الدّولة والمقاومة والسّؤال الأول

في خضمّ الجدل المستعر حول الدّولة والمقاومة والسّلاح، من الواضح حجم الالتباس والتّضليل الإعلاميّ الذي يمارسه البعض، والذى يشمل -في ما يشمل- المنهج الذي يجب اعتماده في معالجة مجمل هذه القضايا ومعضلاتها، إذ إنّ الضياع المنهجيّ، سوف يفضي إلى أکثر من ضياع لاحق.
والمقصود بالمنهج هو التّالي: إذا أردنا أن نمارس التّفكير الصّائب في تلك القضايا، من أين يجب أن نبدأ؟ وما هي الأولويّة التي يجب أن تكون المنطلق؟ أي ما هو السّؤال الأول الذي يجب أن يتقدّم على بقية الأسئلة، وأن تكون نتائجه حاكمة عليها؟
فهل السّؤال الأول هو: كيف نتخلّص من السّلاح؟ وكيف تكون لدينا أحاديّة السّلاح؟ وكيف تحتكر السّلطة السّلاح؟ أم إنّ السّؤال الأول ينبغي أن يكون: كيف نحمي المواطن من الاعتداء الخارجي الذي يستهدفه بالقتل والإضرار؟ وكيف تبني الدّولة ردعها الفاعل أمام التّهديدات التي تواجه؟ وکیف ندافع عن الوطن مقابل العدوان المستمرّ عليه؟ وكيف نصون السّيادة من الانتهاك المستديم لها؟ وكيف نعيد الأمن والأمان في مقابل الاعتداءات المستمرة على الأرض والوطن والإنسان؟
فهل الصّحيح أن نبدأ من صنف الأسئلة الأولى (ثنائیّة/ أحاديّة؛ حصريّة/ عدم حصريّة...)، أم الصّحيح أن نبدأ من صنف الأسئلة الثانية (حماية، دفاع، ردع...)؟ وما الفارق بين هذین الصّنفين من الأسئلة؟
الصّنف الأول همّه -في الشّكل- صورة الدّولة (النّمطيّة)، والمقبوليّة الخارجيّة لها، وفي الجوهر أخذ لبنان إلى تموضع إستراتيجيّ يترتّب عليه الكثير من المخاطر، والتّحلّل من المسؤوليّات التي تستلزم قرارات جادّة ترتبط بالدفاع عن لبنان وامتلاك قوّة ردع كافية لذلك، كما تستلزم استقلاليّة ناجزة للقرار الوطني وعصيّة على الاستلاب والتبعيّة، وسيادة حقيقية تعاند ممارسات الهيمنة والوصاية من الخارج.
الصّنف الثاني من الأسئلة، همّه لا يقتصر على صورة الدّولة، وإنما يتعلّق بشكل أساسي بوظائفها الفعليّة، وواجباتها تجاه المواطن، وأهمّ هذه الواجبات حماية مواطنيها والدّفاع عنهم، وهي -أي هذه الأسئلة- وإن كانت تعنى بعلاقة جيّدة مع الخارج، ولكن العلاقة بين المكوّنات الدّاخليّة (طوائف، أحزاب، تيارات...) تتقدّم على تلك مع الخارج، وهي إن كانت معنيّة بالاقتصاد والسّياحة والتّنميّة...، ولكن تعنيها أيضاً كرامتها الوطنيّة، وسيادتها الحقّة، واستقلاليّة قرارها، وحماية سلمها الأهليّ على جميع الصّعد.
أين تكمن أهمية هذا التّأسيس المنهجيّ؟ تكمن في أنّه لو اعتمدنا هذا السّؤال عن واجب الدّولة في الدّفاع والحماية، كمعطى تأسيسي، ما بعده يترتّب عليه ويتأثر به؛ هنا تغدو بقية الأسئلة حول حصريّة السّلاح بيد السّلطة الرّسميّة، أسئلةً فرعيّة، أي تتفرّع عن ذاك الأصل والتأسيس فيه، بمعنى أنّه قد يكون من المطلوب في أوضاع معينة أن يكون لدينا أحاديّة سلاح، وقد يكون من المطلوب في أوضاع أخرى أن يكون لدينا ثنائيّة سلاح، لا أحاديّة سلاح، وذلك لأنّ حماية الوطن بالشكل الأفضل تتطلّب هذه الثنائيّة، كما في حالة عجز السّلطة الرّسميّة عن واجب الدّفاع.
وقد يتطلّب الأمر في أوضاع معينة أن تحتكر السلطة الرسميّة السلاح، وقد يتطلّب الأمر في أوضاع أخرى أن لا تحتكر السّلطة الرّسميّة السّلاح، بل أن يبادر الشعب إلى حمله، فيما لو كانت هذه الوظيفة تساعد بشكل أفضل على الدّفاع عن المواطن في وجه العدوان الخارجيّ، إذ إنّ سؤال الثنائيّة والأحاديّة، وسؤال الاحتكار وعدمه، متفرّع على سؤال الطريقة الأفضل لحماية الوطن، والدّفاع عن المواطن، وردع العدوان، أي إنّ المعادلة المنطقيّة (والواقعيّة) تقتضي أن نبحث أولاً في سؤال الدّفاع والحماية، بعدها نبحث في بقية الأسئلة على ضوء الجواب عن هذا السّؤال الأول.
إنّ فلسفة الدّولة قبل كلّ شيء فلسفة وظائفيّة ترتبط بمدى قيام الدولة بالوظائف المنوطة بها
إنّ التفكير المنهجي الصحيح يبدأ من الإنسان -المواطن هنا- وحمايته والدفاع عنه، بعدها نذهب إلى السلاح، وما ينبغي أن يكون عليه، خدمة لذاك الهدف المرتبط بالمواطن وحمايته والدفاع عنه، إذ إنّ السلاح كان من أجل المواطن، وكل ما يرتبط بالسلاح يجب أن يكون لخدمة ذاك الهدف المرتبط بالمواطن. أمّا عندما يذهب البعض إلى قلب المعادلة، لتصبح وضعيّة السلاح متقدّمة على أولوية المواطن والدفاع عنه، فهذا يعني نتيجة بسيطة وواضحة لدى هؤلاء، مفادها أن لا قيمة للمواطن وحياته وأمنه لديهم.
وخلاصة القول: إنّ فلسفة الدّولة قبل كلّ شيء فلسفة وظائفيّة، ترتبط بمدى قيام الدولة بالوظائف المنوطة بها، وإن أي نقاش حول تاريخيّة نشوء الدّولة، وتطورها، وصولاً إلى البحث في جدوائیتها، ونجاحها، وفشلها، ومجمل ما يرتبط بها، هو بالدّرجة الأولى نقاش وظائفيّ، ومحور هذه الوظائف الاجتماع العام، ومحور هذا الاجتماع المواطن وحقوقه، وواجب الدّولة نحوه.
وإذا كانت حقوق المواطن هي الأساس في هذا النّقاش، وإذا كانت هذه الحقوق تختلف درجة أهميّتها بحسب تصنيف حاجات المواطن؛ فمن الواضح أن أهم حاجة للمواطن وحقّ من حقوقه، هو حاجته في أن يكون محمياً من دولته من أي عدوان خارجي، وحقّه في أن يشعر بوجود مظلّة حماية له، وقوّة كافية لردع أي عدوان، أو أي تهديد يأتي من الخارج، وهذا الحقّ يرتّب على الدّولة واجباً يتقدّم على بقية الواجبات، ومسؤوليّة ترقى على غيرها من المسؤوليّات، وهو واجب الدّولة في حماية مواطنيها والدّفاع عنهم، ومسؤوليّتها في ممارسة الرّدع تجاه أي تهديد لسيادتها وحدودها، فضلاً عن أمن مواطنيها وحياتهم.
لكن -وللأسف الشديد- ما يريد البعض تكريسه في لبنان، هو إهمال هذه الحقوق للمواطن، وتخلّي الدّولة عن مسؤولياتها وواجباتها نحوه، وكأنّ هناك من يريد تصنيف المواطن اللبنانيّ إلى اثنين: مواطن له الحقّ في الأمن والأمان والحياة، ومواطن لا حقّ له في الأمن والأمان والحياة، فإذا اعتدى عدوّ خارجيّ على هذا المواطن، وعلى أمنه، وممتلكاته، إرهاباً، أو قتلاً وجَرحاً، أو تدميراً وإضراراً؛ فليس هذا بالحدث الذي يستحق أن يستفزّ هذه الدّولة، أو يحرّك ساكنها، أو يستثير غيرة نخبها، أو يُشغل إعلامها، أو يستغضِب مسؤوليها؛ فهل هذه هي الدّولة التي يبشّر بها هؤلاء، وتنظّر لها نخب التبعيّة تلك؟ هذه ليست بدولة، إذ الدّولة تُقاس بمدى جديّتها في قيامها بوظائفها، وتحمّلها لمسؤولياتها، وخصوصاً ذات الأولويّة منها، هؤلاء يريدون بناء سلطة، تكون لهم فيها الهيمنة، وليس بناء دولة -فرقٌ بين بناء الدولة، وبين بناء السلطة- فلو كانوا يريدون -فعلاً وصدقاً- بناء دولة، لكان منطلقهم وظائف الدّولة، ولكان مبدؤهم واجبات الدّولة، وحقوق المواطن لديها.
إنّ المشكلة الأكبر التى نواجهها فى لبنان أنّه لا توجد إرادة حقيقية وصادقة لبناء الدّولة، وحتى الذين يلهجون، صبح مساء، بذكر الدّولة، إنّما يفعلون ذلك في سياق الاحتراب الطّائفي، والفئويّ، إعلامياً وسياسياً، وسوى ذلك، وإلا لو كان هؤلاء يريدون بناء الدّولة حقاً، لَعادوا إلى سؤال الدّولة المتقدّم، وهو سؤال وظائفيّ، ولَكان همّهم في كيفية حماية الوطن، والدّفاع عن المواطن. لو كان هؤلاء يريدون الدّولة صدقاً، لكان همّهم في تفهّم هواجس وتطلّعات تيار وطني عريض، ومكوّنات أساسيّة في الدّولة، ولَكان الغالب هو أسلوب الحوار، وليس الاحتراب، والتّعاون، وليس الغلبة، والشّراكة في الدّاخل، وليس استدعاء الخارج، أو الاستعانة به (على الدّاخل)، ولكفّوا عن التموضع إلى جانب العدوان الخارجيّ على أبناء وطنهم، إعلامياً وسياسياً. فمن كان يريد الدّولة صدقاً، يجب أن يشهد عليه خطابه، ومشروعه، وسیاسته، وأفعاله، وأقواله، وإلّا لن تغدو الدّولة فيه سوى كلمة حقّ يراد بها باطل.
* أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية
