زمن لا يقبل الانتظار

كنت قد بدأت بكتابة نصٍّ عن جورج عبدالله، أو الأصح أنني كنت أستقلّ الحافلة، حين وجَدتْ بعض التساؤلاتِ طريقها إلى رأسي. أي أنّني لم أكتب أي شيء على الإطلاق. فقط، وكالعادة، انتهيت من الكتابة في رأسي، ناسيةً أنّنا في زمن لا يقبل الانتظار.
على أيّة حال، توقفت عند جملةٍ تصف جورج بـ"الرجل العائد من الماضي". وجدتها عنوانًا جميلاً، لكن غير مكتمل، للمقال الذي دار في رأسي. تحديدًا لأنّه يطال علاقة المرء بالزمن، وعلاقة جورج على وجه الخصوص بالزمن. فنحن نتحدّث عن رجلٍ قضى أكثر من نصف عمره، الذي تجاوز السبعين اليوم، في مكانٍ واحد. ولك أن تتخيّل علاقة هذا الرجل بالوقت.
فتمامًا كما ترتبط كلمة "حرية" بهذا الرجل، يرتبط اسمه أيضًا بشكل مباشر بـ"الزمن"، والزمن بمفهومه العام، وليس فقط الزمن الذي أحبّ صاحب العبارة أن يشير إليه. ولهذا، وجدت العبارة ناقصة.
في مطار بيروت، رأيت وجهًا ترك الزمن بصمته عليه: شعرٌ شديد البياض، أشعث، كأيّ شيوعي من ذاك الزمان، يقول كلماتٍ بسيطةً، قليلة، صارخة، في مدينة لا تعرف البساطة، وبالتأكيد لا تعرف الوضوح. هذا المشهد حفر تناقضًا صارخًا بين ملامحه والمدينة التي وصل إليها. مدينة بلا زمن، تستعجل كل شيء، وتُرهقك بتكرار اللحظة، فيما هو، بكل ثقله الزمني، حضر دون استعجال، كأنّه رحل البارحة في زيارة قصيرةٍ إلى فرنسا.
كان التناقض ما دفعني إلى المطار، رغم أنني لم أكن أعي حدوده بعد. تساءلت: هل سيبدو جورج غريبًا عن هذا الزمن؟ هل سيصل مثقلاً بثقل زمن مضى؟ لكن المفارقة أن حضوره بدا، في لحظته تلك، أكثر التصاقًا بالزمن من أيٍّ منا. لا هو خارج الوقت، ولا هو ثقيل عليه، بل كأنّ الزمن عاد معه، لا العكس. لم يكن عائدًا من الماضي، بل بدا كأنّه يعيد ترتيب الحاضر.
في هذا التناقض وجدت تحديدًا ما كان ينقص ذاك العنوان الذي دار في ذهني ولم أكتبه بعد، لأن يومًا واحدًا لا يكفي ليقتل المرء أفكاره على الورق، ولأنّ رحيل زياد كان أسرع من التأمّل في عودة جورج. كان خبر العودة وخبر الرحيل متلاصقين:
العائد جورج إبراهيم عبدالله.
الراحل زياد الرحباني.
"جورج العائد من الماضي".
(وزياد، الراحل إليه؟)
لا أستطيع التوقف عن فصل الحدثين، لما تركه هذا التلاصق من شعورٍ مربكٍ داخلي، ولو أنّ لكلٍ منهما وقعًا مختلفًا.
أنا التي لم تعاصر زياد، ولا عاصرتُ جورج، وأحاول قدر المستطاع أن أبقى صادقة مع تجربتي وزماني، أجد هذا الأخير يتوقف مطوّلًا عند هذين الرجلين، وعلاقتهما الوثيقة بمفهوم الزمن، العام منه والشخصي.
بعضنا لا يقع في شراك الزمن، في حساباته الوهمية الخاصة. بعضنا يُشبه زمنه إلى حدٍّ لا يعود فيه الفرق واضحًا.
أجد أنه من اللطف، وربما من المفارقة الجميلة، رغم ثقل هذه الأعوام، أن يعود الماضي بهذا الشكل، قبل أن يرحل.
* صحافية
