غزة تُري العالم سَوءته

ستنتهي الحرب عمّا قريب، ستنتهي كفعل عسكري يمزّق الأجساد، ويفتك بمن تبقّوا أحياء. ستنتهي الحرب، ودلالة ذلك تحرّك «الجماد»، فبعض الذين كان يجب أن يتحرّكوا منذ عامين، تحرّكوا الآن: خرج رئيس السلطة الفلسطينية بخطاب وجّهه لغزة البارحة، قال فيها كلاماً جيداً يدل على إنسان يهتمّ بشعبه، لكنه كلام متأخّر، إنما لزوم صفحات التاريخ بعد سنين، حتى يقال إنّ الرئيس الفلسطيني تكلّم مع شعبه، بوصفه شعبه، لا شعب بلد آخر. أيضاً بعض الدول العربية، بدأت ترفع صوتها قليلاً في وجه العدوان المستمر، هذا وهي تقمع كل صوت يتحدّث عن المجاعة، وتجهز على أي مبادرة لجمع ثمن كيس طحين من أجل الفلسطينيين في غزة.
هذه الحرب التي أتمّت كشف الجميع، من السلطة الفلسطينية إلى الفصائل والدول العربية مجتمعة والدول الإقليمية والمجتمع الدولي أيضاً، لم تترك مجالاً لأحد ليخفي هشاشته وضعفه وسكوته وخنوعه. فبعد أن مرّ وقت عليها، على الناس وهي تقتَّل جماعات جماعات، تنبّه الجميع لما يحدث، وتنبّهوا جميعاً أنهم بلا مقدرة، لا سيّما الدول العربية وجامعتها التي تستمدّ وجودها ومكانتها من مكانة الأعضاء فيها. لقد أعلنت هذه الحرب عن سادة بلا أسماء، يحملون صفات عليا في بلادهم و«مكانة» لدى شخصيات أخرى، تقودهم، تتحكّم في رقابهم، هؤلاء السادة، يدركون اليوم من دون أدنى شكّ أن شعوباً مظلومة على مرّ الأرض تشيح عنهم وتصمّ آذانها عن سماعهم.
وهؤلاء السادة يريدون إيقاف الحرب، ويريدونها أن تبقى إلى ما لا نهاية، ليس من أجل موت أكثر، بل ضمانة للأيام القادمة الحُبلى بانتفاضات في أكثر من بلد عربي وغيره. لذا سنشهد على الأغلب حملات قمعية كبيرة واعتقالات وبدأنا نسمع هنا وهناك عن مثل هذه الحوادث.
نعم غزة تغيّر العالم ويبدو أنها تمكّنت من عروش قتل في سبيل بقائها مئات الآلاف، لكنها سقطت وذهبت. وليس غريباً، فإسرائيل التي شنّت العدوان على غزة، بعيد «طوفان الأقصى»، هي عالمية الوجود وعالمية التأثير، فكل حدث هي طرف فيه هو حدث كبير، قد يستدعي تدخّل العالم من أجلها، وهذا ما حدث في «أكتوبر 2023». وذلك لأنّ ما يحدث لإسرائيل أو فيها، يحرّك الكراسي والطاولات، ليس في مقارّ الحكم فقط، بل في مكاتب الشركات الكبرى وفي مكاتب المفكرين والفلاسفة الاستعماريين.
وبالتالي، إنّ ما يحدث في غزة مسؤولية دولية، حتى وإن سمّي الفاعل إسرائيل، فالفاعل الفعلي إسرائيل وحشد من الدول، بينها دول عربية، من النافل الحديث عن صمتها ومواطن قوتها، لكنها شريكة على الأقل بمنعها شعوبها من التعبير وشريكة لكونها لا تستغل غضب شعبها في وجه الطغيان وشريكة لأنها لا تثوّر شعبها في وجه الطغيان. الطغيان الذي سيأكلها عمّا قريب، فهو «الدولة الموجودة من أجل الدول الأخرى»، مستخدم لأغراض استعمارية قديمة. فتلك الدول التي كانت استعمارية لمّا خرجت من بلادنا بفعل الثورات ضدها، خرجت من أجل مرحلة جديدة أيضاً، ستعيش فيها تروّج لحقوق الإنسان وللديموقراطية، لكنها أيضاً لن تترك مستعمراتها القديمة، فأوجدت وكيلها.
واليوم هذا الوكيل، بالوكالة عن نفسه وبالوكالة عن مشغّليه، يريد التوسّع، يريد أكل البقيّة وسيأكل، فمن لم يمنع على مرّ عامين ما يحدث، لن يتمكّن من صدّ العدوان القادم، لن يتمكّن على الإطلاق، مهما قاتل. وستستمر جوقة الرفض الدولي للتوسّع، وستمتنع بعض الدول ربما عن التعامل مع الطغيان المتغوّل في بلاد الآخرين، لكنها سرعان ما سترضخ، فدول الاستعمار القديم، ستعود إلى ممارسة دورها بكل وضوح، وستربّي كل متمرّد عنيد.
هل هذا هو الحال فقط؟ لا، هل هناك إمكانية للنجاة؟ نعم. كيف؟ الجواب في نحو مئة عام لم يُسكت شعب فلسطين وإن تراخى مرات، أو ضيّعت حقوقه قياداته، لكن الشعب، على الأقل فئة كبيرة منه، ظلّت صامدة في وجه الطغيان ومَن خلفه وظلّت تواجه، بكل الأساليب ولم تقبل المساومة. وهذه الفئة التي ستبقى فلسطينية، وحتى لو محتنا الدول التي تتمنّى محونا والتي تتمنّى لو أننا ما كنا أصلاً، لكانت أقلّ حرجاً ممّا هي فيه.
ستنتهي الحرب، وسيبقى في غزة أهل غزة، هذا سيناريو وربما سيتعرّضون للتهجير، في سنوات قادمة وربما الضفّة كذلك وكل فلسطيني في فلسطين. لكنّ نظرة خاطفة إلى الوراء، إلى 100 عام من الصراع، تؤكّد أنّ الفلسطينيين سيبقون، فهم من الصعب أن يفنوا مهما أبيدوا. لكن ما ليس مؤكّداً أن تعود في هذا الشعب، هذه القيادات القائمة السخيفة ولا هذه الأنظمة الراعية في أنحاء العرب والإسلام والعالم.
* صحافي فلسطيني
