الشعوب الفلسطينية: عن انتفاضة الضفة والقدس

كان، ولا يزال، نداء السابع من أكتوبر تجسيداً لـ«إلقاء الثورة في الشارع» بتعبير الشهيد العربي بن مهيدي. إنما وحتى اللحظة لم ينطوِ على هذا الإلقاء الشطر الثاني من عبارة القائد الجزائري: «يحتضنها الشعب»، وكأنه يشير إلى مخاض عملية نقل الثورة من جبال الأورال إلى مدن الساحل. وفي زمننا اليوم من ساحل غزة إلى مدن الضفة والقدس. تكمن أهمية محاولة معرفة أسباب ذلك في الحاجة الضرورية إلى لعب كل منّا دوراً في عملية فهم، ومن ثم نفي تلك الأسباب. فحالة الجمود السياسي-الاجتماعي التي نعيشها ليست مخزية فقط، بل إنّ لها نتائج كارثية على كل مدى ومستوى.
إنّ تماسك مفهوم الشعب الفلسطيني، كوحدة اجتماعية تتشارك مظلة بنية الاحتلال وسلطته الاستعمارية، على المحك. وبما ينذر بتدهور يؤول إلى نشوء «شعوب» فلسطينية، لا كإشارة لفظية، بل كواقع حقيقي. فالرابطة الوجدانية والسياسية والتاريخية المكوّنة لهوية ما نشير إليها بـ«الشعب الفلسطيني»، والتي تحفظ التماسك الرفيع في مقابل الهندسة الاستعمارية للظرف الجغرافي والسياسي والاقتصادي على امتداد الأرض المحتلة، تعيش لحظة مفصلية.
وإن لم نستدرك المسألة، فلا يمكن تحاشي آثارها الكارثية مهما كانت مآلات احتمالات المستقبل. فلو حتى افترضنا احتمال نهاية الاحتلال بشكل ما، فكيف لنا بكل جدّية أن ننشئ كعرب وطناً وسردية وطنية جامعة ومتماسكة ندّعي فيها مساواة المساهمة التحررية بين غزة ورام الله وحيفا؟ -فضلاً عن باقي الأمة- حيث ستعاني قصة قيام الوطن وتاريخنا فيه وصراعنا ضد غزاته من اختلال سينعكس على كل ديناميكية العيش فيه.
وقبل كل ذلك الافتراض، فإنّ التحوّل من وحدة اجتماعية إلى وحدات مختلفة رغم تشارك المحتل ذاته، وبما يشبه الحتمية التاريخية لجميع المشاريع الاستيطانية الإحلالية، تحوّل يمثّل المعالم الأخيرة لإتمام مراحل استتمام الإبادة، حيث ينتفي مفهوم «الشعب»، وما يبقى سوى ذكرى «السكان» المحليين أو الأصليين.
نعيد ونكرر هنا من جديد، أن الصراع ضد الاستعمار هو في مساقاته الرئيسية مساق بناء هوية، ولا يمكن بناء الهوية عبر الشعار والفولكلور والأغاني على إحدى القنوات التلفزيونية لسلطة أوسلو أو بحشود الفاعلين في الفضاءات الإلكترونية، بل عبر المشترك المادي على الأرض في ممارسة صناعة الحدث التاريخي، وهو ما يستلزم بالضرورة قاعدة تقديم دماء الشهادة في سبيل سفك دماء الأعداء.
أعطت «سيف القدس» والهبّة التي تخللتها، وما تلاها من عمليات فردية بطولية ومواجهات في الضفة، من عرين نابلس إلى كتيبة جنين، لقيادة المقاومة في غزة معطى مفاده «القابلية للانفجار». إلا أن تبعات عملية السابع من أكتوبر لم تنتج التصوّر المُفترض للهبّة، وذلك لجملة من الأسباب. فمثلما مثّلت هبة أيار 2021 جسّ نبض للمقاومة ولّد، كما كشف أبو عبيدة، تبلورَ التخطيط لـ«الطوفان»، فقد كانت بدورها إنذاراً مبكراً للعدو للقيام بحملات أمنية عقابية وردعية ووقائية.
من جهة أخرى، إن «لحظة البدء» في أكتوبر، وبشكل لم تغفل عنه تراتبية النداءات في خطاب صباح «الطوفان»، هي لحظة استنفار المجتمعات المنظّمة، أي حركات المقاومة. ومن هنا دليل آخر، على أهمية تنظيم المجتمع كشرط أساسي يُبنى عليه الفعل الفكري والسياسي والعسكري، وهو معطى ثوري لينيني عتيد وقديم. ومن القدم أيضاً تعبير غرامشي أن العملية التنظيمية هي نقطة التوسّط بين النظرية والممارسة.
ففي لحظة كـ«الطوفان»، والانتقال المتسارع من النظرية إلى الممارسة، فإن المجتمعات المنظمة هي الوحيدة القادرة على مواكبة ذلك، وهو ما شهدناه في الاستجابة السريعة لحركات المقاومة، وهو ما وضعها أمام مسؤولية واستحقاق تاريخي قبل الجميع. وكذلك، بالنسبة إلى البنى شبه التنظيمية والهجينة في كتائب مخيمات شمال الضفة الغربية. بينما من ناحية الجمهور في باقي الضفة والقدس، فبمنظور التنظيم الاجتماعي لا يفتقد المجتمع للتنظيم فقط، بل إنه تحت سطوة تنظيمية لبنية متعاونة مع الاحتلال، أي سلطة رام الله، وكذلك تنظيم الاحتلال ذاته.
تتحوّل طبيعة العمل السياسي إلى وعي زائف عبر نوع من التشجيع على الهامش، وكلما شجّع الفرد في الفضاء الافتراضي أكثر، افترض قيامه بمساهمة وعمل سياسي
يقرّبنا منظور التنظيم الاجتماعي من إجابة غير كاملة على سؤال سرعة الاستجابة. بينما يُعلي من جهة أخرى سؤالاً آخر، وهو لماذا لم تولّد اللحظة ومن ثم الحرب والإبادة، ليس بالضرورة هبّة اجتماعية ولكن محاولات جادّة للتنظيم، أو أي نوع من الحركة والمبادرة.
تكمن الإجابة هنا في فهم تاريخ الانتفاضتين، بل مجمل الانتفاضات الشعبية على مستوى أي مجتمع. وذلك في كون شرط نشوئها الوصولُ إلى لحظة يأس وانسداد أفق يؤول إلى الانفجار.
ففي الانتفاضة الأولى من مآلات الوضع العربي ووضع منظمة التحرير بعد الخروج من بيروت، والثانية بعد تبخّر سراب الحلم الأوسلوي. والآخر، أن العملية التنظيمية بذاتها هي تنبت وتستولد من خلال الانتفاضة الشعبية وفي مساحة العمل التي تنتجها الفوضى واهتزاز الوضع القائم، كما تخبرنا تجربتا الجهاد وحماس.
بينما ما كان يشكّل واقع الضفة والقدس في العشرين شهراً منذ «الطوفان»، حالة «تعويلية» و«ترقّبية» لتبعات الحدث الإقليمي والاشتباك التنظيمي الذي تسيّد المشهد. تسيّد جعل الحدث في الضفة، من تهجير واستيطان وتدمير وهدم للمخيمات الأكبر والأضخم منذ الاحتلال عام 1967، على هامش المشهد العام. وكل ذلك في ظلّ جمود اجتماعي فلسطيني وانتظار سلبي لمفاعيل الحدث الإقليمي.
وهنا تكمن المفارقة، كيف أن فكرة وخطاب «المحور» والعطب البنيوي في آلية عمله التحشيدية والإعلامية، كان لكل ذلك أثر عكسي داخلي، يصنع جمهوراً من المنتظرين؛ فمن ناحية نظرية المفارقة والمعضلة في أن يؤدي الوجود التنظيمي إلى حالة من الاتكالية بدلاً من نوع من العدوى النافعة لاستنساخ التجارب وتحفيز العمل. وعليه، تتحول طبيعة العمل السياسي إلى وعي زائف عبر نوع من التشجيع على الهامش، وكلما شجّع الفرد في الفضاء الافتراضي أكثر، افترض قيامه بمساهمة وعمل سياسي، بدلاً من الشكل الكلاسيكي الذي يتطلب الإعداد والاستعداد للتضحية والتنظيم في الشارع والجامع.
تعطينا تجارب الانتفاضتين قدرة تنبُّئِية لظروف الانتفاض، لا كظرف حتمي وإنما كنسبة احتمال وتضافر للشروط. وهو في انسداد الأفق مع طبيعة صمود المقاومة في غزة، وخبوت المشهد الإقليمي ونهاية التعويل على ساحاته بعد تناوب العدو عليها، بما يصل إلى مواجهة الضفة والقدس لمصير التصفية الصفرية، في ظل تعطّش أميركي وإسرائيلي للحسم، وهامشية أوروبية وعربية في القدرة على الاستمرارية في الاستثمار في مشروع السلطة.
لن يؤدّي تضافر الشروط إلى حتمية الانتفاضة، وإنما تكمن أهمية فهمها في مساعدتنا في معرفة الواجب في تحفيز الانتفاض ذاته، ودعم آلية عمله، وتبنّيه كاستراتيجية العمل القادمة من صندوق أدوات انتفاضة الأقصى. من باب تفاؤل العقل: في كل تجربة ثورية بعد مرحلة التكسير العسكري الاستعماري تأتي مرحلة الاشتباك ذي الطابع الشعبي.
لم تتحرر الجزائر العاصمة من الفرنسيين أو سايغون من الأميركيين وأغلب المراكز الحضرية المستعمرة عبر دخول عرمرمي للقوات المسلحة المُنهكة من الضربات في سنوات ذروة العنف، بل عبر مسار من الإنهاك للبنية الاستعمارية، التي ظنّت أن وحشيتها على قوى المقاومة حل نهائي، لتصطدم بواقع أن الصراع مستمر وأمام صدور الناس وتكتيكاتهم.
إننا ومع نهاية السنة الثانية من البداية الحقيقية للثورة الفلسطينية مع «الطوفان»، ومع بداية السنة الثالثة، أمام خيارين ومشهدين: حسم صهيوني وتصفية في الضفة والقدس دونما مواجهة ونهاية الشعب الفلسطيني كما نعرفه، أو أن نفرض على المشروع الصهيوني، المُنهك أيديولوجياً ومعنوياً، مواجهة مشهد انتفاضة الحجارة واشتباكات الانتفاضة الثانية، وهو ما لن يطيقه أو يتحمّله ويقرّبنا من التحرير.
إنّ الخيارات أمامنا في أن نكون كالحمل الوديع كما قال أبو إبراهيم السنوار أم لا، أن نعيد إحياء مفهوم الشعب الفلسطيني، الشعب الذي أشار إليه مهند الحلبي «فلا أظن أننا شعب يرضى بالذل»، فمَن الذليل الأحمق الذي يزهد ويفرّط في شرف أن يتشارك مع أهل غزة صفة الشعب ذاته؟! أمّا بالنسبة إلى العدو، فقد حسم خياراته والمستوطنون قادمون.
* كاتب عربي
