الصين: نفي معرفة العالَم

بما أن الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أنحاء العالم هي وليدة علاقات مهيكلة بين الأقسام المعرفية داخل جامعات الحواضر الإمبريالية في لحظة زمنية ما (المؤسسات المخوَّلة إنتاج معرفة ذات سلطة)، يمكن بالتالي تشكيل فهمٍ ممنهج، مستدام، ومنتظِم أكثر لواقع دولةٍ ما عبر متابعة ما يَصدر من أبحاث أكاديمية حول هذه الدولة (أي أقسام تُنتِجها، مَنْ يُنتِجها، في أي حاضرة).
بلد كالمكسيك مثلاً، يُنتَج منه على الأقل بين مئة ومئة وخمسين بحثاً أكاديمياً يومياً (عادة يكون ربعها أو ثلثها في المجال الطبي أو عموماً مرتبط بالبيولوجيا والكيمياء العضوية)؛ بالتالي فإن قطاع الإنتاج البحثي ليس بالبطء الذي نتصوّره عادة (إن إنتاج الأخبار والتقارير يومياً أمر متيسّر بينما الإنتاج البحثي يَحتاج وقتاً أطول)، ويمكن لمتابعة الأبحاث الأكاديمية المنشورة أن تكون مادة مكتملة لبرنامج يومي كما هو حال الجريدة اليومية، وعلى الأرجح سيكون أفضل من حيث نوعية المادة المقدَّمة.
حاولتُ في المدة الماضية أن أجمع ما يُكتَب يومياً عن المكسيك بحثياً، وهو أمر يَحتاج إلى فريق من عشرة أشخاص لدولة بحجم المكسيك؛ معظم النتاج البحثي هو باللغة الإنكليزية، ليس فقط لأن الكثير منها يُنشَر في مجلات مُحكمة أميركية، بل لأن الكثير من الباحثين اللاتينيين يَنشرون أبحاثاً عن دولهم باللغة الإنكليزية من أجل الوصول إلى جمهور أوسع من الباحثين الذين قد يُحيلوا إلى كتاباتهم.
طبعاً هناك جزء يُنشَر باللغة الإسبانية، لكن المفاجأة أن ما يُنشَر في الصين حول دولة كالمكسيك (أو أي دولة أخرى في أميركا اللاتينية) ضئيل جداً مقارنةً بحجم المادة المنشورة باللغة الإنكليزية عن هذه الدولة والمنطقة عموماً. هناك موقع مهم للأبحاث الصينية (CNKI)، ولكن لا يمكن بأي حال مقارنة ما يَصدر من أبحاث عن المكسيك باللغة الصينية بتلك الصادرة باللغة الإنكليزية. بالتالي، فإن المعرفة الصينية عن المكسيك هي على الأرجح متأتية من (ومهيكلة من خلال) المكتبة الإنكليزية عن تلك الدولة.
الإنتاج البحثي الأكاديمي لا يصف بقدر ما يُشكّل ويُهيكل المادة موضوع البحث؛ وبعدم إنتاجها مادة معرفية ذات سلطة غزيرة عن العالم، لا تَخسر الصين فرصة فهم العالم فقط، بل هي تَخسر فرصة هيكلته بالدرجة الأولى. العلوم الإنسانية في هولندا يكاد يكون إنتاجها أكثر من العلوم الإنسانية في الصين بأكملها. في جامعة رنمين وحدها (هي جامعة كوادر الحزب الشيوعي الصيني) في بكين ستجد عدة عشرات من الباحثين في مجالات العلوم الإنسانية من الألمان والهولنديين، وكذلك في لبنان. ولكن كم مرة التقيتَ باحثاً صينياً في مجال العلوم الإنسانية في لبنان؟
تفاهة الموقف الصيني من الحرب في قطاع غزة، ثم في لبنان وإيران، هي نتيجة ندرة الإنتاج البحثي عن العالم خلف أسوار الصين، لأن بكين ستضطرّ إلى الاعتماد على التقارير الصحافية من ناحية، وعلى المعرفة التي هَيكلتْها الولايات المتحدة عن العالم من ناحية ثانية
تفاهة الموقف الصيني من الحرب في قطاع غزة، ثم في لبنان وإيران، هي نتيجة ندرة الإنتاج البحثي عن العالم خلف أسوار الصين، لأن بكين ستضطرّ إلى الاعتماد على التقارير الصحافية من ناحية، وعلى المعرفة التي هَيكلتْها الولايات المتحدة عن العالم من ناحية ثانية، علماً أن هذه المعرفة ليستْ «جاهزة للاستخدام» من قِبَل أيّ كان، هي معرفة تَأتي مع استبطان أولوية المنتِجين لها.
لو كان لدى الصين إنتاج معتبَر من العلوم الإنسانية ومدارس في هذه المجالات لانتشرتْ تلقائياً مع امتداد مبادرة «الحزام والطريق». ما هو مستقبل مبادرة «الحزام والطريق» إذا لم تَقترن بإنتاج معرفة سياسية عن الدول المعنية؟ هي في أفضل الأحوال تُعيد تنظير أسوأ الأفكار النيوليبرالية عن إمكانية سوق لا ــ سياسي وتقديمه كمشروع غير إمبريالي. لن يكون غريباً أن يكون هناك إنتاج أكاديمي أميركي عن مبادرة «الحزام والطريق» الصينية أكثر من الإنتاج الأكاديمي الصيني نفسه عن الموضوع. هل يمكن لـ«مدرسة الحزام والطريق» (BRS) في بكين أن تتجاوز كونها مؤسسة تدريب إداري فتُنتِج مدارس منهجية جديدة ومقاربات مختلفة للعلاقات الدولية؟ لا يبدو ذلك ممكناً، على المدى القصير على الأقل.
أساساً، هجوم الرئيس دونالد ترامب على الجامعة الأميركية (قوله «الجامعات هي العدو») لم يكن ليصبح ممكناً لولا أن الصين أَهملتْ العلوم الإنسانية. للمقارنة، في جامعات الولايات المتحدة هناك حلقة كاملة جديدة: ليس فقط في معظم الأبحاث المتقدمة في الفيزياء والرياضيات وعلوم الكومبيوتر في الولايات المتحدة هناك صيني تخرّج من جامعة في البرّ الصيني، بل أيضاً هو يَكتب أطروحة الدكتوراه الخاصة به تحت إشراف أكاديمي صيني آخر تخرّج بدوره من جامعة صينية، وبالتالي هناك تشابك ليس من السهل فكّه.
هذا بالضبط فهْم دونالد ترامب لدور الجامعة: جامعة من دون علوم إنسانية؛ لا يَعني ذلك أن العلوم الإنسانية هي أملنا بإنسانية أفضل بأي حال من الأحوال (على العكس تماماً، هي كانت دائماً تُنتِج أسوأ ما في الاستعمار)، لكن يبدو أننا اليوم مجدداً أمام تصحّر فكري ما بين حواضري (بين واشنطن وبكين) شبيه بذلك الذي شَكّل العالم في القرن السادس عشر، بين الإمبراطوريتَين العثمانية والإسبانية: الثانية شَكّلتْ «العالم الجديد» مقابل تشكيل الأولى «العالم القديم» كإستراتيجية سياسية، إذْ كانت حاضرة الإمبراطورية العثمانية مشغولة باستعادة إمبراطورية الاسكندر المقدوني كأفق سياسي. لم تُسهِم الإمبراطوريتَان، الإسبانية والعثمانية، في نشأة العلوم والخطابات المعرفية التي كانت تولَد في دول هي أضعف منهم، لا بل تَستنجد بهم.
إذا كان الحال كذلك، سيكون ذلك نهايةً للنقاش البروسي-النمساوي الذي هَيمن على الإنتاج الفكري في القرن الماضي (وحتى على النقاش ما بين الحواضري السوفياتي-الأميركي في مرحلة الحرب الباردة ضمناً، وطبعاً لا يمكن مقارنة الحرب الباردة الثانية بالحرب الباردة الأولى التي كانت أكثر غنىً فكرياً)، ويمكن لنا أن نتوقّع مفاجآت فكرية ومنهجية تَأتي بعد هذه المرحلة ما بين الحواضرية (أو هكذا يُفترَض).
* باحث
