ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

غزة تموت واقفة... والإنسانية تنهزم

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
مصطفى خليفة
مصطفى خليفة
الثلاثاء 22 تموز 2025
الخط

في غزة لا تُسمع الانفجارات فقط، بل أنين المعدة الفارغة.
في غزة لا تُحسب الضربات الجوية، فقط، بل عدد الأيام التي قضاها طفل بلا طعام.
في غزة ثمة موت ناعم، صامت، لا تراه الكاميرات، ولكنه ينهش الأرواح والأجساد معاً.
هنا، لا نتحدث عن قنبلة تسقط فتمحو بيتاً، بل عن حليب لا يصل، عن رغيف يُمنع، عن شريان حياة يُقطع عمداً، وعن ضمير عالمي يعرف، ويصمت.

طفل يموت لأن ثدي أمه جفّ، وامرأة تسقط في منتصف حملها لهزال جسدها وانعدام الدواء، ورجل ينهار على باب فرن مغلق بعدما بلع صبره ولم يجد كسرة.
إنه الجوع… أبشع وجوه القتل.
2.1 مليون إنسان في غزة يعيشون اليوم تحت حصار غذائي كامل.

69% من السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، و470 ألفاً – أي ربع عدد السكان تقريباً – يعيشون في المرحلة الخامسة من المجاعة، وهي الدرجة القصوى قبل الهلاك.
هذا كلّه بحسب تقارير مشتركة من برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.
هذا ليس كل شيء.

منظمة الصحة العالمية أكدت أن 57 طفلاً ماتوا بالفعل بسبب سوء التغذية منذ بدء الحصار الكامل في آذار 2025. والأسوأ لم يأتِ بعد، إذ يُتوقع أن 71 ألف طفل دون الخامسة سيحتاجون إلى علاج عاجل من الجوع في الأسابيع المقبلة، و17 ألف أم بين حامل ومرضع مهددات بفقدان حياتهنّ أو حياة أطفالهنّ إن لم يتوافر الغذاء.

وفي تقارير «الأونروا»، طفل من كل عشرة أطفال يخضع للفحص، يُكتشف أنه يعاني من سوء تغذية حاد. و«سوء التغذية» هو «الاسم العلمي» للجوع، اسم يزيل عن ضمائرنا ثقل الكلمة، وأثرها، ولكنه لا يزيل ألم الأطفال الجوعى، ولا ألم الآباء العاجزين.
هي مجاعة… مجاعة موثّقة، أرقام رسمية، جثث صغيرة تُحمل على الأكتاف، ورغم ذلك، لا أحد يتحرّك. لماذا؟ لأن هذا الموت يحدث في غزة.

كل هذا ليس عرضاً جانبياً للحرب، بل هو صلبها، هذه ليست «أخطاء في التنفيذ»، بل أدوات متعمّدة لفرض الجوع كسلاح عسكري

في العواصم البعيدة، تُعقد مؤتمرات صحافية دفاعاً عن «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وتُصاغ بيانات تقول إن الوضع الإنساني «مقلق»، بينما تمنع شاحنات الغذاء من العبور.
أن يموت الطفل لأن أمّه لا تجد ما تُطعم، أو لأن «العالم الحر» مشغول بتفسير حقّ «إسرائيل» في الحياة، بينما تُسلب الحياة من تحت جلد الفلسطيني... هذه وصمة، هذا موت لكل شيء، لكل روح، لكل معنى.

الازدواجية الأخلاقية باتت وقحة. الحياة تُمنح حسب الجغرافيا، والحق في الغذاء ليس حقاً إن كنت فلسطينياً، وحين يُقتل الطفل جوعاً، لا تُرفع لافتات «أنا فلان» في مدن العالم، بل يُدفن بصمت، كأن حياته لا تعني أحداً.
هذا الجوع ليس قضاءً ولا قَدَراً، ولا هو إحدى نتائج الحرب، بل هو سياسة ممنهجة، قرار سياسي متعمّد اتُّخذ وينُفّذ بدم بارد:
إغلاق المعابر بشكل تام منذ 2 آذار 2025، ومن قبلها حصار خانق منذ تشرين الأول 2023.

تعطيل عمل «الأونروا» والمنظمات الإنسانية، بتجفيف التمويل ومضايقة الطواقم.
سرقة القوافل الإغاثية، كما حصل حين نُهبت 98 شاحنة من أصل 109 في تشرين الثاني الماضي قرب معبر «كرم شالوم».
قصف مباشر لشاحنات المساعدات، واعتقال من يحاول إدخالها.
إطلاق نار على الناس في طوابير الغذاء، حيث قُتل نحو 875 فلسطينياً خلال الأسابيع الماضية أثناء انتظارهم لمساعدة إنسانية، بعضهم قُتل رمياً بالرصاص، وبعضهم دهساً، وبعضهم دهساً ثم قنصاً.

كل هذا ليس عرضاً جانبياً للحرب، بل هو صلبها، هذه ليست «أخطاء في التنفيذ»، بل أدوات متعمّدة لفرض الجوع كسلاح عسكري.
نحن نقف أمام محكمة لم تُعقد بعد، ولكن التاريخ سيفتح أبوابها، واليوم، تقف الإنسانية في قفص الاتهام، وكل صامت عن هذا الجحيم، هو شريك فيه.

كل طفل يذبل هناك، يُسقط ورقة من إنسانيتنا. فهل تبقّى من تلك الأوراق ما يكفي لسترنا؟ هل نبقى نعتبر أنفسنا «أخلاقيين» ونحن نرى شعباً يُجَوَّع عمداً، ثم نواصل حياتنا كأن شيئاً لم يكن؟ هل نسامح أنفسنا لأننا نشارك تغريدة، أو نغضب في سرّنا، بينما الموت يأخذ شكلاً إدارياً منظماً، ويُدار كملف أمني لا إنساني؟

هذا المقال ليس دعوة للشفقة، ولا حتى للتضامن العاطفي... إنه اتهام. اتهام لكل نظام صمت، ولكل مؤسسة تواطأت، ولكل شخص رضي أن يُقتل شعب بالجوع باسم الأمن. اتهام لنا جميعاً... القاعد منا والقائم، المجاهد والمتخاذل... حتى تمتلأ بطون الأطفال في غزة، كلنا متهمون... أو نموت دونهم.

ففي غزة، لا يُدفَن الموتى فقط، بل يُدفَن معنى العالم، وكرامته، وإنسانيته.

* صحافي

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك