غرف ضيّقة وقلوب واسعة: نازحو جنين يتقاسمون المكان والحلم

كانت تجلس في طرف الغرفة كأنها امتداد لجدرانها المرهقة، امرأة مسنّة تتجاوز السبعين، يعلو وجهها وجعٌ لا يشبه البكاء العادي. لم تسألني من أنا ولم ترحّب بي، فقط بدأت تتحدّث كما لو أنّ الكلام تأخّر كثيراً. كانت تبكي وهي تقول: «غزة تُقصف، وإحنا منّامش، ما إلنا عين نشتكي، بس وجعنا موجوع فينا». ثم رفعت عينيها نحوي وسألت: «ليش؟ ليش ما حدا سائل؟ وين العرب؟ وين العالم؟ حتى السلطة مش إلنا... إحنا من المخيم، كل شي صار طبقي، حتى النضال».
حديثها لم يكن مجرّد تذمّر. كان درساً في الوعي، في الغضب، في التاريخ. قالت إنّ ما يوجعها ليس الغربة في الإسكانات الجامعية ولا ضيق الغرفة التي تسكنها مع ابنها، بل الشعور بالتهميش داخل القضية نفسها. ثم أنهت بصوت مبحوح: «أنا من الأراضي المحلتة 1948. مش راح أموت قبل ما أرجع، أو أحلم على الأقل».
في زاوية منسية من هذه البلاد، على أطراف مدينة أنهكها الحصار من الداخل، يعيش بشر نزحوا ولم يسافروا، تاهوا دون أن يغيّروا العنوان. في غرف ضيّقة لم تُبنَ إلا لاحتواء طالب جامعي واحد، تراكمت العائلات بكل ما تحمله من تفاصيل: أمهات يحملن الصبر على أكتافهنّ، أطفال بعيون تسرق الضوء من الزوايا وآباء يخبّئون عجزهم في صمت طويل.
لم يكن المكان مُعدّاً للحياة. الغرف الصغيرة، ثلاثة أمتار بثلاثة، تضمّ مطبخاً ومرحاضاً وسريراً وذاكرة مضطربة. كانت مجرّد وحدات طلابية، بلا روح، بلا نوافذ، بلا فكرة عن وجود عائلة كاملة ستُزاحم جدرانها. الآن، صارت هذه الغرف مأوى لمن أُجبروا على مغادرة مخيم جنين تحت وطأة العدوان. مأوى... نعم. لكنها مجرد كلمة جميلة تُقال للترضية. فالسقف ليس كافياً حين تتكاثر الأرواح على البلاط، وحين يصبح الحمّام هو المطبخ وهو غرفة النوم.
حين زرتهم، لم أكن مجرّد صحافي أو كاتب يبحث عن قصة. كنت إنساناً يتلمّس التشقّقات التي لا تُرى في الوجوه، يتتبّع الشقوق التي تُحدثها الحرب في الداخل، في الروح، في المعنى. لم يسألني أحد منهم لماذا جئت. كانوا ينتظرون شخصاً يحمل صوتهم، لا مساعدات، لا وعوداً، فقط صوتاً.
قال لي أحدهم: «نحن بخير... على الأقل لسنا تحت القصف». نظرت في عينيه، ولم أرَ طمأنينة. رأيت فقط محاولة شديدة للامتنان في زمنٍ لا يهب شيئاً. هذه الجملة كانت اعتذاراً غير منطوق عن الألم، وكأنّ معاناته لا تستحق أن تُذكر لأنّ في غزة ما هو أفظع.
النازحون هناك لا يعيشون فقط أزمة مكان. إنهم يقيمون في هامش الوطن. يشعرون أنهم ضيوف في مدينة لا تعرفهم، ولا يسألون منها شيئاً سوى ألّا تُنسِيهم أنفسهم. لم أسمع أحداً يشتكي من الطعام أو الغرفة أو الازدحام. كل ما أرادوه أن أكتب، فقط أن أكتب. «قل إنّا نريد أن تنتهي الحرب في غزة»، قال لي شاب بصوت خافت. وأضاف آخر: «نريد أن نعود... لكن قبل كل شيء، نريد أن يعودوا إلى الحياة هناك».
قال لي أحدهم: «نحن بخير... على الأقل لسنا تحت القصف». نظرت في عينيه، ولم أرَ طمأنينة. رأيت فقط محاولة شديدة للامتنان في زمنٍ لا يهب شيئاً. هذه الجملة كانت اعتذاراً غير منطوق عن الألم وكأنّ معاناته لا تستحق أن تُذكر لأنّ في غزة ما هو أفظع
غزة كانت حاضرة دائماً. لم تغبْ عن الأحاديث ولا عن القلوب. وكأنّ كل من تهجّر من جنين، حمل في صدره جزءاً من القطاع. وكأنّ الاحتلال هناك هو ذاته هنا. الفرق فقط في شكل الألم، لا في جوهره. احتلال واحد ووجوه كثيرة للمعاناة.
المأساة ليست في القصف وحده، بل في ما يليه: حين لا تجد سريراً ولا كرامة ولا صوتاً يسأل عنك. حين تصبح حياتك مؤقّتة، مؤجلة، معلّقة على جدار بارد. بعض الناس يحاولون أن يعيشوا وكأنّ شيئاً لم يكن. يتابع الأخبار على الهاتف ثم يغلقه. يذهب إلى عمله، إلى مقهاه، يشتري الخبز، ينشغل بفاتورة الكهرباء. وهنا... في هذه الغرف، أناس لا يعرفون إن كانوا سيعودون إلى بيوتهم أو ستُهدم فوق ذكرياتهم.
ما يُوجِع حقاً هو أن تصبح الحياة مجرّد «بقاء». لا خطط، لا مواعيد، لا مدرسة غداً، ولا خبزاً يُخبز للنهار القادم. كل شيء مؤجّل حتى إشعار آخر. حتى الحلم يبدو أمراً مبالغاً فيه. طفل في العاشرة سألني: «متى نرجع على البيت؟» ولم أعرف كيف أجيبه. هل أقول له إنّ البيت قد لا يعود؟ أم أكذب كيلا أُحبطه؟ في النهاية، قلت له: «قريب إن شاء الله»، وتمنّيت أن أصدّق نفسي.
أكتب لأني شعرت أنّ الصمت خيانة. أكتب لأنّ الأطفال الذين رأيتهم لم يعرفوا لعبة غير القلق ولأن الأم التي حدّثتني كانت تخفي دمعتها خلف عبارة «الحمد لله». أكتب لأنّ هذا الوطن يتّسع لألمه ولا يتّسع لحديثه. كل شيء فيه قابل لأن يُنسى بسرعة.
نحن في مكان فقد قدرته على الدهشة، على التأثّر، على الإصغاء. لا أحد يريد أن يسمع بعد اليوم. الكل تعب. لكن هناك مَن لا يملك رفاهية التعب، لأنه لم يُمنح فرصة أن يعيش يوماً واحداً بلا قلق.
في تلك الغرف، لم أرَ ضحايا فقط. رأيت كرامة مكابرة ووجوهاً تتدلّى منها الأسئلة: متى تنتهي الحرب؟ لماذا لا نُرى؟ هل يكفينا أن نظلّ أحياء كي يُصغى إلينا؟
لا يهم إن كان السقف منخفضاً، أو كان الضوء بالكاد يصل. المهم أنّ أحداً يقول للعالم إنّ هذه العائلات لم تخرج من بيوتها بإرادتها، وإنها تحاول البقاء بلا صوت، بلا ضجيج، فقط بأمل خافت، ألّا تُمحى من الذاكرة.
قد لا تكون لدي إجابة ولا قدرة على إنهاء حرب ولا حتى على إصلاح غرفة متهالكة. لكنّي أكتب وهذا، أحياناً، كل ما يمكنني فعله.
ومع كل هذا الصمود، تبقى الكلمات تردّد أصداء الحقيقة على ألسنة من لم يغادروا الوطن، رغم الألم، رغم الدمار:
«ماني نايـم..
ماني نايم بالخيمة وتحت المطر وغطايا
آه ياعالم غيمة وأوراق الشجر
لو سمّوا الميّـه ما يخالف
لو هدّوا البيت مش خايف
لو كسروا عظامي
ماني زاحف
رح ألمّ عظامي
يابَلدي وأصنع مقـلاع وحجـر».
هذه الكلمات ليست مجرّد أغنية، بل هي صوت الحياة التي لا تستسلم، هي نبض وطن يرفض أن يموت، رغم كل شيء.
* كاتب فلسطيني
