من عشر ثوانٍ، لكن راجعوا تقرير لجنة كنغ ــ كراين الأميركية في العشرينيات والتوصيات ضد تقسيم المنطقة. إداراتكم أنتم لفلفت نتائج «المشحرين» هنري كينغ وتشارلز كراين، وهي من لم تأخذ تقريرهم في الحسبان.

آه، فهمناها… الظروف تغيّرت اليوم بما يناسب مصلحة المسخ الصهيوني، لذلك وجب تقسيم التقسيم الأول. حسناً. نحن مستعدون لصفقة جديدة، ربما نقسمها على رأسكم ورأسنا معاً، لذلك لدينا شروط. يعني بالعربي «المشبرح»، يتمتع لبنان (الواحد، غير المُقسَّم) بمناخ عليل و«سياديين» «يعِلّوا القلب» سوف تُصدمون بهم أولاً. هم سلاحنا السرّي وخط الدفاع الأوّل. هم لن يقبلوا بتفتيت السيادة اللبنانية مهما انبطحوا أمامكم.

هم لن يتخلوا أبداً، كونهم «سياديين»، ولو عن حبة رمل من طرابلس وعكار والبقاع والجنوب (أو، في المناسبة، ما زالها سيرة وانفتحت، عن الجليل بأصله التاريخي من ناحية الثقافة والهوية منذ كنعانيي لبنان إلى ما بعد فخر الدين). إذا تمكّنت ماكينة الصفقات الأميركية من تجاوز «سياديينا»… يكون كلامكم معنا.

نحن فرحون «جدلياً» أن نتقاسم ونتبادل، يا أخي توماس، بالتخلي عن بعض «الأشياء اللبنانية» التي فعلياً وعملياً لم، ولا، ولن نحتاجها أبداً، على شرط أن يتخلى الرأس البرتقالي عما انتُزِع من المكسيك بالقوة العسكرية. أليس الموضوع حبر خرائط على ورق؟ فقط اضغط على القائمة المنسدلة لتحديد خياراتك، ودعونا نأخذ نفساً عميقاً على طول اللائحة:
كاليفورنيا أو نيفادا أو يوتا، مقابل زعيم معراب الفوقا والتحتا ذهاباً وإياباً. طيّب، يوجد خيارات أخرى (التحريك بالضمة اختياري). أريزونا أو نيو مكسيكو أو كولورادو أو وايومنغ، مقابل كل النواب «السياديين» (مع أو من دون كرافات مثلاً). لا تيأس للتو، العروض كثيرة ومغرية.

بورتو ريكو وهاواي وجزر ساموا الشرقية مقابل أن نتخلى رأساً ومن دون تردد عن وزير خارجيتنا بكامل أكمله، مع عدد من وزراء حكومة نواف سلام (إضافة إلى رئيسها كحبة مسك). «أوكي مش مشكلة»، هؤلاء خذوهم على البيعة، مبارك ومن دون مقابل، لأنهم «صرَعونا» بتعبئة الفراغ اللبناني بالمزيد من الهواء الكامل الدسم. العرض لا يكفي؟ حسناً، أعيدوا كامل أراضي الولايات المتحدة إلى الأميركيين الأصليين كي نعطيكم فخر صناعتنا اللبنانية: خُذوا «عبيد الحياة»، عفواً «محبي الحياة»، مهما كان ثمن حب الحياة مهيناً لهم تحت الجزمة الاستعمارية المهيمنة أياً كانت.

هنيئاً لكم ولهم. لكن يتوجب علينا التحذير الأخلاقي لأي مالك جديد: هي فئة مُربَكة عاطفياً وفكرياً، مولعة بعبادة الحياة لدرجة خنق الحياة حتى آخر نفس فوق قمم النفايات والذل.

موضة الساعة سائدة، كلها غصب وغرائبية، لكنها فارغة المضمون في آن: ضم «ولاية» كندا إلى الولايات المتحدة، التسلط على غرينلاند من الدنمارك، تدمير غزة وشعبها الجائع لبناء لاس فيغاس صهيو ــ أميركية لا تقل بطراً عن نيوم السعودية. هي نزعة عبثية شائعة لا تكتمل من دون مَحو لبنانية طرابلس وعكار والبقاع الشمالي كرمى للحية الجولاني المشذّبة على آخر موضة إرهابية، مقابل التخلي عن الجولان السوري للمسخ الصهيوني؛ بأي حق يعطي من يعطي ويأخذ من يأخذ، لست أدري. الليطاني وجنوبه؟ بانتظار آخر بلاغ من آية الله ذي الرأس البرتقالي، القائد الأعلى بلا منازع. آهٍ، يا عين ويا سلام! يا نواف سلام! أخبِر مندوب الرأس البرتقالي أن فاقد الشيء لا يعطيه، كمن يتاجر بالسمك من بحر الآخرين حتى قبل اصطياد أيّ حبة.

إنني من محبّي الروح الأميركية، تلك التقدمية في حريتها، والمحافظة في آدابها، والمبدعة في ابتكاراتها، والملهمة في صراطها الداخلي المستقيم على القانون (مع هفواته). لكنني من معارضي تسلطها الاستعماري المقزز والظالم، خصوصاً بعد تفريغ أجزاء دولتها من المستعربين الأميركيين واستبدالهم بالمتسللين الصهاينة منذ بداية الخمسينيات. ماذا لو اندلعت الحرب العالمية الثالثة وتوازن العالم بعد انكسار الغطرسة الاستعمارية؟ لا نرجو ويلات الحرب، لا لنا ولا لشعوب الأرض، نكرهها وإن كان آخرها خيراً لنا. لكن ما العمل إذا فُرضت علينا؟ فلنسأل العصافير.

هل للعصفور هوية؟ هل يوجد عصفور «لبناني»؟ العصفور يدور ويرحل مع الفصول، لكنه يعود. عالميته بقدر لبنانيته الثقافية، مثله مثل كل أبناء هذه المنطقة المعذبة. إلى أين يرحل منذ بداية الزمن، وإلى أين يعود؟ إلى جزر الإغريق وروما، إلى قرطاجة وأفريقيا والأندلس، إلى مصر وفارس، إلى العراق وتركيا، إلى فرنسا وأميركا، إلى فلسطين وسوريا؟ لكنه في آخر المطاف يعود إلى طرابلس وعكار. يحط استراحة المسافر المؤقتة في خليج العرب حيث الأشجار منحنية في هذا الزمن المنحني، لكنه يعود إلى بيروت وجبالها الشامخة. يبتعد إلى أقصى البرازيل وأستراليا، ثم يعود إلى صور وصيدا وبعلبك. هو في بيته وليس في رحلةٍ إذا غرّد على شجرة في الناصرة والجليل المسلوب المشتاق للعودة إلى أحضان قانا الجنوبية.

ذلك العصفور الصغير واحد من الملايين في الغرب والشرق، صغير في الخارج المنظَّم المرتَّب، وكبير الجلبة والغوغائية في الداخل. أي فوضى بابلية وزحمة خلّاقة يستحضرها في الداخل بومضة جناح؟ لكن لكل وجه مرآة عكسية. تلك الفوضى أيضاً أوبرا قيثارة تطرب أشجار الداخل وتحلّي ثمارها. هي قبضة مخالب وأقدام تتشبث بالغصن، فتبث القوة في جذور الشجرة.

العصفور يطير بعيداً، لكن هل من شجرة ترحل؟ هي هنا، شاهدة على غطرسة أبناء هذا الوطن بحق أنفسهم، ترى بالعين الواحدة كل التائهين بين فتات الثقافات الغربية التي يفهمونها من ذيلها، وبعينها الثانية المذهولين ببريق الذهب العربي ذي العود عن بدء في جاهليته المستحدثة، كما الصامتين في سرهم ينتظرون النجاة من «سحاسيح» السفارات. أما عينها الثالثة، فهي عين الحكمة والصمت والبصيرة البعيدة المخصصة للحقيقة، تتأمل جذورها في أعماق الأرض وتشهد للمقاوم النبيل الصامد في وجه من يريد اقتلاعها.

إنها الفوضى الداخلية ذاتها منذ التآمر الأول والسباق إلى الأسفل بين المدن الفينيقية من بدايتها، مروراً بطغيان كل من مرَّ على هذه الارض حتى اليوم. البيت المهتز من الداخل لا تقوم له قائمة مهما تسوّل عكازات الخارج. الفوضى الداخلية تزوير لِحجم البيت وتكبير وهمي فوق طبيعته كالبوتوكس المصنَّع، فيما الحق والعدل والنظام وترتيب البيت يكشفون ضرورة حجمه الحقيقي ويعيدون له رونقه الأصلي. الناظر من القمر إلى الأرض لا يلمح لبنان أبداً، لكنه يرى الصين وأميركا وروسيا وإيران والبرازيل وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والهند وكوريا واليابان، وكل من يرسل أقماراً صناعية إلى الفضاء في طريقه إلى استيطان المريخ.

الناظر من القمر يتحكم بآلاف الأميال الضوئية من دون المبالاة بأن الإخوة اللبنانيين «متفركشون بسروالهم» لا يعرفون كيفية التحكم العقلاني بِمتر ونصف متر في أصغر «زاروبة» على ما تبقّى من الـعشرة آلاف وخشبة، وكأن ضجيج أبواق الميديا وطغاة الداخل (سياسة وتجارة ومصارف وإعلام) في هذا البلد الميكروسكوبي يحَوّلون وطنهم زيفاً إلى غريندايزر القرن الوهمي.

لن يقوم لبنان إلا إذا أراد أبواقه الاعتراف لأنفسهم قبل غيرهم ببلاهة وصِغَر حجمهم، أو إلى أن يأتي أحدنا من الداخل كي يُريهم حجمهم. وعملية ترتيب الداخل ليست موضة الرأس البرتقالي، ولا فن الصفقة الفورية، وطبعاً ليست تطبيعاً غصباً على أجزاء من الأرض التي تحمل الشجرة والعصفور، لأن الأرض التي تنبت الشجرة وتؤوي العصفور لا تُباع، ولا تُشترى، ولا يملكها إلا من يحرس جذورها بدمه وصمته وحكمته… لأن أرض الشجرة والعصفور لا تعترف إلا بمن يزرعها حقاً، لا بمن يتسولها ويهديها في صفقات الغزاة.

* كاتب لبناني

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك