ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

«العُدَيد» ولوجستيات الإبادة

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
عوني بلال
عوني بلال
الثلاثاء 15 تموز 2025
كان لافتاً جداً أن الموقع المؤكد الوحيد الذي أصابته إيران في هذه القاعدة لم يكن يخص أشخاصاً ولا طائرات مقاتلة، بل نقطة إسناد لوجستي بامتياز (منظومة اتصال لاسلكي متقدّم)
كان لافتاً جداً أن الموقع المؤكد الوحيد الذي أصابته إيران في هذه القاعدة لم يكن يخص أشخاصاً ولا طائرات مقاتلة، بل نقطة إسناد لوجستي بامتياز (منظومة اتصال لاسلكي متقدّم)
الخط

*
في آخر يوم من المواجهة العسكرية بين الجمهورية الإسلامية وإسرائيل، وصلتني رسالة من مؤسسة إعلامية بإحدى دول الخليج (كنت قد عملت معها سابقاً في عملٍ بحثي قبل 3 أعوام). ولأن تسمية الأشياء تفسد المنفعة أحياناً، فسأكتفي بالقول إن المؤسسة المذكورة معروفة بفاصلها الدعائي الشهير الذي يسقط فيه كوكب الأرض سقوطاً حراً في بركةٍ مائية قبل أن يعود ويقفز من تحت الماء، وقد تحوّل على نحوٍ عجائبي إلى شعار المؤسسة (وهو نقش ديواني لاسم القناة بلونٍ مذهّب وشكل كمثري يحاكي شعلة النار).

كانت الرسالة دعوة للإسهام -كتابةً- في ملف الحرب القائمة، وتحديداً في القصف الذي تتعرض له إسرائيل. تردّدت في الأمر إلى أن وسوس لي قريني فكرةً مسلية، فأجبت بالموافقة مقترحاً أن أجهّز مقالاً عن «قصف قاعدة العُديد بوصفه قصفاً لإسرائيل». وللحق فلم يكن لي دافع في هذا الجواب سوى أن أقتنص فرصة لرسم مفارقة طريفة وموحية بمخيلتي (وهي حاجةٌ مزمنة لدي): أن ترسل عنواناً كهذا إلى قناةٍ كهذه.

وكان تقديري أن اقتراحي سيُنهي التواصل بيني وبين المؤسسة على الفور أو سيدفعها إلى ردّ ديبلوماسي موارب. لكن الأطرف هو أن المؤسسة المذكورة قررت أن تجاريني برسم المفارقات والطرائف، فأجابت بالقبول ودَعَتني إلى الإسراع بإنجاز المادة. بدا الأمر وكأنه حلمٌ غريب، لكنه قدح شرارة في ذهني ودفعني كي آخذ المفارقة إلى نهايتها المستحقة، وأن أكتب النصّ. طبعاً لا مفاجأة عندي لأرويها هنا: بعد أن أرسلت المادة، اعتذرَت المؤسسة عن النشر نظراً «إلى تأخر وصول المقال وظهور مستجدات أهم» (وقد تأخّرت فعلاً في إرساله).

لا أذكر ما تقدّم كي «أكشف خيانة المؤسسة لشعارها عن الرأي الآخر». لا يوجد خيانة في الموضوع. كل صحافات الدنيا ومؤسسات إعلامها لها دائرة محرّمات (وقاعدة العُدَيد بالتأكيد من مُحرّمات هذه المؤسسة). ومن الصبيانية بمكان تحويل فكرة وجود المحرّمات -بذاتها- مدخلاً للتهجّم أو الانتقاص.

الناس -وأنا منهم- لا يبحثون عن صحافة بلا محرّمات، بل عن صحافة يروق حرامُها لهم، وتتحرك في دائرة حلالٍ تعنيهم. فالأمر ليس محاولة للتصويب ولا لرمي السهام، وهو يتعلق أولاً وأخيراً بقاعدة أميركية كبرى وليس بقناة تلفزيونية تقع في جوارها (علماً أن الاثنتين، القاعدة والقناة، انطلقتا في ذات العام، للمصادفة التاريخية الموحية). ما يدفعني إلى ذكر ما تقدّم هو أمرٌ واحد: أن قصة كتابة المقال فيها شيء من موضوعه؛ موضوع العُديد ودورها «الصامت» في الإبادة الجارية. سأفسد الأمر إن حاولت توضيحه أكثر. وعليه، فهنا ينتهي هذا التقديم. أمّا الباقي فهو المقال... الذي تأخر في الوصول... وسبقته المستجدات.

■ ■ ■

«لا خِضْرَ في الأعرَاب يُرجَى أو فتىً» ـــــــ (لولوة الخاطر، شاعرة قطرية)
أوائل العام الماضي نشرت القيادة المركزية الأميركية صورة معبّرة، لعلها تحكي أكثر مما أراد ناشروها أن يحكوا بالضرورة. القياده المذكورة، والمعروفة اختصاراً بـ«CENTCOM»، هي الضابطة العسكرية المسؤولة عن كامل المساحة الممتدة من مصر إلى أفغانستان. لا أقول «ضابطة» إلا مجازاً فنحن لا نتحدّث عن فرقة عسكرية هنا أو قوة ضاربة هناك، بل عن القيادة المركزية الأميركية، بأعرض بنطٍ ممكن؛ عن آلة نارية وإدارية وتجسسية تصنع للولايات المتحدة مكانتها في المنطقة وتمنح رئيسَها -كلما زار بلداً عربياً فيها- أنماطاً من الحفاوة تَعبر حيّز البروتوكول وتدخل فضاء الأسطورة.

الصورة التي نشرتها القيادة المركزية تُظهر صناديق خشبية يتم تحميلها بطائرة شحن عملاقة في قاعدة العُديد الجوية، مقرّ القيادة المذكورة، كي يتم إسقاطها لاحقاً على قطاع غزة، وهي تشمل -بخلاف ما يتخيّل سيئو الظن- أطعمة معلبة وطحيناً وأرزاً ومياهاً معدنية (تركزت هذه الطلعات الإغاثية في شهري آذار ونيسان من العام الماضي تحديداً). في وسط الصورة، وعلى إحدى الصناديق، في وسعك أن ترى ورقة ألصقت على نحوٍ مفتعل وقد كُتب عليها بخط كبير: «خالٍ من الخنزير» في تأكيد على إدراك الأميركيين لحساسيات أحكام الطعام عند ضحايا المجاعة من المسلمين. يصعب على أحدٍ أن يتخيّل شيئاً أكثر أميركيةً من هذا.

ليست الصورة مهمة لأنها تكشف نفاقاً ولا لأنها تحكي مفارقة. هذه السمات دخلت في صنف البديهيات منذ زمن ولم تعد الإشارة إليها مفيدة جداً. ما يستحق الاهتمام في صور كهذه (بما تتكلّف إظهارَه وتتعمّد إخفاءَه) هو تعبيرها الصامت عن معنى اللوجستيات في الحرب الحديثة... عن تحولها من فكرة النقل الخطي للمواد بين مكانين، إلى شيءٍ أكبر وأخطر وأغرب. ما من شيء يصعب وصفه في الفعل الحربي أكثر من تلك الآلة الخفية (المدعوة باللوجستيات) القابعة في كل مكان، والتي تسمح لكل شيء آخر أن يكون، لكنها -وهنا مفارقتها- لا تكاد تُرى.

قبل عشر سنوات صدر كتاب يستحق تنويهاً خاصاً، في عنوانه ومحتواه سوياً: «الحياة القاتلة للوجستيات». هذه من الكتابات التي لا تنبّه القارئ إلى خفيٍّ لا يراه، بل إلى شائع يغفل عنه... إلى شيء محتجب من فرط الحضور لا من فرط التخفي. وتحكي مؤلفته الكندية عن ثورة هادئة عاشتها الفكرة اللوجستية في العقود الماضية وتحولت عبرها من أداة إسناد وتزويد، إلى روح الحرب، وإلى عقلها، التي يعي المتحاربون أنفسهم عبرها.

هذا من الكتب التي إن قرأتها جيداً وعثَرَتْ مقولاتُها قبولاً في نفسك، تُغيّر شيئاً في وعيك لفكرة الحرب. لا يعود القصف والدكّ والتدمير جوهر الحكاية، ويذهب ذهنك -عوضاً عنها- إلى صدامات وسباقات في الخلفية الصامتة بين شبكات نقلٍ لا تهدأ، للذخيرة والوقود والسلاح؛ شبكات تحكم في جريانها وتيرةَ الحرب وترسم مداها، بل وأحياناً حتى مقاصدها.

تقدّم إسرائيل في حربها الإبادية مثالاً لكل هذا. كيف لا وأنت ترى هذا القزم الجغرافي يضرب في كل اتجاه ويفتح جبهات تفوق مساحته عشرات المرات، ويقاتل على مسافات تفوق أبعاده القصوى بأضعاف.

في المواجهة الأخيرة مع الجمهورية الإسلامية كانت إسرائيل تواجه بلداً يفوقها مساحة بسبعين مرة، ويفوقها عرضاً بـ12 مرة، ويعلو عليها جبلياً بمرتين. ومن المؤسف أننا لا نملك أطلساً لوجستياً كالأطلس الجغرافي المعروف، وإلا لرأينا خريطة أخرى لإسرائيل أكثر تعبيراً عن حقيقة دولة اليهود. خريطة تذرع أجزاءً ممتدة من هذا الكوكب وتمتد جغرافيتها بحراً وبراً وجواً، بين دول غربية مهيمنة، وكيانات عربية رثّة، ودول أخرى بين هذه وتلك. على هذه الخريطة، وبفضلها قبل فضل سواها، تمكنت إسرائيل من إطعام آلتها الحربية وإدارة محركاتها عامين كاملين.

ماذا تمثّل قاعدة العُديد في هذه الشبكة الممتدة؟ ربما ينبغي السؤال ابتداء عن ماهية القاعدة، أو ما يسمّى رسمياً «قاعدة العُديد الجوية» (أو في كنية أشد براءة وأقدم: مطار أبو نخلة). أول عثرةٍ في الموضوع تقع هنا تحديداً؛ فالقاعدة الجوية ليست في واقعها قاعدة جوية فقط. هنا مركز الجهاز العصبي للحضور الأميركي في المنطقة، وهذا ليس تأويلاً ولا تخميناً، بل فهمٌ لما تعنيه عبارة «القيادة المركزية للقوات الأميركية».

فالمكان عقدة لوجستية أساسية، وشرفة استطلاع ورصد، ومركز تحكم وسيطرة. ومنذ تأسيسه السري عام 1996، بكلفة مليار دولار تحمّلتها الدولة المضيفة، لم تتوقف «القاعدة الجوية» عن النمو والتوسع. وهي تحوي مدرجين متوازيين يُعدّان من بين الأطول في العالم، إذ يبلغ طول كلٍّ منهما قرابة 3650 متراً. هذه الثنائية في المدارج تسمح بتزامن الهبوط والإقلاع لناقلات عملاقة وتؤكد العروة اللوجستية التي تمثلها القاعدة للقوات الأميركية وحلفائها.

وقد لعبت القاعدة أدواراً تنظيمية وإسنادية كبرى في الحرب على أفغانستان وغزو العراق وقصف مواقع «تنظيم الدولة الإسلامية» والإسهام في حرب المملكة العربية السعودية على «أنصار الله» في اليمن (تحديداً بين عامَي 2015 و 2018). وبهذا، فهي تمثّل بنية تحتية للعمل الحربي، وبخبرة تراكمية بلغت ربع قرنٍ حتى اليوم. تضم القاعدة أيضاً قاذفات B-52 الإستراتيجية، وطائرات الشحن العملاقة C-17، وطائرات RC-135 التجسسية. وهذه الثلاث، بذاتها، ترسم القوس الكامل للسيادة الأميركية في المنطقة: الرصد، الحشد، والقصف.

نعود الآن لسؤالنا الأول: ماذا تمثّل قاعدة العُديد في شبكة إسرائيل اللوجستية؟ صعوبة الإجابة ليست نتاج تعقيد عَرَضيّ في المسألة نفسها. التعقيد الذي يصعّب الإجابة -في كثير منه- تعقيد متعمّد، وجزءٌ من هدفه هو تصعيب الحصول على جواب. لا ينبغي أن يستخف المرء بالرغبة السياسية الكامنة لـ«تفريق الدم بين القبائل» باستعارة التعبير القرشي الشهير، وتمييع المسؤولية القانونية وتبديد الضغط الشعبي أو الإعلامي.

ومن اللافت أن كثيراً من نقليات الشحن المنطلقة من قاعدة العُديد كانت تقوم بمناورة مكررة، تتضمن التفافاً فوق قبرص (وهبوطاً مؤقتاً فيها أحياناً) قبل أن تتابع رحلتها إلى مطارات إسرائيل على ما في ذلك من إطالة للرحلة. ورغم السرية التي أحاطت بكثير من رحلات الشحن والتذخير، إلا أن عدداً منها تسرّب لمواقع الرصد المفتوحة. هذه هي النافذة المتاحة لدينا في قراءة دور قاعدة العُديد في تذخير إسرائيل وتمكين حملتها الإبادية.

بدأ الأمر بسرعة لافتة. فبتاريخ 8-10-2023، أي في غضون 24 ساعة من بدء «طوفان الأقصى»، بدأ طوفان العُديد وأقلعت أول طائرة إمداد عسكرية من جنوب غرب الدوحة متوجهة صوب مطار نيفاتيم، وهي طائرة C-17 وتحمل الرقم التعريفي 06-6155. ثم عادت الطائرة ذاتها في الرابع عشر من الشهر ذاته لتنقل دفعة ثانية. هاتان الحمولتان هما أول شحنتين معروفتين لتذخير آلة القتل الإسرائيلية في هذه الحرب.

في كل واحدة من هذه الرحلات، لا نملك إلا الخيال وإحصائيات الإبادة ومعرفتنا بالسعة التحميلية للطائرة (77 طناً) لنرسم فكرة عن المحتوى الممكن. لربما حملت الطائرة الأولى 330 صاروخاً من طراز MK-82 والتي يزن الواحد منها 230 كيلوغراماً. يستطيع واحد من هذه الصواريخ أن يقتل بشراً في دائرة يبلغ قطرها أربعين متراً عدا عن الإصابات التي يُحدثها بما يتجاوز المئة متر.

وباحتساب الكثافة السكانية للقطاع قبيل الحرب، فإن سعة الإبادة النظرية (إن كان هذا مصطلحاً ممكناً) لهذه الشحنة الأولى تقارب الـ1300 شخص. الأمر في الواقع يختلف جداً لأن توزّع الناس ليس منتظماً، وكثير من هذه الصواريخ رميت في أماكن تجمهر واكتظاظ وبعضها الآخر في أماكن مفتوحة. هذه احتمالية. احتمالية أخرى هي أن تكون الطائرة حملت ثمانين صاروخاً من طراز MK-84، أو أنها حملت 700 صاروخ من طراز GBU-39، أو أنها حملت مزيجاً من كل هذه.

بين الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحتى نهاية إبريل/ نيسان 2024، رُصدت 97 رحلة شحن عسكري من مطارات العالم صوب مطار نيفاتيم في صحراء النقب. 37 منها أتت انطلاقاً من العُديد، أي قرابة 38% من مجمل المرصود، وجميعها تمّت بطائرات من طراز C-17. السعة الكلية لهذا الإسهام المعلوم لقاعدة العُديد هو قرابة 3000 طن. الرقم الفعلي أكبر بالتأكيد، لكن المؤشر المفيد في الإحصائيات السابقة هو أن الإسهام العام للقاعدة المذكورة هو قرابة الثُّلث. وهو ثلثٌ يمكن أن يُقرأ ثلثاً في كل شيء: في البيوت المهدمة، والناس المقتولة، والأطراف المبتورة.

في حدود هذه القراءة، لم يكن الهجوم الصاروخي لإيران على قاعدة العُديد في الـ23 من شهر حزيران هجوماً على قاعدةٍ جوية فقط. هذا كان هجوماً على إسرائيل اللوجستية. وكان لافتاً جداً أن الموقع المؤكد الوحيد الذي أصابته إيران في هذه القاعدة لم يكن يخص أشخاصاً ولا طائرات مقاتلة، بل نقطة إسناد لوجستي بامتياز (منظومة اتصال لا سلكي متقدّم). وبمعنىً ما، فإسرائيل اللوجستية هي إسرائيل الكبرى؛ إسرائيل في فضائها العسكري الفاعل وممكنها الإبادي. وليس لدولة اليهود من قيمة ولا معنى خارج هذا الفضاء... وخارج هذا الممكن.
* كاتب فلسطيني

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك