ماركسية معجونة بلحم بيروت: ماذا يحدث للفكرة في الغياب؟

لم يكن زياد الرحباني فنانًا بالمعنى التقليدي، ولا مناضلًا بالشكل الكلاسيكي. كان، ببساطة جارحة، واحدًا من أولئك الذين يصعب تصنيفهم دون أن نخونهم. واليوم، إذ رحل، لم نفقد شخصًا فقط، بل فُتِح جرحٌ في الوعي، ارتجف فيه سؤال ظلّ يرافق تجربته لعقود: ماذا يحدث للفكرة، حين يغيب من يحملها؟
في الفلسفة الماركسية، لا وجود لفكرة خارج السياق المادي. والفرد ليس كائنًا متعاليًا على شروطه الطبقية والاجتماعية، بل نتاجها وجدليّتها. لكن في التجربة الثورية، يظهر دومًا أولئك الذين لا يكتفون بأن يكونوا "نتاجًا" للواقع، بل يسعون لأن يغيروه. زياد كان من هؤلاء، لا كمثقف عضوي تقليدي، بل كحالة متوترة بين الفن والوعي السياسي، بين الموسيقى والجدل الطبقي، بين "أبو الزوز" الشيوعي الذي يسخر من الحزب وينتقده، والماركسي الذي لا يكفّ عن البحث عن الطبقة العاملة حتى داخل البارات.
لم يكن زهدًا... بل مأساة وعي: أن تفهم كيف يعمل النظام،
أن ترى التناقضات، أن تضحك من الطائفة وتلعنها، ثم تصحو على أنك، شئت أم أبيت، لا تزال ابنها.
الفكرة لا تعيش خارج الجسد
الفكرة ليست خالدة، بل هشّة إن لم تجد من يُجسّدها. نُحب أن نطمئن أنفسنا بأن الأفكار لا تموت، لكن هذه رومانسية مريحة. في الحقيقة، الفكرة لا تعيش خارج الجسد. لا تُترجم إلا عبر العقل، والانفعال، واللغة، والسلوك. وهذا الجسد – جسد زياد – كان أداة الفكرة، ومختبرها، ومرآتها.
حين نتكلم عن "فكرة زياد"، لا نقصد برنامجًا سياسيًا،
بل مجموعة من القناعات والانحيازات والرؤى، عاشها الرجل كما تُعاش الجراح، لا كما تُحفظ في الأرشيف. وهنا تكمن خطورة موته: ليس لأنه أوقف موسيقى، بل لأنه أنهى تجربة فكرية/فنية/طبقية لا وريث لها.
التحرر في زمن السوق
كان زياد آخر الأصوات التي قاومت تحويل السياسة إلى سلعة، والفن إلى شعار فارغ. في زمن تُسوّق فيه القضايا عبر "براندات" وهاشتاغات، ظلّ هو مصرًّا على الخشونة، على التناقض، على اللا-احترافية أحيانًا. لأن الحرية الحقيقية – كما فهمها – لا يمكن أن تُحزم في منتج سهل الهضم. مسرحه كان خندقًا، أغنيته كانت بيانًا، وسخريته كانت احتجاجًا. لا يريد "جمهورًا"، بل ناسًا. لا يريد أن يُصفق له أحد، بل أن يفهمه أحد.
ماركس على خشبة مسرح
في تجربة زياد، اجتمع فكر ماركس، وسخرية بريخت، وعبث كافكا، ولهجة عامية متعبة. لم يكن مُبشّرًا بثورة، بل مدركًا أن أي تغيير لا يولد من الرغبات بل من الصراع والشروط المادية. لم ينتظر مدينة فاضلة، بل كشف هشاشة الواقع وقبحه، كما لو كان يضع مرآة أمام البنية العميقة للأشياء. كان يرى الانهيار اللبناني المزمن لا كحادثة طارئة، بل كمسار تاريخي محكوم بالتناقضات البنيوية، فيقرأه بعين الفيلسوف الذي يفكك المجتمع طبقة طبقة، ويحلل تناقضاته كما لو كان يرسم خريطة لقدر محتوم. كأنّ زياد، حين كان يتحدث عن الانهيار، لم يكن يروي نبوءة، بل يكشف قوانين صراعٍ اجتماعي كُتب في أعماق التاريخ قبل أن يظهر في السطح.
حين لا يتجدد الحامل... تموت الفكرة ببطء
الساحة خالية اليوم من أمثال زياد. لا لأن الناس أقل وعيًا، بل لأن المنظومة نجحت في كسر الحامل قبل الفكرة. مَن يحمل أفكارًا اليوم، إما يتنازل عنها تدريجيًا ليبقى، أو يعزلها في غرفة نائية كي لا يَسخر منه أحد.
وزياد؟ اختار أن يبقى، وأن يَسخر، وأن يُسخَر منه. أن يخسر، وأن لا يتنازل.
وداعًا زياد: لم تكن بطلًا، بل كنت الصدق حين يتجسّد. وداعًا أيها الكائن الذي لم يناسبه قالب. وداعًا أيها الرفيق الذي أحببناه رغم أنه لم يطلب حبًّا، بل فكرًا، ووعيًا، وقدرة على الانحياز لمن لا صوت لهم.
لقد رحلت، ولا أحد سيتقن المزج بين البزق والنقد الطبقي كما فعلت، ولا أحد سيقول "هيدا البلد ما بيمشي" بصوتك المتعب والساخر... ويصيب.
لكننا نَعِدُك – لا كشعار، بل كصراع – أن نبقي على جذوة الفكرة حيّة، أن لا ننسى أن الجسد إذا غاب، قد يورّث الفكرة... إن وُجد مَن يملك الجرأة ليحملها بصدق.
* باحث
