السرّية المصرفية: قراءة تحليلية في قانون الـ 2025

لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أزمة مالية واقتصادية كبيرة، ما زاد الضغوط الداخلية والدولية لإجراء إصلاحات في المنظومة القانونية، فبرز على الساحة التشريعية أخيراً قانون السرية المصرفية، ليتصدر المشهد من خلال إحداث تعديلات جديدة فيه؛ فهل يكون أداة إصلاحية فاعلة وجدّية؟ أم أنه يبقى ضمن دائرة المحاولات الشكلية؟
تُعدّ السرّية المصرفية إحدى الركائز الأساسية للعمل المصرفي، كونها حجر الأساس في بناء الثقة بين العملاء و المصرف، إذ تقوم على مبدأ حماية خصوصية المعلومات المالية واستقرار المعاملات المصرفية. وقد تبنى لبنان هذا المبدأ على مدار سنوات طويلة، ما أسهم إلى حد كبير في إنعاش الاقتصاد وجذب لا يستهان به لرؤوس الأموال الأجنبية.
وقد كرّس لبنان هذا المبدأ عندما أقرّ المشرّع قانوناً خاصاً بالسرّية المصرفية عام 1956 على غرار التشريع السويسري، الذي لحظ مبدأ السرية المصرفية بشكل كبير، والذي اعتبر من أقدم المبادئ القانونية التي حكمت العلاقة بين المصارف والعملاء.
أولاً: تطوّر قوانين السرّية
أُطلقت يد السرّية المصرفية في لبنان بشكل كبير عام 1956، عندما أقر المشرّع قانون السرّية المصرفية، والذي ألزم المصارف بالحفاظ على السرية المصرفية المطلقة، ومنعها من إفشاء المعلومات المصرفية لأي جهة كانت، سواء خاصة أم عامة أم إدارية أم قضائية، مع وجود بعض الاستثناءت المحددة حصراً في القانون (نذكرها باختصار):
-الحصول على إذن العميل أو ورثته.
-صدور حكم بالإفلاس.
-وجود نزاع قضائي بين العميل والبنك (المادة 2)
-وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع.
-الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها (وفي هذه الحالة ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية ــــــــ وفق البند 4 من المادة 6 من القانون رقم 318/2001 المتعلق بمكافحة تبييض الأموال والذي سنأتي على ذكره).
وقد بلغت السرية المصرفية في هذه المرحلة أعلى درجاتها، إذ تَشدّد القانون إلى درجة معاقبة مديري وموظفي المصارف بالحبس من 3 أشهر إلى سنة في حال خرقهم لمبدأ السرّية (المادة 8).
ثم صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 318 عام 2001 السابق ذكره، والذي صان مبدأ السرية المصرفية، وحرص على المحافظة عليه، وفي الوقت نفسه أنشأ جهازاً باسم «هيئة التحقيق الخاصة» أعطي بموجب القانون صلاحية رفع السرية عند الاشتباه بوجود حالات تبييض الأموال. ثم وسّع القانون 32/2008 صلاحية هذه الهيئة، لجهة حصر صلاحية تجميد السرية عن الحسابات المصرفية. ثم استبدل القانون 318/2001 بالقانون 44/2015 والمعروف بـ«قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب» حيث وسّع دائرة الأموال غير المشروعة، كما تشدّد في إجراءات المكافحة، ولكن يبقى ذلك كله تحت مبدأ السرية المصرفية (فهي المبدأ والباقي استثناء).
أدىّ هذا الواقع إلى جعل النظام المصرفي اللبناني ملاذاً للمستثمرين والتجار الإقليميين، ورجال الأعمال الذين وجدوا فيه البيئة المناسبة لأموالهم بعيداً من الضرائب والقيود، وتحولت السرية المصرفية إلى غطاء آمن لاحتضان رؤوس الأموال الأجنبية، ما أسهم في ترسيخ موقع لبنان المالي واستقطاب الثروات من مختلف أنحاء المنطقة.
ولكن ماذا بعد ذلك؟ تحوّلت السرية المصرفية من نعمة إلى نقمة؛ إذ لعبت دوراً مزدوجاً في الاقتصاد، فالرخاء الاقتصادي قابلته بيئة خصبة للفساد. والثقة بين المصرف والعميل قابلها أزمة ثقة بين المواطن والدولة. بالتالي، بات من الواضح أن هذه السرية، بصيغتها المطلقة، أصبحت تشكّل الحضن الدافئ للفساد والمفسدين، فتراكمت الأزمات المالية وصولاً إلى الانهيار.
من هنا برزت الحاجة إلى الحد منها لوضع لبنان على سكة التعافي المالي واعتماد «خطة إصلاحية» (بناءً على توصيات صندوق النقد الدولي)، والعمل على تعزيز الشفافية في العمليات المصرفية والحد من مبدأ السرية المصرفية، بل والعمل على إلغائها كخطوة أساسية نحو عملية الإصلاح المنشود. استتبع ذلك تعديل قانون السرّية المصرفية بموجب القانون الرقم 306 عام 2022، حيث عدّل أحكام قانون السرية لجهة تعزيز إجراءات مكافحة تبييض الأموال ومكافحة الفساد، وتعزيز الامتثال الضريبي والحد منه، كما وسّع دائرة الاستثناءات على مبدأ السرية فأضيفت إلى الفقرة الأولى من المادة الثانية منه عبارة: «أو وفقاً للاستثناءات المنصوص عليها في المادة السابعة من هذا القانون»، وهو ما يشير إلى توسيع دائرة هذه الاستثناءات.
فما هي أبرز هذه التعديلات؟
-وسّع المشرع في هذا التعديل نطاق الاستثناءات على مبدأ السرية المصرفية مع الحفاظ على الاستثناءات القديمة الواردة في قانون عام 1956، حيث جاء في المادة السابعة من القانون الرقم 306 ما يلي:
«مع مراعاة أحكام المادة الثانية من هذا القانون، لا يمكن للمصارف المشار إليها في المادة الأولى أن تتذرع بسر المهنة أو بسرية المصارف المنصوص عليها في هذا القانون، وعليها أن تقدم جميع المعلومات المطلوبة فور تلقيها طلباً من:
أ-القضاء المختص في الدعاوى المتعلقة بجرائم الفساد والجرائم الواقعة على الأموال وفقاً لأحكام قانون العقوبات، والجرائم المنصوص عليها في المادة 19 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، والجرائم المحددة في المادة الأولى من القانون الرقم 44 تاريخ 24/11/2015 وتعديلاته (مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب) ودعاوى الإثراء غير المشروع (قانون التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع).
ب-هيئة التحقيق الخاصة بموجب قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب آنف الذكر.
ج-الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (استناداً إلى القانون الرقم 175/2020)
د-الإدارة الضريبية بهدف مكافحة التهرب الضريبي والالتزام الضريبي والتدقيق وفقاً لأحكام قانون 44/2008 وتعديلاته.
هـ-كل من مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، وذلك بهدف إعادة هيكلية القطاع المصرفي وممارسة دورها الرقابي عليه. ويمكن للجهات الواردة أعلاه تبادل المعلومات في ما بينها لهذه الغاية.
و-بهدف إعادة هيكلة القطاع المصرفي والقيام بالأعمال الرقابية عليه، يمكن للجهات المشار إليها في البند (هـ) أعلاه أن تطلب معلومات محمية بالسرية المصرفية دون تحديد حساب معين أو عميل معين، بما في ذلك إصدار طلب عام بإعطاء معلومات عن جميع الحسابات والعملاء من دون أسمائهم. إلا أنّ هذه الطلبات تبقى قابلةً للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة من قبل الأشخاص الطبيعيين والمعنويين، ويكون الاعتراض بدوره خاضعاً للأصول المقررة بشأن الأوامر على العرائض.
ز- يتم تحديد المعايير والضوابط التطبيقية المتعلقة بالفقرتين (هـ) و(و) أعلاه بموجب مراسيم تتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير المالية.
يوقف الاعتراض تنفيذ الطلب إلى حين صدور الحكم بشأنه، ما لم يقرر القاضي الناظر في الطلب خلاف ذلك خلال مدة 15 يوماً، في حال تمّ استئناف قرار قاضي العجلة يوقف تنفيذ الطلب للمتضرر دون الواردين في الطلب العام.
نلاحظ مما سبق أعلاه، أن غاية المشرّع الجليّة في الحد من مبدأ السرية المصرفية تجلت في اعتماده عبارة «القضاء المختص» ما يدل على شمول قضاء الملاحقة والتحقيق والحكم، بالإضافة إلى عدم الحاجة إلى الحصول على موافقة أي جهة إدارية للموافقة على رفع السرية المصرفية.
نضيف إلى ذلك أن القانون الرقم 532/2008 قد حصر صلاحية رفع السرية المصرفية بـ«هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان» ما يتماشى مع الاتفاقيات والمعايير الدولية المتعلقة بمكافحة الفساد، فيما لم يأتِ القانون الرقم 306 بأي تعديل في هذا السياق ما أثار اللغط بموضوع الطلب في ظل السكوت التشريعي عنه.
فهل هذه التعديلات كافية للوصول إلى صيغة تشريعية جازمة، في ما يتعلق برفع السرية المصرفية؟ أم أنها تعديلات خجولة تؤدي إلى ثقب مبدأ السرية دون الوصول إلى صيغة واضحة تحقق التوازن بين مبدأ حماية السرية المصرفية ومتطلبات الشفافية؟
يدرك المشرّع نفسه أن هذه التعديلات لم تلبِّ متطلبات الشعب اللبناني، ولم تفتح الأبواب أمام الجهات الرقابية، ولم تنجح في تلبية «شروط الشفافية» التي طالب بها صندوق النقد الدولي الحكومة اللبنانية، من هنا جاء قانون السرية المصرفية لعام 2025، لتقديم رؤية جديدة تحاكي «المعايير الدولية لمكافحة الفساد» نحو «تعزيز الشفافية والمساءلة».
ثانياً: قانون عام 2025 «إصلاح تشريعي» جديد
ضجّ أخيراً مجلس النواب بمشروع القانون الرامي إلى تعديل المادة 7 (هـ) و(و) من القانون المتعلق بسرّية المصارف، والمادة 150 من قانون النقد والتسليف تاريخ 1/8/1963 المعدلة بموجب القانون الرقم 306 سنة 2022، ليصار إلى إقراره في مجلس النواب ونشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 24/4/2025. فماذا تضمن القانون الجديد؟ وما هي الرؤية الإصلاحية المنشودة التي يحملها؟
تضمن التعديلات التالية:
- إطلاق يد مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، للحصول على جميع المعلومات المصرفية دون قيود واستثناءات.
- تمكين الجهات الواردة أعلاه من المطالبة بمعلومات محمية بالسرية المصرفية دون تحديد حساب معين أو عميل معين، ثم العمل للحصول على أسماء العملاء بشكل علني لتحليل ودائعهم والتأكد من مشروعيتها بهدف إعادة الهيكيلة المصرفية مع حذف عبارة (دون أسمائهم) الواردة في القانون الرقم 306.
- تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف عام 1963، إذ يتيح لمراقبي مصرف لبنان أو أي جهة مخولة بالتدقيق والرقابة وذلك في إطار ممارسة عمل الرقابة والتدقيق والاطلاع على جميع أنواع الحسابات المصرفية دون وجود أي استثناءات لجهة التمييز بين الحسابات الدائنة والحسابات المدينة، وعن أي سجلات ومستندات ومعلومات عائدة لأي شخص معنوي أو حقيقي يتعامل مع أي مصرف أو مؤسسة خاضعة للرقابة بمن فيها تلك المحمية بالسرية المصرفية.
- تطبيق التعديلات الواردة بأثر رجعي يمتد لعشر سنوات سابقة من تاريخ صدور القانون.
- منح الجهات الرقابية صلاحية تبادل المعلومات فيما بينها تحقيقاً للرقابة الفاعلة.
- الإبقاء على إمكان الاعتراض على طلب المعلومات أمام قاضي الأمور المستعجلة.
ثالثاً: أبرز التحدّيات
تعدّ من أبرز التحدّيات التي تواجه القانون الجديد المعدل:
- الثغرات القانونية والإجرائية والتي تتمثّل في ربط صلاحيات جهات معينة (مثل الإدارة الضريبية) بالحصول على مرسوم لاحق يتخذ في مجلس الوزراء من دون تحديد مهلة زمنية واضحة.
- المفعول الرجعي لمدة عشر سنوات، وهو بمنزلة خطوة للوراء تربك أعمال الجهات الرقابية، فضلاً عن أنها تعتبر بمنزلة صك براءة لرؤوس الأموال ما قبل العشر سنوات المحددة.
- امتناع بعض المصارف عن التعاون الكامل مع الجهات الرقابية بهدف الحفاظ على العلاقة مع الزبائن.
- عدم وجود آلية واضحة لتبادل المعلومات وضعف التنسيق بين الجهات المعنية.
- عدم تضمين القانون خطة إصلاحية واضحة للنظام المالي.
رابعاً: أبرز الاقتراحات
- الجدّية في رفع السرية المصرفية، وعدم المزاجية في طلب المعلومات المصرفية، مع تحديد معايير دقيقة لرفع السرية.
- إنشاء لجنة وطنية مستقلة للإشراف على طلبات رفع السرية لضمان سلامة وقانونية هذه الإجراءات.
- اعتماد رزمة إصلاحات منها إصلاح الخلل في البنية المالية للدولة.
- انتظام العمل المصرفي بشكل صحيح وإعادة هيكلته.
- عدم إساءة استعمال السرية المصرفية في أي عمليات ابتزاز والحفاظ على السرية المهنية.
- تحقيق التوازن بين حماية الخصوصية ومكافحة الفساد لبناء ثقة المواطنين والمستثمرين، ما يؤدي إلى جذب الاستثمارات وتحسين الرخاء الاقتصادي.
ويبقى السؤال الأهم: كيف ستتم مراقبة حسن تنفيذ هذا القانون؟ وما هي الضمانات لمنع إساءة استخدامه من قبل الجهات المخولة؟ وهل سيضع هذا الإصلاح التشريعي لبنان على سكة التعافي؟
* باحثة في القانون العام
