إسرائيل وأزمة السويداء: السعي نحو هيمنة انتهازية

في محافظة السويداء السورية، اندلعت أزمة في 11 يوليو/تموزK بدأت بمصادرة شاحنة خضروات تعود لرجل أعمال درزي، ممّا أدّى إلى تصاعد التوتّرات بين الأقلية الدرزية والقبائل البدوية، وتفاقمت الأزمة بتدخّل نظام دمشق لتتحوّل من قضية محلّية إلى أزمة دولية. وقد ساهمت إسرائيل، مستغلّة هذه الأزمة، في تعقيد الوضع أكثر. فما هو دور إسرائيل في هذه الأزمة؟ وكيف تسعى تل أبيب في تحويل هذا التوتّر إلى فرصة لصالحها؟
كل أزمة هي نتيجة وسبب في آنٍ معاً. فالاشتباكات في السويداء تعكس إخفاقات نظام دمشق الجديد في سياساته تجاه الأقليات والانتهاكات السابقة التي خلّفت أزمة ثقة. لكنّ هذه الأزمة، في الوقت ذاته، تمنح إسرائيل فرصة ذهبية للتلاعب بالديناميات الداخلية لسوريا.
فإخفاقات دمشق في إدارة العلاقات بين الأقليات والأغلبية، إلى جانب عجز قيادة «هيئة تحرير الشام» عن ترجمة براغماتيّتها إلى قواعدها العسكرية والأمنية، ومشاكل دمج الفصائل العسكرية السابقة في الجيش، وتعيين ولاة من خارج المحافظات، وتقسيم المناصب الوزارية المهمّة على المقرّبين من الشرع، كلّها عوامل تعمّق أزمة الثقة وتسهل مهمّة إسرائيل.
المناورة الإستراتيجية: تحويل الأزمة إلى هيمنة
قامت إسرائيل بقصف دمشق وقصر الرئاسة، لتُخرج أزمة السويداء من إطارها المحلّي وتحوّلها إلى قضية دولية، ممّا يصعّب حلّها. هذا التدخّل يكشف محاولة تل أبيب لتصوير نفسها كـ«حامية» للأقليات، لكنّ هذا الموقف ليس سوى قناع. الهدف الحقيقي هو تحويل المناطق الجنوبية في سوريا – القنيطرة ودرعا والسويداء وحتى التنف – إلى منطقة عازلة طويلة الأمد. هذه المنطقة لن تكون فقط درعاً ضد التهديدات الداخلية السورية، بل ضد أي تهديدات محتملة من جهات إقليمية أيضاً.
تسعى إسرائيل لإبقاء التوترات بين الأقليات ودمشق مشتعلة، لإضعاف السلطة المركزية. وفي حال نشوء أزمة مماثلة مع الأكراد أو غيرهم من الأقليات، لا شكّ أنّ إسرائيل ستتّبع النهج نفسه. تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم برّاك، تؤكّد هذا التوجّه، حيث قال: «الدول القومية القوية، خاصة الدول العربية، تُعدّ مصدر تهديد لإسرائيل». إسرائيل تفضّل رؤية سوريا مجزّأة، ضعيفة، ومستنزفة بالصراعات الداخلية، كما فعلت الحرب الأهلية منذ عام 2011.
الكفاح من أجل الفوضى
لا تعتبر إسرائيل سوريا دولة أو أمّة، بل مجرّد مساحة جغرافية. ووفقاً لهذا المنظور، تسعى إسرائيل إلى إثارة الفوضى الداخلية عبر الدروز لإبقاء سوريا ضعيفة. وهذا يُظهر موقف إسرائيل الإستراتيجي ضد قيام دولة سورية قوية، حيث تستخدم الفوضى كأداة.
تُعد إستراتيجية إسرائيل هذه، القائمة على الفوضى، سلاحاً قد يرتدّ عليها كالبوميرانغ. فطموح تل أبيب حالياً لإقامة منطقة عازلة في جنوب سوريا يُنظر إليه كوسيلة لحماية نفسها من هجمات مفاجئة محتملة من سوريا أو مناطق أخرى في الإقليم.
لكنّ المشكلة تكمن في أنّ الوضع الضعيف الحالي لسوريا، وعملية الفوضى التي بدأت مع انتفاضات الربيع العربي في عام 2011، هي نتيجة للسياسات الإقليمية للولايات المتحدة وإسرائيل. ليست هذه المرة الأولى التي تضرب فيها إسرائيل دمشق؛ فقد قصفتها مرات عديدة أثناء حكم بشار الأسد، وإذا تذكّرنا، فتحت إسرائيل أبواب مستشفياتها على مصراعيها أثناء الحرب الأهلية لعلاج عناصر المعارضة المصابين من الجنوب.
إسرائيل بعد 7 أكتوبر: الجرأة والثقة المفرطة
منذ عملية حماس العسكرية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبعد الهجمات العنيفة والدامية، ازدادت جرأة الكيان الإسرائيلي بدعم من الغرب، وباتت تتصرّف وكأنها غير ملزمة بأي قانون دولي. طبعاً هذا لم يكن ظاهرة جديدة ولكنّ المشكلة تفاقمت وازداد الكيان جرأة. قصف عواصم ومقرّات ديبلوماسية دون خوف من المحاسبة يعكس هذا التحوّل. تسعى تل أبيب لخلق انطباع بأنها هزمت قوى المقاومة وأضعفت إيران وحلفاءها، لكنّ الواقع مغاير. فحماس، رغم خسائرها الهائلة، لا تزال تقاوم في غزة، وحزب الله، رغم الضربات التي تلقّاها، يحتفظ بوجوده في لبنان. الصورة التي تحاول إسرائيل تسويقها عن أنها «لا تقهر» ليست سوى عملية دعائية.
ادّعاء إسرائيل حماية الدروز هو جزء من هذه الصورة. تدخّلاتها في السويداء ليست لدعم الدروز، بل لتعزيز سيطرتها على جنوب سوريا. هذه المنطقة تُعتبر بالنسبة لتل أبيب خط دفاع ضد سوريا وجهات إقليمية مثل إيران وحزب الله. لكنّ هذه الإستراتيجية ستزيد من عدم الاستقرار في المنطقة، إذ تعمّق تدخّلات إسرائيل أزمة الثقة بين الأقليات والنظام.
نقاط ضعف دمشق والبحث عن حلّ
تتحمّل دمشق مسؤولية كبيرة في تمكين إسرائيل من التدخّل بسهولة. إنّ عجز «هيئة تحرير الشام» وقيادة أحمد الشرع عن فهم حساسيات الأقليات وإنتاج سياسات تلبّي احتياجاتها يفاقم الأزمة. القوات الأمنية تفتقر إلى البراغماتية على المستوى الأدنى، وتمثيل الأقليات في الحكومة يبقى رمزياً، ممّا يعزّز شعورهم بالتهميش. هذه الثغرات تمنح إسرائيل فرصة للتدخّل.
فما هو الحلّ؟ يجب على نظام دمشق أن يدرك عيوبه ويجري تقييماً ذاتياً. لا بدّ من تبنّي نموذج حكم شامل يضع حقوق الأقليات في صميمه. إذا لم تستطع «هيئة تحرير الشام» تحقيق هذا التحوّل، فعليها تسليم السلطة لحكومة تحترم الحرّيات وحقوق الأقليات. وإلا، ستستمر إسرائيل في استغلال هذه الثغرات لتعزيز أحلامها بالهيمنة على سوريا.
إنّ تصرفات إسرائيل غير القانونية تشكّل تهديداً ليس فقط لسوريا، بل للمنطقة بأسرها. الإبادة الجماعية في غزة، والهجمات على لبنان وسوريا، هي جزء من سياسة زعزعة استقرار المنطقة. على الدول الإسلامية أن تواجه هذا السلوك العدواني، وإلا فإنها ستكون الهدف التالي. لكن، في الوقت ذاته، يجب على دمشق معالجة أخطائها الداخلية. بدون إصلاح هذه الثغرات، سيبقى حلم بناء حكومة مركزية قوية في سوريا بعيد المنال. السلام الإقليمي يتطلّب وقف جرأة إسرائيل وتصحيح الديناميات الداخلية في سوريا.
* كاتب تركي
