من القائد الخالد إلى الكرسي البائد: عن الريعية السياسية في سـوريا


على مدى أكثر من خمسة عقود، أتقن النظام الأسدي فنّ البقاء عبر تناقضاتٍ جوهرية: تبنّى الاشتراكية واحتضن الرأسمالية الزبائنية، رفع راية فلسطين وحمى حدود الكيان، تضارب مع الغرب الإمبريالي في بعض الأحيان واستجدى عطفه بالديبلوماسية والامتيازات معظم الوقت. تسعى هذه المقالة إلى تفكيك البنية الريعية التي أسّسها آل الأسد، واستعراض كيف تمّ توظيف خطاب المقاومة أداةً للابتزاز السياسي مع التشديد على الدور الخارجي والضغوط الإقليمية التي مهدت بشكل أساسي الطريق إلى تفكيك سوريا.
حافظ الأسد: الأوليغارشية الأمنية المدعومة بالخطاب الاشتراكي
لا يظهر نفاق نظام الأسد تجاه القضية الفلسطينية بوضوح كما في صمته الطويل على احتلال الجولان. ففي معركة مشكوك بظروفها الإستراتيجية الجغرافية عام 1967، حين كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع، خسر الجولان، ليتحوّل لاحقاً إلى شعار دائم في خطاب النظام، دون أن يكون ميداناً فعلياً للمقاومة.
في تشرين الثاني 1970، قاد الأسد الأب انقلاباً أبيض تحت عنوان «الحركة التصحيحية»، معلناً أنها تصحيح لمسار حزب البعث المنقسم. أعاد تشكيل الحزب ليصبح مجرد أداة تدور في فلك الرئاسة، واستبدل خصومه في مفاصل الجيش والأمن والإدارة بولاءات شخصية مطلقة. وفي عام 1973، تم إقرار دستور جديد كرّس «الدور القيادي» لحزب البعث، وهو ما عُدّل عملياً ليصبح سيطرة رئاسية مطلقة.
داخلياً، استمر نظام حافظ الأسد في تطبيق بعض سياسات «البعث»، من توزيع الأراضي، وتأميم المؤسسات، وتوسيع خدمات التعليم والصحة. لكن هذا النموذج التوزيعي بدأ يضيق تدريجياً، وتحوّل إلى سلطة مركّزة بيد النخبة الأمنية والعسكرية، خصوصاً بعد فشل انتفاضة «الإخوان المسلمين» عام 1980 ومجزرة حماة التي دشّنت مرحلة القمع المعمم والسلطوية الصارمة.
أمّا إقليمياً، فواجه الأسد عزلة ديبلوماسية بعد كامب ديفيد، وصراعاً مع «البعث» العراقي، واحتلال الجولان ولبنان من قبل العدو الصهيوني. كل هذا دفع النظام لتبنّي إستراتيجية ريعية سياسية، لم تكن دائماً محسوبة بخطةٍ كبرى، بل جاءت كسياسات متوالية هدفها حماية النظام وتأمين موقعه الإقليمي.
رغم الطبيعة الريعية للسلطة الأسدية وخضوعها المتفاوت لأنماط الهيمنة الخارجية، لم تكن علاقة النظامين، في عهد حافظ ثم بشار الأسد، خالية تماماً من لحظات التحدي الفعلي للقوى الإمبريالية. ففي حرب تشرين عام 1973، شارك في هجوم منسّق مع الجيش المصري على الجبهتين، وحقّق في الأيام الأولى تقدّماً عسكرياً في الجولان و خلال الأيام الأولى من الحرب تم استعادة القنيطرة وعدد من قرى الجولان المحتل. قبل أن تتدخّل الولايات المتحدة عسكرياً عبر جسر جوي مكثّف لدعم الاحتلال الإسرائيلي.
ولكن، وفي حين كانت القوى الوطنية واليسارية اللبنانية تتصدّى فعلياً للمشروع الصهيوني، خصوصاً بعد التهجير القسري الفلسطيني إلى لبنان، اختارت سوريا سياسة مغايرة. رغم إمداد بعض فصائل المقاومة الفلسطينية بالسلاح فقد تدخّلت في الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976 تحت شعار «حفظ السلم الأهلي»، ولكنها سرعان ما استخدمت وجودها كأداة للهيمنة ما سارع في تفكيك المقاومة الفلسطينية.
وكانت مجزرة تل الزعتر أبرز مثال، حيث قدّم الجيش السوري تغطيةً كاملة لـ«الكتائب» و«النمور» و«جيش التحرير الزغرتاوي» أثناء حصار المخيم، الذي استمر 52 يوماً من القصف والتجويع، وانتهى بذبح آلاف اللاجئين الفلسطينيين وتهجير اللبنانيين. لم تكن هذه العملية دفاعاً عن القضية الفلسطينية، بل مسعى إلى تقويضها. لم تكن حماية، بل خيانة منهجية استكملت لاحقاً خلال حرب المخيمات (1985–1988) حيث تمّ القضاء على الفصائل الفلسطينية عبر وكلاء دمشق، مقابل تأمين مكانته الإقليمية واستخلاص ريوع سياسية واقتصادية عبر الخليج ولبنان.
بحلول أواخر التسعينيات، كانت سوريا دولة قائمة على ريع سياسي، لا اشتراكية حقيقية ولا وجهة فعلية. العقد الاجتماعي تحوّل إلى معادلة «الأمن مقابل الخنوع»، والأيديولوجيا أصبحت غطاءً للشرعية القمعية. قد لا يكون هذا ما خطط له الأسد الأب حين استلم الحكم، ولكنه ما آل إليه نظامه بعد عقود من التكيف والانتهازية والتسلط.
هذه البنية المركزية، التابعة، الهشة أيديولوجياً، كانت ما أورثه لابنه بشار عام 2000، وكانت البذرة التي أزهرت سقوطه.
بشار الأسد: طغيان البقاء
حين تسلّم بشار الأسد الحكم عام 2000، كانت سوريا تترنّح في ظل سياسة جيوسياسية هشّة ومأزومة. قدّم نفسه بوصفه حامل راية الإصلاح والحداثة الرقمية والتحرير الاقتصادي، غير أن ما حدث فعلياً كان تفكيك ما تبقى من دولة الرعاية الاجتماعية التي ورثها عن والده. فـ«الاقتصاد الاجتماعي السوقي» لم يكن سوى ستار لنيوليبرالية محلية فاسدة، تركّزت فيها الثروة في أيدي المقربين من السلطة، وعلى رأسهم رامي مخلوف. أمّا الدعم المخصص للوقود والخبز والزراعة، فقد تم تقليصه تدريجياً. وبين عامي 2006 و2010، كانت موجات الجفاف تفتك بالريف السوري، دافعة بعشرات الآلاف نحو أحزمة الفقر حول المدن، بلا خدمات ولا تمثيل.
وبحلول انطلاق الانتفاضة السورية عام 2011، كان النظام قد فقد معظم ريوعه الجيوسياسية التقليدية. فالعقوبات التي فُرضت بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وتلك التي جاء بها قانون محاسبة سوريا عام 2004، سددت ضربة قاسية لخطوط إمداده الخارجية. كما إن انسحابه القسري من لبنان عام 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري، أنهى ثلاثة عقود من الهيمنة الإستراتيجية والاقتصادية على الجار الغربي. ومع تحوّل دول الخليج ضده وتآكل نفوذه الإقليمي، لم يعد للأسد ما يفاوض به كما كان يفعل والده.
سياسات الأسد الابن كانت متناقضة أكثر من والده، ففي منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، وبعد الغزو الأميركي للعراق واحتلاله عام 2003، رفض بشار الأسد الانخراط في المشروع الأميركي الجديد للمنطقة، ما عرّضه لعقوبات أميركية واسعة.
لم يكن سقوط نظام الأسد عام 2025 صدمة مفاجئة، بل نتيجة حتمية لعقود من الاستبداد الذي بدّل السيادة بالبقاء وحوّل الاشتراكية إلى عملة سياسية تُصرف في أسواق إقليمية. عند لحظة السقوط، لم تكن سوريا دولة مقاومة، بل امتداداً طبيعياً لمنظومة ريعية استُنزِفت حتى النهاية
لم تكن تلك العقوبات مجرّد ردّ فعل على مواقف سورية معارضة، بل كانت جزءاً من رؤية أميركية أشمل لإعادة صياغة الشرق الأوسط بعد هجمات 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة. إذ دشّنت «الحرب على الإرهاب» مرحلةً جديدة من التدخلات العسكرية والأمنية الغربية، اتخذت من غزو أفغانستان ثم العراق أدوات لإعادة رسم خرائط النفوذ.
وفي هذا السياق، وُضعت سوريا تحت المجهر، باعتبارها «دولة راعية للإرهاب» بسبب دعمها لحركات المقاومة الفلسطينية. وبعد سقوط بغداد عام 2003، صعّدت إدارة بوش من لهجتها تجاه دمشق، متهمةً إياها بتمرير السلاح والمقاتلين عبر حدودها إلى العراق، بل وهدّد دونالد رامسفيلد علناً بإجراءات عسكرية إذا لم «تتعاون».
أتى «قانون محاسبة سوريا» عام 2004 ليترجم هذا التوجّه، ففرض عقوبات اقتصادية شاملة، وجمّد أصول مسؤولين، وطالب دمشق بطرد الفصائل الفلسطينية. لم تعد سوريا مجرد «عدو تقليدي»، بل هدف محتمل ضمن مشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي بشّرت به كوندوليزا رايس، وارتكز على تفكيك الأنظمة «غير المنضبطة» واستبدالها بأنظمة خدمية تحت غطاء «الديموقراطية» و«مكافحة الإرهاب».
لكن، ورغم هذه المحطات، لم تُقفل الأبواب أمام التفاوض والتسوية، إذ حافظ النظام في كلا العهدين على قنوات خلفية مع القوى الغربية، ولم يتردّد في استخدام أوراق المقاومة والتصعيد كأدوات للضغط أو المساومة ضمن ميزان القوى المتغيّر. هكذا، تحوّلت لحظات «المقاومة» إلى أدوات تفاوض، لا إلى مسار إستراتيجي دائم.
النظام لم يسقط، بل أعاد تشكيل نفسه وفق منطق ريع داخلي جديد: بدل توزيع الامتيازات مقابل الولاء، بدأ بتوزيع العنف، الحصانات، والوصول إلى اقتصاد الحرب المجزأ. السلطة لم تعد متمركزة في مؤسسات الدولة، بل توزعت على الضباط، أجهزة الاستخبارات، قادة الميليشيات، وزعماء الحرب القادرين على السيطرة أو القمع مقابل عوائد محلية. تحولت الوزارات إلى هياكل فارغة، فيما حلّت الحواجز والأسواق السوداء والسجون محلّ مؤسسات الحكم.
في موازاة ذلك، بدا أن بشار، عمداً أو بجهل، صمّم الفوضى التي ادّعى محاربتها. ففي عامي 2011 و2012، أصدر عفواً رئاسياً شمل عدداً من المتشددين الإسلاميين المعتقلين، من بينهم زهران علوش، حسن عبود، وأحمد أبو عيسى، الذين أسسوا لاحقاً فصائل كبرى مثل «جيش الإسلام» و«أحرار الشام». فمثلاً، وزير العدل في الحكومة الحالية كان من معتقلي سجن صيدنايا، ثم انضم إلى فصائل المعارضة آخرها «هيئة تحرير الشام» بعد الإفراج عنه عام 2013.
بالتزامن مع هذه الإعفاءات، كانت أجهزة النظام تعتقل وتُعدم الناشطين، والمنظمين المدنيين، وفاعلي المجتمع الأهلي المعارضين، ما يعكس سياسة تهدف إلى عسكرة الثورة، وشقّ صفوفها، وتحويلها إلى صراع بين النظام والمتشددين، لتقويض مطالبها الشعبية وتبرير مجازرها.
تجاوزت فظائع النظام ساحة المعركة. ففي ما سُمّي بـ«اتفاقات المصالحة»، والتي غالباً ما سبقتها سنوات من الحصار والقصف، أُجبرت مناطق بأكملها على الإخلاء القسري، كما حصل في الغوطة الشرقية، داريا، القابون، وحمص. وثّقت منظمات كـ«سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» هذه الحالات، التي قُدّمت كخطوات سلام، ولكنها في الواقع كانت مشاريع هندسة ديموغرافية تهدف إلى تأمين مناطق إستراتيجية ومعاقبة مجتمعات معارضة.
حتى في مناطق الشمال الشرقي التي تسيطر عليها واشنطن، نسّق النظام ميدانياً مع «قوات سوريا الديموقراطية»، واحتفظ بـ«مربعات أمنية» في الحسكة والقامشلي. هذه الترتيبات كشفت أن النظام، رغم كل خطاباته الأيديولوجية، يفتقر إلى أي عقيدة إستراتيجية تتجاوز منطق البقاء. لم يعد دولة ذات سيادة، بل مجموعة من الصفقات التكتيكية فوق أنقاض المؤسسات.
في المقابل، غيّرت واشنطن إستراتيجيتها. لم تعد تطالب بإسقاط النظام، بل بإعادة تشكيله. فمنذ أواخر العقد الماضي، أدركت الإدارة الأميركية أن ما يمنح بشار شرعيته في الإقليم ليست سياساته بل «سردية المقاومة». كشفت برقية صادرة عن السفارة الأميركية بدمشق عام 2006 هذه المقاربة، وأوصت بـ«تحجيم الخطاب المقاوم» الذي يتبناه النظام، معتبرة أن موقفه نقطة ضعف بسبب هشاشته الأيديولوجية. ومع حلول 2022–2024، لم تعد واشنطن بحاجة إلى تدمير سوريا. فكل ما سعت إليه تحقق: تفكيك سردية المقاومة، وإعادة إنتاج بنية ريعية، بقيادة يمكن التحكّم فيها.
وفي نهاية المطاف، لم يكن سقوط نظام الأسد عام 2025 صدمة مفاجئة، بل نتيجة حتمية لعقود من الاستبداد الذي بدّل السيادة بالبقاء وحوّل الاشتراكية إلى عملة سياسية تُصرف في أسواق إقليمية. عند لحظة السقوط، لم تكن سوريا دولة مقاومة، بل امتداداً طبيعياً لمنظومة ريعية استُنزِفت حتى النهاية.
دائماً ما اعتُبرت سوريا، في نظر بعض العرب، قلبَ المقاومة العربي وآخرَ معاقل التحدّي للمشروع الإمبريالي، ولكنها اليوم تقف على مفترقٍ تاريخيّ حاسم. فمع سقوط ديكتاتورية بشار الأسد التي امتدّت لعقود، وصعود قيادة انتقالية بزعامة أحمد الشرع، باتت الدولة السورية تُجاهر علناً بالسير نحو التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، في مشهدٍ كان حتى وقتٍ قريب يُعدّ من المحرّمات، نظراً إلى أنّ النظام القائم كان قد بنى شرعيته الخطابية على شعارات «الصمود والتصدي».
لا شك أن ما آلت إليه الأوضاع في سوريا هو امتداد طبيعي لنظامٍ صاغه حافظ الأسد، وعمّقه بشار الأسد بسياسات استبدادية قامت على الريعية السياسية، وتغليف الواقع الفاسد بإيديولوجيا زائفة، غير أن مسار الإدارة الجديدة قائم على «تصفير» عداءات سوريا ونية واضحة في تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني تحت إدارة أميركية مباشرة.
ما نشهده اليوم هو فصل جديد وإعادة صياغة سوريا كدولة متعاقدة، تُدار بالتمويل المشروط، وتُقسَّم بحسب خرائط النفوذ، ويُفرَض عليها الصمت على حدودها المحتلة. لكن هذا الانكشاف ليس نهاية القصة، بل بدايتها.
* صحافية
